أون إسلام.نت

استشارات :

في فقه المخالطة بين الرياض وجدة

أرسل لصديقك طباعة
(0 تصويتات, متوسط 0 من 5)
في فقه المخالطة بين الرياض وجدة
6793
صفية الجفري
لم تفارقني الابتسامة وأنا أقرأ مقال: زميلتي لم تصل الرياض بعد ؛ حيث يذكر الكاتب أن وجوده في الرياض يجعله يواجه مشكلة "الخلوة غير الشرعية"، كما يسميها رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على حد قوله.

حسنا، لا أعلم إن كان رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يسمون التقاء الجنسين في المجال العام خلوة غير شرعية، وإن كنت لا أعتقد ذلك؛ لأن الخلوة المحرمة عند جمهور أهل السنة هي التي تتم بعيدا عن أعين الناس، ويكون الجو فيها مهيأ لفعل الفاحشة، وقد سئل الإمام أحمد -كما نقل عنه ابن مفلح الحنبلي في الآداب المرعية- عن المرأة تكون عند الكحال (طبيب العيون)، وليس عندها أحد من النساء، قال: أليس المكان على قارعة الطريق؟ قيل: نعم، قال: فهذه ليست بخلوة، أو كما قال.

لا تحريم

فإذا كان وجود الرجل والمرأة في مكان لا يأمنان فيه أن يدخل عليهما أحد من الناس فلا خلوة، ولا حرمة. ومن المهم التساؤل: هل في مسألة الخلوة سعة في حال الحاجة الشديدة؟ إذ إن متأخري الشافعية -كابن حجر الهيتمي- يربطون التحريم بعدم أمن وقوع الفاحشة، أما إذا كان لا فتنة فلا تحريم، وإن كانوا يقصرون صورة عدم الفتنة فيمن عرف صلاحهم كرابعة العدوية وسفيان الثوري، وقصرهم هذا فيه نظر، فلا قطع بعصمة أو حفظ سوى الأنبياء، وهذا هو مذهب الجعفرية، يشترطون الأمن حتى من النظرة المحرمة، مع أنهم يثبتون الكراهة في هذه الحال.

 وقد ذكرت هذا التفصيل لأمرين أحدهما: رفع الحرج عما وقع منه خلوة لا تجاوز فيها في الماضي، ففي تقليده لهذين القولين أو أحدهما سعة، وسألت بعض من أثق بعلمه فلم يوافق على الأخذ بمذهب الجعفرية، ومؤدى مذهب الشافعية إلا في هذه الحال فقط. لكن هل لنا أن نقول: إنه لمن احتاج حاجة شديدة لمثل هذا الحكم، وهو يعلم من نفسه أنه سينضبط بضوابط الشرع، فيكون له الأخذ به؟ أنا هنا أتساءل ولا أقرر.

جدة غير!

وأعود إلى زميلته التي لم تصل الرياض، المشكلة ليست في الخلوة، لكن في منع الاختلاط أساسا بين الجنسين وعده محرما، ولو بلا خلوة. ولكن هنا نقطة مهمة أغفلها الأستاذ أحمد المصري، هي أنه جعل مدن المملكة في سلة واحدة بقوله: "المشكلة أني مقيم في الرياض، وهذه بلد لها تقاليد وعادات وأعراف وقوانين تختلف عن أي دولة عربية أخرى". وليس الحال كذلك، فإذا كان الوصف الذي قدمه الأستاذ أحمد للوضع في الرياض دقيقا، فالأمر في جدة كما نعيشه أوسع وأيسر، واللقاءات المنضبطة متاحة، لا سيما في المطاعم والمقاهي التي لا توجد فيها حواجز خشبية بين الطاولات تحجب من بداخلها، وأتصور أن تعميم منع إقامة هذه الحواجز يساعد على خلق جو معتدل ونظيف مجتمعيا.

