تابع ملايين الناس عبر القنوات الفضائية المتعددة ما حصل في جلسة مجلس الشعب يوم 7 فبراير 2012م، وما قام به النائب المحامي ممدوح إسماعيل – سلفي الانتماء- من رفع أذان صلاة العصر أثناء الجلسة دون استئذان من رئيس مجلس الشعب الدكتور سعد الكتاتني، وما تلاها من قيام النائب بالبرلمان الشيخ سيد عسكر من التعقيب على الحادثة، ورفض رفع الأذان في مجلس الشعب.
وهذه الحادثة تتكون من ثلاثة مشاهد:
المشهد الأول: قيام النائب ممدوح إسماعيل بالأذان.
المشهد الثاني: اعتراض رئيس المجلس عليه ورفضه للفعل.
المشهد الثالث: بيان رؤية شرعية للشيخ سيد عسكر أحد علماء الأزهر ، النائب بالبرلمان.
المشهد الأول: قيام النائب ممدوح إسماعيل بالأذان.
ما قام به النائب ممدوح إسماعيل هو تعبير عن نمط من أنماط التدين، تتميز به طائفة من الشعب المصري، وهو فصيل داخل التيار السلفي، وإن لم يكن هذا السلوك هو توجه عام للتيار السلفي.
وقد قام نفس النائب عند القسم في أول جلسة انعقاد للبرلمان بزيادة على احترام الدستور والقانون بعبارة ( إلا ما خالف شرع الله تعالى).
وهذا التوجه في التدين يعتني بإظهار هذا النوع علانية، ويغلب عليه الرسالة الإعلامية من خلال المشهد ( الكلام- حركات الجسد – المؤثرات الصوتية)، وما قام به النائب ليس محل طعن في نيته، وإنما الكلام عنه من باب تحليل الموقف.
فالأذان في الإسلام شرع للإعلام بدخول الوقت، وإن كان يجوز الأذان خارج المساجد، إلا أن مقصود الأذان أن ينتبه الناس للصلاة، فإذا أذن في محيط المكان، فقد قامت الأمة بأداء الشعيرة، وهي رفع الأذان.
ولا يشترط شرعا أن يقوم المسلمون بالأذان في كل مكان، لأن الصلاة تصح بلا أذان، كما أن الأذان يرفع في المساجد كلها بل وفي المصليات الصغرى، وأعضاء مجلس الشعب يعرفون الوقت، وبعضهم قد جمع الصلاة جمع تقديم، كما قال الشيخ سيد عسكر.
وكان من الأولى أن يقوم النائب إن كان أراد تذكير الناس بالصلاة، وهو مقصود الأذان أن يكتب ورقة لرئيس المجلس يطلب منه تذكير الناس بالصلاة لمن شاء أن يخرج من القاعة حتى يؤدي الصلاة، بدلا من هذا الافتعال.
ثم إن عددا من الفقهاء لم يستحب الأذان، إن لم يكن المقصود منه مناداة الناس على الصلاة، لأن هذا هو مقصود الأذان، فإن اجتمعت جماعة من الناس وأرادوا الصلاة، ولا يريدون للناس أن يأتي معهم فلا يستحب الأذان، فضلا عن كون أعضاء المجلس قد صلى أغلبهم، ومن لم يكن صلى فهو إما أن يجمع وإما أن يخرج للصلاة، فيكون رفع الأذان في مثل هذه الحالة خارجا عن إطار الرؤية الفقهية بناء على ما قاله الفقهاء.
وقد جاء في كتاب مواهب الجليل من كتب المالكية للحطاب قال:
فُهِمَ مِنْ كَلامِ الْمُصَنِّفِ : أَنَّ الأَذَانَ لا يُسْتَحَبُّ لِلْفَذِّ فِي غَيْرِ السَّفَرِ وَلا لِلْجَمَاعَةِ الَّتِي لَمْ تَطْلُبْ غَيْرَهَا وَإِذَا قُلْنَا لا يُسْتَحَبُّ فَهَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ أَوْ مُبَاحٌ ؟ ظَاهِرُ كَلامِهِمْ أَنَّ الأَوْلَى تَرْكُهُ , قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي شَرْحِ لَيْسَ الأَذَانُ إلا فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ وَمَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ , وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : فِيمَنْ صَلَّى فِي مَنْزِلِهِ أَوْ أَمَّ جَمَاعَةً فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ لا أَذَانَ لَهُمْ إلا الْمُسَافِرَ , وَقَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَمَالِكٌ : فَإِنْ أَقَامَ فَحَسَنٌ.
ثم إن النائب لم يراع فقه الأولويات، وذلك لما يلي:
أن هذه أول تجربة للإسلاميين كأغلبية في مجلس الشعب، فلابد من الانتباه إلى رسم الصورة العامة لهم أمام الشعب والعالم كله، لأن هذا قد يفهم منه توجه الإسلاميين داخل المجلس من الاهتمام بأمور العبادات دون الاهتمام بأمور الشعب والوطن.
أن هناك ما يعرف بواجب الوقت، فيقدم على غيره، إن كان في غيره سعة.
أن الأذان متحقق سواء أذن النائب أم لم يؤذن، لكن مناقشة قضايا مهمة كقضية قتل المتظاهرين وتقاعس وزارة الداخلية هو أهم ويقدم على مناقشة الأذان داخل مجلس الشعب، فإنه يقدم أنفع الأمرين، ومناقشة قتل المتظاهرين وما يتعلق بها أهم من الخلاف في رفع الأذان من عدمه.
