أون إسلام.نت

استشارات :

الصحبة الصالحة.. نور يهدي إلى النور

أرسل لصديقك طباعة
(0 تصويتات, متوسط 0 من 5)
الصحبة الصالحة.. نور يهدي إلى النور
4959
نطاق الأخلاق والتزكية
بين صخب الحياة وتكالب همومها، يبحث كل منا في صديقه على واحة يستأنس بها، ويستظل بأشجارها، ويرتوي من عذوبة آبارها لكي يواصل حياته؛ إذ تجمع الدنيا بين النعيم والشقاء، ويحتاج الإنسان إلى من يشاركه همه، ويقاسمه فرحه، ويستشيره في أمره، وهذا ما ينشده في رفيق الدرب.

ولكن الكارثة أن تتحول هذه الواحة إلى مزرعة أشواك، ولا يلقى الإنسان الراحة حيث استودع صديقه قلبه، وآمنه على أسراره وطموحه وأحلامه؛ عندئذ يخسر الإنسان دنياه ويحمل نفسه المزيد من الأعباء والضغوط النفسية، ويفتقد من كان يتوقع أن يعينه على الخير وفعل الصالحات، ومشاركته في الحلوة والمرة.

فكيف يختار الشباب أصدقاءهم؟ وما أهمية الصداقة اجتماعيا ونفسيا وخلقيا في حياة الإنسان؟ وهل وجود الأصدقاء في حياتنا مجرد قدر، أم أنه اختيار يحاسب عليه الإنسان، ويتحمل عواقبه؟.

الصاحب ساحب

يذكر منير صبيح، طالب في كلية الهندسة بالجامعة الإسلامية بغزة: "أعترف أنني لم أضع في بدايات صحبتي للآخرين معايير محددة؛ وعلى وجه الخصوص التدين، غير أنني مع الأيام شعرت بأهمية الصحبة الصالحة".

وأضاف: "بصراحة، لم أكن أدري أن الصداقة تؤثر في سلوك الفرد، وتعدل من توجهاته. وبعد أن خضت تجربتي مع شباب لا يتمتعون بحسن الخلق أيقنت أنني سأنزلق، ففكرت مليا، وابتعدت ووجدت نفسي وآمالي بين الشباب المسلم".

"من فاتـه ودُّ أخٍ صـالحٍ.. فذلك المغبـون حق يقين"، بيتٌ من الشعر يرفعه محمد النجار -طالب بكلية الآداب بجامعة الأقصى- كلما اقترب من أحد زملاء الجامعة ، ويتابع: "الصداقة تغذي الأخلاق وتستثمر المبادئ. والأصدقاء كنوز يجب البحث عنهم، وتحمل التعب من أجل اكتشافهم؛ حتى لا تختلط علينا الأحجار بالجواهر".

وبنبرات واثقة تحدثت إلينا لينا الطويل، طالبة صيدلة في جامعة الأزهر: بالطبع أختار صديقاتي وفق معيار التدين والأخلاق. فصديقتي المتدينة ستعينني وتأخذ بيدي نحو بر الأمان، ولكن صديقة السوء ستشدني نحو الهاوية حتى لو تحصنت بأخلاقي، فكما يقولون "الصاحب ساحب".

بينما خالفت الآراء السابقة ربا السقا -طالبة بكلية التجارة في الجامعة الإسلامية بفلسطين- إذ ذكرت: "أصاحب الجميع ولا أضع معايير محددة، ولا أتخاذل عن مصادقة غير المتدينة، فربما آخذ بيدها نحو طريق الصواب". واستدركت: "وبالطبع فإنني بشخصيتي القوية لن أتأثر أو أنجرف مع التيار".

الوفاء والإخلاص أهم من "التدين"!

ومن جامعة الملك عبد العزيز بالسعودية، يشير خالد عمر الفين، طالب في السنة الرابعة بقسم تسويق كلية إدارة الأعمال: "هناك مواصفات مهمة أحتاج إليها في الإنسان الذي أصادقه، وليس بالضرورة أن يكون منها التدين. فالوفاء والإخلاص أهم، فماذا يفيد إن تعاملت مع شخص يدعي التدين وهو خائن".

