أون إسلام.نت

استشارات :

فقهاء: زرع المبايض خلط للأنساب محرم

أرسل لصديقك طباعة
(0 تصويتات, متوسط 0 من 5)
فقهاء: زرع المبايض خلط للأنساب محرم
25203
أحمد محمود
حالة من الجدل بين الفقهاء قاسمها المشترك هو الرفض لما أعلنه الطب عن ولادة أول طفلة في العالم من سيدة تم زرع مبيض أختها فيها بعد إصابتها بأعراض سن اليأس المبكر.

ففي سابقة عالمية فريدة من نوعها وضعت امرأة تدعى "سوزان بوتشر" طفلة بعد عام من خضوعها لعملية زرع مبيض من شقيقتها التوأم، بعد إصابتها بأعراض سن اليأس المبكر في عمر 39 عاما، ووصفت "بوتشر" طفلتها "التي تعتبر ابنة شقيقتها وراثيا" بأنها معجزة.

فقهاء اعتبروا ما تم خلط أنساب محرم شرعا، مؤكدين أن زوج تلك السيدة قد لقح بحيوانه المنوي بويضة غريبة ليست بويضة امرأته..

لكن الجدل والخلاف انصب على كون ما تم درجة من درجات الزنا التي تستوجب إقامة الحد الشرعي، وكذلك على الحقوق المترتبة على النسب من ميراث وغيرها..

يذكر أن هذه المحاولة ليست الأولى في هذا الميدان، وإنما سبقتها محاولات عديدة، أشهرها إعلان أطباء بلجيكيون من جامعة "لوفيان" الكاثوليكية عن نجاحهم للمرة الثانية في زرع مبيض لإحدى النساء التي كانت قد خضعت لعمليات علاج بالإشعاع من أحد أمراض الدم، ونجحت العملية، وعادت لها الدورة الشهرية.

إنجاز طبي.. ولكن

الدكتور كريم حسنين أستاذ أمراض النساء بطب عين شمس يشير في تصريح لإسلام أون لاين. نت إلى أن العملية تعد إنجازا طبيا برغم المخالفات الدينية فيها؛ لأنها معقدة، وكان يمكن الاستعاضة عن ذلك بأخذ بويضة من الأخت المتبرعة ووضعها في رحم راغبة الحمل، بعد أن يتم تلقيحها خارج الرحم..

ويؤكد كريم أن التأثير الوراثي يكون لصاحبة البويضة؛ لأن البويضات هي التي تحمل الصفات الوراثية الأنثوية، وليس للأخت التي حملت أي تأثير وراثي، وإنما يقتصر دورها على التغذية والحمل والولادة..

ويتابع: ولهذا فإن الأم الحقيقة هي صاحبة المبيض والبويضات؛ لأن الرحم ليس له أي دور في نقل الصفات الوراثية، وإنما هو مجرد وعاء للحمل والتغذية والنمو؛ ولهذا يؤكد أنه توجد هنا عملية اختلاط أنساب حرمها الإسلام.

وعن وظيفة المبايض في عملية الحمل تقول الدكتورة سناء حتحوت _العميدة السابقة لطب الأزهر_ لإسلام أون لاين. نت: من المعروف أنه في كل شهر يطلق أحد المبيضين بويضة واحدة تصل في اليوم الرابع عشر من الدورة الشهرية إلى قناة فالوب وتنتظر الإخصاب، وفي نفس الوقت يكون الرحم قد أصبح مهيئا لاستقبال البويضة على أساس أنها ستخصب، وتزداد دموية بطانة الرحم، وتنتفخ تحت تأثير هرمونات الأنوثة؛ لتكون غشاء سميكا.

وتتابع: وتصل البويضة إلى الرحم، وعندما يجدها الرحم غير ملقحة ينسلخ، ويسقط هذا الغشاء السميك مكونا الدورة، والتي تخرج على شكل دم عن طريق المهبل، وتحدث الدورة الشهرية عادة كل 28 يومًا، ولكن هذا الرقم ليس ثابتا، وقد يزيد وينقص من امرأة إلى أخرى.

وتوضح حتحوت أن للمبايض وظيفتين رئيسيتين: أولهما: إنتاج البويضة اللازمة للحمل، ويتم ذلك مرة كل شهر، وثانيهما: إفراز الهرمونات، وهي مواد كيميائية لازمة للسيدة من أجل وظائف الجسم المختلفة وانتظام الدورة الشهرية.