ولا أذكر أنني أو إحدى صديقاتي أو معارفي رأينا رجال الهيئة يقتحمون مكانا عاما ويضايقون أفراده، نسمع عن حدوث ذلك لكن بشكل ضيق، وفي أماكن محدودة جدا سيئة السمعة (كما في كل بلدان العالم توجد أماكن سيئة السمعة)، ما عدا ذلك فاللقاءات بين الجنسين متاحة، وفي أجواء لا توتر فيها، ولا خروج فيها عن الآداب الشرعية غالبا.

نحن في جدة كدنا نتجاوز قضية المنع من التواصل الإنساني الطبيعي بين الجنسين، لم يعد مستغربا أن تجد تجمعات مختلطة يحوطها الاحترام تجتمع لتناقش قضايا فكرية أو تطوعية في المنازل أو في المقاهي، القضية التي باتت ملحة هي دراسة آداب هذا التواصل وضوابطه، فيما أسميه "فقه المخالطة"، فملامح المجتمع الجداوي باتت تتغير، الخصوصية التي يتحدث عنها البعض أصبحت ماضيا، لست أزعم أن الحال الآن أسوأ أو أفضل، فمثل هذا التقييم لا يمكن التحدث عنه جزافا.

في جدة لم تكن الفتيات قبل سنوات يجرؤن على الخروج وهن يضعن غطاء الرأس على أكتافهن، كاشفات لشعورهن، لا أقول: إن الحجاب انحسر؛ لأن الحجاب قبلا كان سلوكا تفرضه قوانين المجتمع، ومن ثم كان هناك فتيات يلبسن الحجاب التزاما بقوانين المجتمع فحسب، بينما لا يلتزمن به في التجمعات الأسرية الخاصة، أو في خارج البلاد، الآن لم تعد القوانين صارمة، الذهاب إلى أي مقهى في شمال جدة يبين ذلك بوضوح، تجد المحجبات وتجد غير المحجبات، وكلهن سعوديات. ليس ذلك فقط، هناك مظاهر جديدة أيضا: الاحتفال بأعياد الميلاد مثلا بشكل معلن في المقهى العائلي لم يكن معروفا من قبل بالصورة الحالية، بل إن التعبير عن الحب بين المحبين بدأ يتخلى عن تكتمه، فتلامس الأيدي قد تشاهده عيانا، والحواجز الخشبية بدأت تتوارى، هذا موجود، نعم، لكن بصورة ليست متفشية كما هو في عدم الحجاب. كلامي هذا نتيجة مشاهداتي، وليس ناتجا عن دراسات، ومما تجدر الإشارة إليه أن مسألة الخروج بلا حجاب (تلبس العباءة وتوضع الطرحة على الكتف) هي في الطبقة فوق المتوسطة غالبا، ولست أعمم هنا. أنا هنا لا أقرن بالطبع بين عدم الحجاب والسلوك غير الملائم، بالعكس قد تكون الفتاة غير المتحجبة ذات مظهر أكثر جدية واحتراما من متحجبات ذوات سلوك طائش.

في مجلة تعنى بإظهار المناسبات الاجتماعية، من الممكن أن تقتني على هاتفك النقال صورا لفتيات سعوديات محجبات وغير محجبات، كل صورة تحمل رقما يمكن من خلاله أن تحصل عليها.

تطوير يواكب التغيير

تغيرات جديدة تحتاج إلى رصد أكثر دقة وتعمقا، وخطاب ديني يواكب تغير أحوال الناس، وممارسة واعية تحفظ لغير الملتزمين بالأحكام الظاهرة القطعية حقهم في الاختيار. أقول: الأحكام الظاهرة للدين؛ لأن أخلاقيات الدين مثلا يتشارك فيها الملتزمون بالشعائر الظاهرة وغيرهم، وقد يفوق غير الملتزمين بالشعائر الظاهرة الملتزمين بها في سلوكهم الأخلاقي أو الالتزام بشعيرة كالصلاة مثلا.