ويحكي عن معاناته مع الأصدقاء حجي جابر، طالب علم الاتصال بالجامعة الأمريكية المفتوحة بلندن: "لقد عانيت سنوات ممن يسمون أنفسهم أصدقاء، وتجاهلت هذه المعاناة لسنوات، ولكن هذه المعاناة جعلتني أعيد النظر، وأعيد ترتيب أصدقائي. وفرزت الجميع واستبعدت معظمهم، ومن تبقوا يتصفون بما يلي: التقارب في الفكر والتوجه والطموح".

وأوضح أن التدين ليس من الصفات التي يبحث عنها في الأصدقاء؛ وعلل بقوله: "رغم أهمية التدين فإنني لست وصيا على الناس؛ لأني لا أرى نفسي أني بلغت هذا الأمر".

أما أيمن العلي -طالب بكلية خدمة المجتمع بالسعودية- فيشير: "أهم ما أبحث عنه عند اختياري للأصدقاء هو حسن الخلق والاهتمام بالدراسة وعدم إهمالها".

"الصداقة" عند المصريات

وتحرص الفتيات في مصر أكثر من الشباب على أن يكون الخلق الحسن والتدين أهم الصفات المتوفرة في الصديقة، ويبدو ذلك من حديث هويدا يحيى، طالبة بدبلومة الصحافة بجامعة القاهرة ؛ إذ حددت أسسا لاختيار من تصادقه على رأسها الأخلاق، والالتزام بالأصول والقيم المنتشرة في المجتمع.

وعن أهمية تدين الأصدقاء تقول هويدا: "يعد التدين عاملا جذابا لمصاحبة فتاة مثلها، فمن يعرف الله حق معرفته لا بد وأن تكون أخلاقه ومعاملته مع أصدقائه طيبة. وأستكشف من معاملة الناس من يصلح أن يدخل في باقة أصدقائي، وخاصة في الأفراح والأتراح؛ حيث تظهر المشاعر الحقيقية للود والحرص".

وتتطلب رحلة البحث عن صديق وفيّ وصادق وخلوق وقتا طويلا، فليس الأمر هينا؛ بل يحتاج إلى تريث. هذا ما أشارت إليه هبة البحيري، طالبة بكلية التجارة الخارجية بجامعة حلوان.

وأضافت: "هناك صفات أساسية تحدد صفات الصديق الصالح؛ أهمها الأمانة والصدق، وعدم التصرف بشكل يدخل الشك والريبة على المحيطين، بالإضافة إلى الالتزام الخلقي، والذي يمكن معرفته من خلال المظهر العام والتصرفات".

واختار أحمد الشافعي -طالب بالفرقة الرابعة كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر- صديقه بناء على القاعدة التي أسسها لنا الرسول صلى الله عليه وسلم: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل". لذا يرفض أحمد مصادقة من لا خلق له أو من يحمل الدين مظهرا وليس تطبيقا.

ويؤكد: "يخطئ الإنسان في حق نفسه حين يختار من لا خلق له، فيحتاج المسلم لمن يشاركه في فعل الخير والطاعات، ويكون مرآته الواضحة الشفافة؛ تستر العيوب وتحاول إصلاحها، وتقوي من عزم المحاسن، ويعضدها بالمساندة دائما".

وتتحدث عن الصداقة في حياتها حنان غراس، طالبة بالسنة الرابعة آداب إنجليزي بالرباط: "لا يمكنني العيش بدون صديقة. فمن ذا الذي يمكنه اجتياز صعوبات الحياة دون سند من شبكة العلاقات الاجتماعية التي تضم الأقارب، والأصدقاء، والزملاء. ومن أهم معايير اختياري لأصدقائي أن تكون هذه الصديقة على خلق حسن ووفية ومحافظة على الأسرار".

وتختم كلامها: "الصداقة فن وصناعة وأخلاق، وأي صداقة مبنية على الخلق تستمر وتبقى، عكس التي تنبني على المصالح، وتبادل المنافع فقط؛ فإن عمرها قصير".

ويشرح الأستاذ عبد الله الشيباني -مدير مدرسة التدريب القيادي بجماعة العدل والإحسان- شخصية الصديق التي يجب التأثر بها: "هي الشخصية الصادقة مع نفسها، والمنسجمة مع أهدافها، والمتخلقة بالأخلاق الحسنة المتعارف عليها مع الناس".

ويستدرك: "توافر شرط الأخلاق الحسنة في الصديق يعني أن يكون قادرا على خدمة الآخر ومحبته واحترامه بصدق والصبر عليه؛ فالأثر يقع في النفوس بالموقف العملي الدائم والمتكرر، وليس -كما يظن البعض- بتنميق الكلام وتحسينه والتفلسف من أجل الإبهار، وهذا منهي عنه في ديننا الحنيف.