مازلنا ندرس

وعن الحكم الشرعي يؤكد الشيخ سالم الشيخي عضو المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، ورئيس لجنة الفتوى ببريطانيا، أن الأمر يحتاج لدراسة واقعية فاحصة خاصة مع الأطباء المختصين قبل إطلاق الحكم الشرعي في هذا الموضوع.

 1

 الشيخ سالم الشيخي

ويضيف الشيخي أن القضية قد طرحت بالفعل في نقاش بين الفقهاء في بريطانيا وعدد من الأطباء لإماطة اللثام عن بعض الأمور الطبية أبرزها، هل يستمر المبيض بعد زرعه في المرأة الجديدة في إنتاج بويضات لها نفس الصفات الوراثية للمرأة القديمة أم أنه يأخذ الصفات الوراثية للمرأة الجديدة بعد عملية الزرع، وهو الأمر الذي سيتوقف عليه رأي الفقهاء في لندن حول ما إذا كان هذا يعد اختلاطًا للأنساب لا يجوز أم أن التوصيف سيختلف.؟  

حرام.. ولا تثبت حقوقا

الدكتور عبد الرحمن عميرة العميد السابق لكلية أصول الدين جامعة الأزهر أوضح في تعليقه لإسلام أون لاين.نت أن التداوي للحصول على الذرية أمر مباح شرعا؛ بشرط أن يتم ذلك بالوسائل المشروعة، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "تداووا عباد الله فإن الله لم يخلق داء إلا خلق له الدواء، علمه من علمه وجهله من جهله".. محددا الضابط الشرعي للتداوي بقوله: "تداووا ولا تداووا بمحرم."

ولهذا يقرر أن "زرع مبيض امرأة في أخرى بهدف الإنجاب أمر محرم شرعا؛ لأنه من المعروف علميًّا أن البويضة التي تخرج من المبيض هي التي تحمل الصفات الوراثية الأنثوية، وبالتالي فإن الصفات التي سيحملها الجنين ستكون من صاحبة البويضة وليس من صاحبة الرحم.." مشددا على أنه "لا قيمة هنا للتراضي بين الأختين؛ لأنه تراضٍ على محرم يرفضه الشرع والفطرة السوية."

وطالب عميرة المهتمين بالقضية أن يطلعوا على قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة في دورته السابعة، والتي ناقش فيها الأساليب الحديثة للإنجاب، ومنها الأسلوب الذي جاء ترتيبه الرابع، وجاء بالنص أنه "أسلوب يجري فيه تلقيح خارجي في أنبوب الاختبار، بين نطفة مأخوذة من زوج، وبويضة مأخوذة من مبيض امرأة، ليست زوجته، ويسمونها متبرعة، ثم تزرع اللقيحة في رحم زوجته."

ويؤكد عميرة أن المجمع قد قرر بأن نسب المولود يثبت من الزوجين مصدري البذرتين، ويتبع الميراث والحقوق الأخرى ثبوت النسب، فحين يثبت نسب المولود من الرجل والمرأة يثبت الإرث وغيره من الأحكام بين الولد ومن التحق نسبه به، فكل أساليب التلقيح الاصطناعي التي يكون فيها اختلاط أنساب محرمة في الشرع الإسلامي لا مجال لإباحة شيء منها؛ لأن البذرتين الذكرية والأنثوية فيها ليستا من زوجين.

محرم وليس زنا

الدكتور محمد المختار المهدي عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر يرى أن الإسلام يعمل على حفظ الأنساب من أي شبهة اختلاط، لافتا إلى أن حب الإنجاب فطرة خلق الله الإنسان عليها؛ ولهذا قال تعالى {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} [النحل:72].

 2

 د. المهدي

وبالتالي يرى أن "طلب النسل من غير الطريق المشروع يعد لونا من ألوان الكفر بنعمة الله ومخالفة لأوامره، فإذا كان الإنجاب فطرة وغاية نبيلة فلا بد أن يكون الطريق إليه مشروعا، فما بالنا إذا كان هنا اختلاط أكيد للأنساب؟..

وشدد المهدي على أن حالة زرع المبيض المذكورة تحدث اختلاطا واضحا وصريحا في الأنساب، حسب تأكيد الأطباء أن المبيض شريك أساسي في تخليق الجنين وراثيا.. ولهذا فهي محرمة شرعا..