وليست العبرة في هذه الحادثة بعينها، ولكن التخوف أن يكون ذلك منهجا، بحيث يغلب على جلسات مجلس الشعب الدخول في بعض المسائل الفرعية البعيدة عن دور مجلس الشعب التي تجعله يحيد عن وظيفته الأساسية.
فالمسلم يجب عليه أن يشتغل بوظيفته في مكان عمله، وألا ينشغل بغيرها على حسابها، وألا يقدم الإسلام للناس على أنه حرص على العبادات وحدها، وقد جاء الإسلام ليعمر الأرض بالصالح النافع، فهو عقيدة وشريعة وعبادة وأخلاق وسلوك.
المشهد الثاني: اعتراض رئيس المجلس عليه ورفضه للفعل.
أما اعتراض رئيس مجلس الشعب فهو من حيث الرؤية الكلية اعتراض في محله، لكن رئيس المجلس وقع فيما وقع فيه النائب المؤذن، من كثرة الجدال حول الموضوع، مما أعطى الموضوع أكبر من حقه، وكان يمكن للموضوع أن يمر مرور الكرام لو اكتفى رئيس المجلس له بقوله: أنت لم تستأذن، وقد خالفت اللائحة، ليس المجلس مكان أذان، لكن دخوله مع النائب في مجادلات، ومحاولة إبراز رسالة ما للعالم كله، أن مجلس الشعب المصري لم يتحول إلى مسجد، أو النواب أضحوا جماعة (دراويش)، فهي رسالة جيدة ومهمة، وتراعي فقه الواقع والأولويات، لكن كثرة التعقيب عليها لم تكن في محلها.
المشهد الثالث: بيان رؤية شرعية للشيخ سيد عسكر أحد علماء الأزهر ، النائب بالبرلمان.
وترتب على ذلك أن طلب رئيس المجلس من الشيخ سيد عسكر بيان الوجهة الشرعية، وهو أيضا امتداد للنفس منهج المزايدة، لأن مناقشة رفع الأذان في المجلس ليست من أعمال المجلس، وعلى افتراض طلب مناقشتها، فلابد أن تكون أدرجت ضمن الأعمال، أو أخذت موافقة الأعضاء من باب ترتيب الأولويات.
ثم قيام الشيخ سيد عسكر ببيان فتوى حول الحادثة كل ذلك صب فيما وقع فيه النائب من خطإ منهجي، فليس مجلس الشعب مكانا لبيان الفتوى الشرعية، إلا أن يكون الأمر متعلقا بمشروع قانون، أو مناقشة قضية مطروحة على جدول المجلس للمناقشة، هذا دون الدخول في تفاصيل الفتوى.
وعلى كل...
فما حصل من النائب ممدوح إسماعيل هو نوع من المزايدة من حيث النتيجة لا من حيث النية، فنيته بينه وبين ربه، ولكنه غاب عنه فقه الأولويات وفقه الواقع، وأحدث ضجة إعلامية مما يكون لها الأثر السيئ، وسيتم تداول القضية في عدد من القنوات، وستكتب عليها كل الجرائد والمجلات ومواقع الانترنت، ويتسبب هذا النائب في أن يشغل أوقات الناس بقضايا فرعية، ولو درى أنه سيتسبب في إهدار أوقات وأموال وطاقات هائلة لكان تراجع عن هذا الفعل إن كانت هناك بقية حكمة وعقل.
ومن الأفضل أن تعالج مثل هذه الأمور بشيء من الحكمة، كأن توقف الجلسات وقت الصلاة، فلا يكون هناك داع لمثل هذه الأشياء، كما أن إيقاف الجلسات وقت الصلاة مما ينبغي عليه العمل في المؤسسات كلها في بلاد المسلمين.
كما أنني أتمنى ألا تأخذ القضية أكبر من حجمها، فهي حادثة عابرة وإن كانت تعبر عن منهج معين، ولعل من يتبنون نفس المنهج – أيا كان اتجاههم الفكري- أن يراجعوا مثل هذه السلوكيات، وأن ينتبهوا إلى دورهم الأكبر في سن التشريعات بما يحقق المصلحة الشرعية للبلاد والعباد، وأن يهتموا بالقضايا الكبرى التي تمثل الفروض الواجبة عليهم، وإن كان ثمة أمر مهم يراه أحد النواب أو بعضهم، فليكن في مسار المؤسسة من اتخاذ الإجراءات المتبعة في مجلس الشعب حتى يمكن طرحه ومناقشته، وحتى يقدم الإسلاميون صورة أشرق عن إسلام الدين والدنيا لا إسلام المساجد والأذان فحسب.












إن فاتك العلامة الدكتور سلمان العودة كعالم تتربى على يديه، فلا يفوتك هذا الملف الذي يتيح لك فرصة أن تتعلم من كلماته التالية التي وضعناها بين يديك.

ملف يسعى إلى الإجابة على كافة الأسئلة التي تدور في أذهان أولياء الأمور قبل بدء الدراسة من أول الاستعدادات لروتين اليوم الدراسي، وكيفية تقبل الالتزام به، ووسائل التغلب على ضعف التركيز والانتباه، وأفضل ...