وسلوكك ومعاملتك مع الناس تتطلب منك القدرة على تدبير ذاتك -أو نقول نفسك- وتوجيهها نحو السلوك الحسن ثم الأحسن. وهنا يتفاوت الناس؛ منهم من يمتلكه الغضب، ومنهم من تحكمه الأنانية والأثَرَة، ومنهم من يشح بالابتسامة، ومنهم من يعجز عن قول الكلمة الطيبة والوفاء بالوعد والصدق في الحديث... إلخ".

وحول كيفية التصرف حيال الأصدقاء الذين يخطئون بحقك، فتقول الدكتورة حياة بوفراشن، أستاذة علم النفس بالمعهد الملكي لتكوين الأطر بالرباط: "الخطأ وجرح الآخر أمر وارد في كل العلاقات الإنسانية، هنا يجب أن يكون الشخص له الميول إلى السماح وتجاوز الأزمة، وهذا بطبيعة الحال يتطلب نضجا وتجربة في الحياة. فهناك بعض الأخطاء التي من الصعب تجاوزها؛ ففي هذه الحالة بدل القطيعة قد يلتزم الشخص حدوده، ولا يعطي فرصة أخرى للغلط وللأذى. وإلا فإذا اعتمدنا على القطيعة عند كل خطأ فسيصبح كل واحد في جزيرة يستفرد بنفسه".

وتكمل: "صدمات الأصدقاء أو المعارف لا يخلو منها زمان ولا مكان، ولكن يجب دائما تجديد الأمل وإعطاء فرص جديدة للأشخاص؛ وإلا فسيعيش الشخص في فردانية وسوداوية، تجعل منه شخصا سلبيا ينفر منه الآخرون".

وحول "الصداقة بين الجنسين" تقول الداعية البتول بيشا، عضو جمعية إنصاف للمرأة والطفل بالمغرب: "لقد ربى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصحابة والصحابيات معا تحت عين النبوة؛ ولم يعيشوا في معسكرين منفصلين، فكانوا يصلون معا في مسجد واحد، ويحضرون خطب الرسول صلى الله عليه وسلم ويحضرون مواسم الخير جميعها، فهذه صحابية بعد أن انتهت الصلاة تسأل رجلا أمامها عما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم".

وتوضح: "نتساءل عما يقصد بالصداقة اليوم؟ فلا شك أنها بعيدة كل البعد عن ضوابط العلاقة بين الصحابة والصحابيات؛ ثم إنها على العموم تهم شريحة من الشباب في سن المراهقة، وهذا بطبيعة الحال أمر غير سليم بالمرة. وما يجعل شبابنا يتهافت على هذا الأمر هو الفراغ؛ بحيث لو بحث كلا الطرفين عن رفقة صالحة تذكره بربه وبالآخرة، وعن عمل نافع يخدم به أمته في انتظار أن يستقر اجتماعيا وعاطفيا لكان خيرا".

الصداقة.. ترسم ملامح الشخصية

الإنسان بطبعه اجتماعي ويتوق للصحبة ولا يمكنه الاستغناء عنها، وبما أن الصديق له الأثر الكبير على حياة الفرد والمجتمع، فما هي الاحتياجات التي تشبعها الصداقة، وكيف يتأثر الإنسان في حياته بأصدقائه؟.

أسئلة عن مفهوم الصداقة ومعاييرها، ألقيناها على طاولة الحوار مع الأستاذ أنور البرعاوي، محاضر بقسم علم النفس بالجامعة الإسلامية بغزة، فرد قائلا: "لا أبالغ إن قلت إن الصحبة من المؤثرات الأساسية في تكوين الشخصية ورسم معالم الطريق؛ فإن كانت صحبة أخيار أفاضت على الأصحاب كل الخير، وإن كانت صحبة أشرار فمن المؤكد أنها ستترك بصماتها. قل لي من تصاحب أقل لك من أنت".

وأوضح أن الصداقة من الأمور المهمة في حياة الشباب؛ فهي تشعرهم بالتوافق والتكيف مع البيئة المحيطة، وتلبي احتياجاتهم النفسية والاجتماعية. وأضاف: "فهي ساحة غنية بالخبرات والتجارب وصقل القدرات من خلال الانتماء للجماعة ومشاركة الآخرين. وتوفر الصداقة الأنس والاطمئنان النفسي، والشعور بالأمان والمشاركة الوجدانية، والإفصاح عن الذات وعن بعض المشاكل والهموم، وتلقى المساعدة في الشدة، والاكتساب والتنمية، وإعداد الشخص لمواجهة المجتمع".