ورفض المهدي وصف عملية زرع المبيض وتلقيح البويضة بحيوان منوي لأجنبي بأنه زنا كامل يوجب إقامة الحد؛ لأن هذا من القضايا المستحدثة التي ينبغي أن تطرح على المجامع الفقهية لإصدار رأي نهائي فيها؛ لأنها حتى وإن كانت محرمة شرعا إلا أنني أرى أنها لا تصل إلى عقوبة الزنا الكامل الصريح الذي يوجب إقامة الحد برغم أن الحالتين تؤديان إلى اختلاط الأنساب..

وفي تعليقها لإسلام أون لاين أشارت الدكتورة سعاد صالح أستاذة الفقه بجامعة الأزهر إلى أن حفظ الأنساب أحد المقاصد الخمسة الرئيسية للشريعة الإسلامية؛ لهذا حرم الإسلام كل ما من شأنه أن يضر بحفظ النسب تحريما واضحا، بحيث لا يكون هناك مجرد احتمال لاختلاط الأنساب، سواء بعلم أطرافه أو جهلهم، ولهذا حرم الإسلام أي إنجاب يدخل فيه طرف ثالث غير الزوجين، سواء كان ذلك بالتراضي أو بدونه.

 3

 د. سعاد صالح

وتدلل على ذلك بأن الله قد توعد كل من يتلاعب بالأنساب، فأوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من المشاهد التي رآها ليلة الإسراء والمعراج نساء معلقات بثديهن فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء اللاتي أدخلن على الرجال من ليس من أولادهم، وقال في حديث آخر "اشتد غضب الله على امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فأكل حرائبهم واطلع على عوراتهم"، وزاد تحذيره صلى الله عليه وسلم حين نزلت آية الملاعنة فقال "أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله عنه يوم القيامة، وفضحه على رءوس الأولين والآخرين ".

لهذا تؤكد د. سعاد أن "قضية الأنساب في الإسلام خط أحمر غير قابل للتجاوز، مهما كانت الأسباب والمبررات، مشددة على أن في القضية العلمية المذكورة مخالفة صريحة لتعاليم الإسلام..

وعن كون المبيض من أخت من أنجبت، تقول: "لا قيمة لكون المبيض من أخت من أنجبت الطفلة؛ لأن كل ما يؤدي إلى الحرام فهو حرام، وهذا ما أكدته المجامع الفقهية المعاصرة، وأجمعت عليه المذاهب الفقهية الإسلامية."

من المرأة لنفسها يجوز!

وفي هذا السياق يذكر أن المرجع الشيعي البحريني الشيخ محسن آل عصفور قد تطرق في بحث له عن نظرة الشريعة الإسلامية لمسألة علاج العقم بعد سن اليأس لدى النساء إلى قضية مشابهة، وهي التي تتم باستئصال وانتزاع أنسجة مبيض من رحم امرأة في سن الثلاثين أو الأربعين، والاحتفاظ بها، حتى يتم زراعتها ثانيا في رحمها عند مشارفتها على سن اليأس؛ لتأخيره وإطالة فترة قدرتها على الإخصاب والإنجاب.

ومن الناحية الشرعية قرر عصفور أنه إذا كانت الأنسجة المستزرعة ثانيا هي من نفس المرأة التي تم استئصالها منها فلا إشكال شرعيا في جواز ذلك للغرض المذكور، لكن إذا حدث الحمل فإنه يشترط فيه أمران أساسيان:

أولهما: وجوب اطراد النفع لجنس النساء أو لغالبيتهن دون اقتصاره على الشاذ النادر منهن، فلو أمكن الحمل بسبب ذلك لبعض النساء خاصة لم يجز لعامتهن، لعدم إمكانية انتفاعهن به، ويجب بناء على ذلك وضع الضوابط الصارمة والقيود الإلزامية لمعرفة هذا الشاذ النادر، والتعامل معه في الاستفادة من العلاج به بصورته المنفردة.

وثانيهما: يجب توافر الضمانات الكفيلة بسلامة الأم والجنين من المخاطر التي تهددهما في مثل هذا الحمل في هذه السن، ومع عدمها ينتفي الجواز قطعًا، بل أكثرها غير داخل في مقدور قدرة الإنسان وخارج عن سيطرته..

وتحدث عصفور عن الحالة محل البحث قائلا: "أما أخذ مبيض من امرأة وزرعه في امرأة أخرى حتى تتمكن من الإنجاب فهذا مرفوض شرعًا، حتى ولو كانت شقيقتها؛ لأنه لا يجوز شرعا أن يتم تلقيح وإنجاب إلا من الحيوان المنوي للزوج وبويضة الزوجة، والتي أخرجها مبيضها، وليس هناك طرف ثالث في عملية الإنجاب."

الإعلانات