كيف سنطور تعاملنا مع (غير الملتزمين بالشعائر الظاهرة)؟ هل سنظل على أساليبنا القديمة في الوعظ أو الانسحاب عن مجالسهم، أم أن الأمر يحتاج منا إلى فقه للمخالطة، وأن نعيد قراءة تراثنا الشرعي نصوصا وفقها، في ضوء التغيرات الجديدة؟.

 وقد قرأت مقالة للكاتبة صافيناز كاظم نبهتني إلى هذا المعنى، وضرورة أن نتدارس فقه المخالطة، إذ في مقالة لها ضمن كتابها ( تاكسي الكلام ) تحدثت عن حضورها لعرض مسرحي في دار الأوبرا، يمزج فيه المخرج وليد عوني بين إحدى المقطوعات الكلاسيكية وبين مقامات نصير شمة عازف العود العراقي الشهير. تقول صافيناز: إنها لم تستطع تقبل الرقص الحديث الذي رافق الموسيقى، وأنها لا تجد فرقا بينه وبين الرقص الشرقي بما يحمله من دلالات جنسية غليظة، رغم أن الرقص ليلتها لم يكن مقززا، لكنها لم تطرب لتلك الزوايا الحادة في التعبير البدني للراقصين، تقول صافيناز: "أدرت ظهري إلى خشبة المسرح ليكون القمر البدر في وجهي، وسمعت الموسيقى وحدها، فأحسست بالجمال الذي يناسبني اختيارا واحتياجا".

فقه التواصل

وقد كنت كتبت في العربية نت مقالا حملته تساؤلات عن تفصيلة صغيرة في (فقه المخالطة)، كيف يتواصل المسلم الملتزم مع المرأة غير المتحجبة؟ وقد يسر الله لي أن أحمل تفصيلتي الصغيرة هذه مع تفاصيل أخرى إلى فضيلة المفتي الشيخ علي جمعة في مكتبه في دار الإفتاء بالقاهرة، قبل شهر تقريبا، قلت لفضيلته: أليس غض البصر هو لأجل حق الطرف الآخر، فإذا أسقط الطرف الآخر حقه، جاز النظر ما لم يكن بشهوة؟ وذكرت له نص ابن عابدين الحنفي، وما جاء في الفقه الجعفري، من عدم حرمة النظر إذا لم تكن شهوة أو فتنة، قال لي: هذا الفهم هو جوهر ما عليه جماهير الفقهاء. وذكر لي أنه قد تكلم في هذه المسألة في درس له قبل مدة وجيزة.

كيف نتواصل مع من يخالفنا فكرا لا سلوكا فقط؟ هذا فقه لم نتعلمه بعد مجتمعيا، كنت أكتب في أحد المواقع، وإذا بي أفاجأ ذات يوم بمقالة منشورة في الموقع للأستاذة بثينة كامل الإعلامية المعروفة، تذهب فيها إلى أن الحجاب مظهر من مظاهر التمييز السلبي، فاجأتني المقالة، وكدت أتصل بصاحب الموقع ومشرفه أعاتبه على نشر هذه المقالة التي تهاجم الحجاب، ثم توقفت متأملة إلى نفسية الإقصاء التي توجه عقلي، عندها بدأت في كتابة تعليق على كلامها وحوار وصفته صديقتي الكاتبة (داليا يوسف) بالهادئ، وتعجبت من هذا الهدوء، أذكر أني قلت لداليا: لم نتعود على حوار المخالفين لا سيما في قطعيات الدين، نحن نحتاج فعلا إلى تعلم ذلك، ولست أدري فعلا إن كان هدوئي هذا هو الصواب، لكن لماذا نتشنج ونحن نعرض ما نعتقد أنه حق، ولعل مثل هذا الهدوء يكون أكثر نفعا من مقالة حادة.

الإعلانات