وشبّه البرعاوي الصحبة كالبيئة، فمن يعش في بيئة ملوثة ينل نصيبا وافرا من التلوث. ومن يترعرع في بيئة نظيفة يبقَ في مأمن. كما نوه بدور الأهل في اختيار أصدقاء أبنائهم وتوجيههم نحو الصواب.

وتابع شارحا: "يشير علماء النفس إلى بعض الأمور والمعايير التي لا بد وأن يأخذها الشخص بنظر الاعتبار عند بدء الصداقة؛ مثل التقارب العمري وتوافر قدر من التماثل بينهم من سمات الشخصية والقدرات العقلية والاهتمامات الإنسانية؛ إلى جانب الثقة بالنفس وقوة الشخصية. وقد أكد الإسلام على ضرورة توافر شرط التدين والخلق الإنساني الرفيع".

رئة ثانية يتنفس بها الإنسان

ويلتقط الدكتور "صالح يحيى الدوسي الزهراني -محاضر بقسم التربية وعلم النفس بكلية المجتمع بجدة- أطراف الحديث حول الصداقة في حياة الإنسان السوي، ذاكرا: يقول علماء الاجتماع إن الإنسان مدني بطبعه، ولربما قيل في اسم "الإنسان" إنه يأنس بغيره؛ ولذلك حينما أراد الله أن يعاقب الثلاثة الذين خلفوا منعهم من الأصدقاء والأصحاب، فكانت عقوبة من فوق سبع سموات ألا يتحدث معهم أحد.

وذكر في هذا الوصف القرآن الكريم: {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ} [التوبة: 118]. ولذلك من مصادرة الفطرة أن ننعزل عن المجتمع، ومن مصادمة الفطرة أن ننطوي عن النفس.. مشيرا إلى أن "النفس البشرية السوية ترنو إلى الصديق الوفي".

وعن الاحتياجات التي تشبعها الصداقة يقول د. الزهراني: "الصداقة تعتبر رئة ثانية يتنفس بها الإنسان، ولذلك هي تشبع حاجته إلى الشكوى من ألم، يقول الشاعر:

فلا بد من شكوى إلى ذي مروءة *** يُسْليك أو ينسيك أو يتوجع

وتعد الصحبة مدرسة تربوية تنافس المدرسة النظامية والإعلام ويسمونها بالمجتمع، وتقول العرب: "الصاحب ساحب"، فإما أن يسحب إلى الخير أو يوجهك إلى الشر.

وعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: "مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة" [متفق عليه].

فلا شك أن هناك أثرا تربويا واجتماعيا ونفسيا للأصحاب. كم من شباب اهتدوا وتأثروا في دينهم وعبادتهم وحياتهم بالصحبة، وكم من شباب يعيشون خلف القضبان يقسمون بالله أنهم تورطوا فيما وصلوا إليه بسبب الصحبة.

وعن معايير اختيار الأصدقاء يقول الزهراني: "إن اختيار الصديق يكون بحسب القيم المركزية التي يمتلكها المرء؛ فأنت تصادق من يشاركك ذات القيم، مثال ذلك: لو كنت رجلا تحب الصدق والإخلاص والكرم، لا يمكن أن تصاحب الكذاب والبخيل. فكل إنسان منا متى وجد إنسانا آخر يتفق معه في قيمه المركزية، فإنه يرنو أن يكون صديقا له.

وتحث تربينا الإسلامية على اختيار من يقربك إلى الله، ويكون عونا لك على الطاعة؛ حتى لو لم يفدك في المال والوظيفة والجاه فمثل هذا تمسك عليه. وهناك معايير ثانوية ليست مركزية وأساسية مثل أن يكون من ذات الطبقة الاجتماعية والمستوى الدراسي والفكري والتعليمي، فمن الصعوبة أن يكون أميا في صحبة من حملة الشهادات العليا".

ومن شروط الصحة النفسية أن يكون للإنسان صداقات؛ والسبب يوضحه د. محمد حسن غانم، أستاذ علم النفس بكلية الآداب جامعة حلوان: "الصداقة معناها أن الإنسان يثق في الآخر أولا وفي ذاته ثانيا. كما تقوم على مجموعة من الأسس كلها تصب في بوتقة الصحة النفسية للفرد. فالصديق يسمح للشخص أن يفضفض له بآماله، والعكس كذلك، هذا بالإضافة إلى أن الصداقة تمد الشخص بمعين من المساندة الاجتماعية والصلابة النفسية، وهما عنصران في مسألة عبور الشخص لأزمات الحياة المختلفة، كما يشعران الشخص بقيمته".

ومن المعايير التي تجعل الإنسان يشعر بأن الطرف الآخر يصلح لأن يكون رفيق دربه، بخلاف التوافق في القيم والأخلاق، ما أضافه د. غانم قائلا: "يشعر المرء بالراحة النفسية في وجود الصديق، والافتقاد حين يغيب، وأن الوقت يمر سريعا معه، بالإضافة إلى الانفعال وفقا للحدث الذي يمر به هذا الصديق، ولذلك فالصديق يمكن أن يكون سببا في أن يكون الشخص سويا أو غير سوي، من أجل وجود هذا التوحد النفسي".

أما الثقة التي تتأصل بين الأصدقاء فلا يرى الدكتور غانم وجود أي اختبارات محددة لمعرفة أهل الثقة من الأصدقاء سوى اختبارات الحياة، ويرى أن "هذه الاختبارات كفيلة بأن تكشف الصديق الحقيقي من المزيف؛ فالصديق هو من سيقف في الشدائد ويخلص النصيحة".

قضية مجتمع

ينير كل منهما طريق الآخر

ويتحدث في هذا السياق الدكتور محمد علي صالحين، أستاذ الفكر الإسلامي بكلية دار العلوم بجامعة المنيا: "يختار المرء صديقه عكس الأقارب والرحم، ومن ثم حث ديننا الحنيف على التدقيق في الاختيار، فإن المرء تعرف أخلاقه وفساده، بل تستكشف أماله وطموحاته؛ إذا عرف أصدقاؤه.

وإذا كان رسول الله يمثل القدوة الحسنة والأسوة الصالحة، فإن لنا أن نتمثل بطريقة اختياره لأقرب أصدقائه؛ إذ قال: "لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا". وكما يجامل الإنسان أصدقاءه ليستحوذ على قبولهم، عليه أن يتقرب إلى أصدقائه بما يحبونه ويهوونه".

ولتوضيح هذا المعنى يشير د. محمد صالحين إلى الآتي: "إذا صادق الإنسان الأخيار انتقل إليه خيرهم، وإذا صادق العابثين أصابه كثير من شرهم، فالشاب إذا صادق من يحب مرضاة الله تعالى، ويسعى للالتزام بحدوده ويلتزم بأداء فرائضه، فإنه سيسعى جاهدا إلى التمثل بخلق هذا الصديق، فينضح على سلوكه صدقا وأمانة ووفاء ومروءة.

والعكس صحيح، فإن الإنسان إذا صادق من يسعون لإرضاء أهوائهم وإرواء نزواتهم، والسعي وراء شهواتهم، فإنه يكون في موقف اختيار صعب؛ إما أن يرضي هؤلاء على حساب دينه، وإما أن يخالفهم ويخسر صداقته.

كما لا بد وأن يعلم المسلم أن آثار صداقته لا تقتصر على أمور الدنيا، حيث تمد إلى أمور الآخرة، وفي ذلك يقول تعالى: {الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا الْمُتَّقِينَ} (الزخرف: 67) فهؤلاء فقط الذين يسعدون يوم القيامة بصداقاتهم، ويقابل بعضهم بعضا ساكني القلوب".

ويؤكد صبحي اليازجي -مدير رابطة علماء فلسطين- في بداية حديثه معنا على أهمية اختيار الصديق في حياة المسلم، معلقا: "الصداقة ليست مسألة عادية في الإسلام، بل هي من القضايا الملحة والمهمة؛ لأنها قضية الإنسان والمجتمع".

ودلل على ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إمَّا أنْ يُحذيَك، وإمَّا أنْ تبتاع منه، وإمَّا أن تجد منه ريحا طيِّبة، ونافخ الكير إمَّا أن يُحرق ثيابك، وإمَّا أن تجد ريحًا خبيثة".

وتابع: مصداقا لقول نبينا صلى الله عليه وسلم: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل"؛ فإن رفقاء الخير لهم الأثر الطيب في حياة الإنسان الذي بطبعه وفطرته يتأثر بمن حوله. والعكس.. فإن رفقاء السوء يأخذونه إلى عالم ملوث ويناله نصيب وافر من الهلاك والشقاء. وربما لا يقتصر هذا الهلاك على الدنيا بل يتجاوزه إلى الآخرة.

ودلل على أثر الصداقة في تنشئة الشباب في المجتمع بانتشار التدخين وظهور المخدرات وغيرها من الأوبئة الاجتماعية؛ وأضاف: "في ظل غياب القدوة، وأمام انعدام رقابة الأهل واجتياح الغزو الثقافي والفكري لعقول شبابنا؛ وجدناهم يلتفون حول رفقاء السوء، وهذا ما انعكس على المجتمع الذي ناله نصيب من التفكك والتشتت".

وعن الصفات التي يجب توافرها في الصديق أردف اليازجي قائلا: "يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي". ومن هنا علينا أن نضع معيار الإيمان في أول معايير اختيار الصداقة؛ ثم تأتي معايير أخرى كالفضيلة والوفاء والخلق الكريم والإخلاص والأمانة والصدق وغيرها الكثير من الصفات الحسنة".

صحبة الصالحين.. عنوان الفلاح

"الصديق الصالح هو عنوان الفلاح، وهو سبب للورود على باب الجنة أو سبب للصد عنه"، هذا ما أكده الشيخ عبد اللطيف بن هاجس الغامدي، داعية سعودي متخصص في قضايا الشباب.

واستدرك: "من صلح فما صلح إلا بتوفيق الله ثم بإعانة الصديق الصالح، وما فسد من فسد إلا بإعانة من أعانه على معصية الله عز وجل؛ فالصديق الصالح هو عنوان السعادة؛ في الدنيا يذكرك إذا نسيت، ويعلمك إذا جهلت، ويعينك إذا أطعت، ويأخذ بيدك إلى كل خير. أما صديق السوء فهو الخذلان عند النوائب، وسبب لذهاب الجاه والمال، والمحبة لله تبارك وتعالى".

وأضاف: "تأمل تأثير الصداقة في حياة الناس فستجد شبابا وقعوا في طريق المخدرات، وفتيات وقعن في حبائل المعاكسات، وكم من صالح انتكس وكم من مهتد ضل، والسبب في هذا هو صديق السوء!".

وعن أثر مصاحبة المتدين وغير المتدين في تنشئة الشاب، وتصرفاته، وسلوكياته يبيِّن الغامدي: "نحن كتلة من المشاعر والعواطف والأحاسيس، ولسنا بخشب. نتأثر ونؤثر ونأخذ ونعطي، ونكتسب من طبائع الناس وأخلاقهم.

فإن كان الصاحب صالحا فلا بد أن يؤثر في مسلك العبد، ويؤثر في أقواله وأفعاله، ومعتقداته فيمن يصاحبه. واقرأ التاريخ تجد من أضل فرعون إلا هامان، ومن أضل أبا طالب عند الموت إلا أبو جهل. وانظر في نهاية كل من ختمت له بخاتمة الشقاء تجد أن له عونا على السوء أورده المهالك".

وحول المعايير المثلى التي يختار بها الشاب أصدقاءه يذكر الغامدي: "من أهم تلك المعايير صحة معتقد الصديق وسلامة منهجه، واستقامة حاله وطيب أعماله، وكرامة أخلاقه وطيب شمائله وجمال فضائله". مضيفا: "إذا رأيت من يعينك على طاعة فالزمه، وإذا رأيت من يصدك عنها ففر من المجذوم فرارك من الأسد".

وعن كيفية اختيار الأصدقاء وتقييم الناس لاختيار الخليل الصالح؛ يوضح الغامدي: "المعاشرة تولد التقييم لأنك لا تعرف أخلاق الناس إلا أن تتعامل معهم، ولكن صلاح المظهر في الغالب يخبر عن صلاح المخبر، وحرص الصديق في مجالات الخير، وذكر الناس الحسن له يوحي بحاله، وحقيقة أفعاله.

فانظر لصاحب المسجد، والزم صديق المحاضرة، وتشبث بزميل المحراب، وكن مع رفيق الدعوة، واستظل بضلال من استقام على شرع الله؛ فإن صداقته شجرة وارفة الضلال، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها".

استمع لأغنية:

يجمع القرآن بينهما
الإعلانات