أون إسلام.نت

استشارات :

حج المرأة في عدة الوفاة

أرسل لصديقك طباعة
تفاصيل الإستشارة
سارة
السلام عليكم ورحمة الله : ما حكم الشرع فى امرأة سافرت للحج وهي في عدة الوفاة خاصة وأن الزوج رحمه الله مات بعد استعداد الزوجة الكامل للسفر وإنهاء كافة الإجراءات والرسوم الخاصة به بل وأذن لها بالحج قبيل وفاته ؟‏ جزاكم الله خيراً

الشيخ جاد الحق علي جاد الحق رحمه الله (شيخ الأزهر سابقا)
2008-06-10
الاجابه
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

فالأولي للمرأة المتوفى عنها زوجها أن تعتد في منزلها ولا تخرج منه لأداء فريضة الحج أو العمرة ، أم إذا مات زوجها بعد إحرامها بحج الفريضة أو بحج أذن لها فيه ، فلها أن تمضى فيه وتكمل الفرضية وهى في عدة وفاة زوجها ، لأن الحج أكد باعتباره أحد أركان الإسلام .

 

يقول الشيخ جاد الحق على جاد الحق شيخ الأزهر السابق "رحمه الله" في رده على سؤال مماثل :

إن الحج من فرائض الإسلام ، التى فرضها الله سبحانه وتعالى على المستطيع من الرجال وعلى المستطيعة من النساء ، قال تعالى : "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا" (سورة ‏ آل عمران : ‏97) ، وهو من العبادات الأساسية .‏

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتى الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ، والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره"‏ ووجوب الحج مشروط بالاستطاعة ، كما هو صريح القرآن والسنة وبإجماع المسلمين ، غير أن الفقهاء اختلفوا فى حقيقتها وفى شروطها بوجه عام كما اختلفوا فيها بالنسبة للمرأة .‏

 

في مذهب الإمام أبى حنيفة إن من الاستطاعة أن يكون معها زوجها ، أو محرم لها من النسب ، أو من المصاهرة ، أو من الرضاع ، إذا كان بينها وبين مكة سفر ثلاثة أيام فأكثر ، أما إذا كانت مسافة السفر دون هذه المدة ، وتوافرت لها باقى عناصر الاستطاعة كان عليها أداء الحج ولو بغير زوج ولا محرم ، ولا فرق فى كل هذا بين الشابة والمسنة ، ويشترط فى المحرم أن يكون بالغًا ، عاقلا ، مأمونًا . الاختيار شرح المختار ‏1 / ‏139 .

 

وفى فقه الإمام مالك إنه لا يشترط لسفر المرأة أن تكون مع زوجها ، أو مع محرم ، وأنه يجوز لها السفر لأداء هذه الفريضة ، إذا وجدت رفقة مأمونة . بداية المجتهد لابن رشد ‏1 / ‏189.

 

وفى فقه الشافعي إنه إذا لم يتيسر للمرأة الخروج للحج مع زوجها أو أحد محارمها ،كان لها أن تحج مع رفقة مأمونة ، فيهم جمع من النساء موثوق بهن (اثنتان فأكثر)‏ ، ويجوز مع امرأة واحدة فى حج الفرض ، بل صرح فقهاء المذهب للمرأة أن تخرج وحدها عند الأمن فى حج الفريضة ، أما فى حج النفل ، فليس لها الخروج مع نسوة ، ولو كثرن ، ولا تسافر فى النفل إلا مع زوج أو ذى رحم لأنه سفر غير واجب. المجموع للنووي ج ‏ ‏7 / ‏86 .

 

وفى فقه الإمام أحمد بن حنبل إنه يشترط لوجوب الحج فورًا على المرأة مع باقى عناصر الاستطاعة أن يسافر معها زوجها ، أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب، أو سبب مباح كالرضاع والمصاهرة . ‏الروض المربع للبهوتى شرح زاد المستنقع للحجاوى ص ‏194 .

 

ومن ثم يكون عناصر الاستطاعة أن تسافر لأداء فريضة الحج ، دون اشتراط أن تكون بصحبة زوجها أو محرم لها ، وإنما تكفى رفقة مأمونة مطلقًا كما هو فقه الإمام مالك ، أو رفقة مأمونة فيها جمع من النساء الثقات ، كما فى فقه الإمام الشافعى ، وامرأة واحدة تكفى ، بل وعند الأمن والأمان تخرج وحدها فى حج الفرض .‏ ذلك شأن المرأة المتزوجة ، والتى ليست ذات زوج أما المعتدة من طلاق بائن أو من وفاة فقد جرى فقه مذهب الإمام أبى حنيفة ، على أن كلا منهما تقضيان مدة العدة فى البيت الذى كانت تقيم فيه وقت وقوع الفرقة بالموت أو بالطلاق البائن ، ولا يحل للمطلقة الخروج منه إلا للضرورة ، ويحل للمتوفى عنها زوجها الخروج نهارًا لقضاء حوائجها ويحرم عليها الخروج ليلا خوف الفساد ودرءًا للقيل والقال .‏

 

وفي فقه مذهب الإمام مالك جاءت عبارته : وسكنت المعتدة مطلقة أو متوفى عنها زوجها على ما كانت تسكن مع زوجها فى حياته صيفا وشتاء ، ورجعت إن نقلها منه مطلقها ، أو مات من مرضه ورجعت وجوبا لتعتد بمنزلها إن بقى شىء من العدة لو كانت قد خرجت لحجة الإسلام إن كان بعدها عن منزلها أربعة أيام فأقل ، فإن زاد على هذا لم ترجع بل تستمر ، كما لو دخلت فى الإحرام. الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقى ج / ‏ ‏548 .

 

وفي كتاب الأم للإمام الشافعى فى باب العدة -‏ تحت عنوان "مقام المتوفى عنها زوجها والمطلقة فى بيتها" : دلت السنة على أن على المتوفى عنها زوجها، أن تمكث فى بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله ، إلى أن قال : وإن أذن لها بالسفر فخرجت ، أو خرج بها مسافرًا إلى حج ، أو بلد من البلدان فمات عنها ، أو طلقها طلاقًا لا يملك الرجعة فسواء ، ولها الخيار فى أن تمضى فى سفرها ذاهبة أو جائية وليس عليها أن ترجع إلى بيته قبل أن ينقضى سفرها . ‏5 / ‏208 .

 

وفي مختصر المزني تحت ذات العنوان السابق : ولو خرج مسافرًا بها أو أذن لها فى الحج ، فزايلت منزله فمات أو طلقها ثلاثًا فسواء لها الخيار فى أن تمضى لسفرها ذاهبة وجائية وليس عليها أن ترجع إلى بيته قبل أن تقضى سفرها . هامش المرجع السابق ص ‏32 وحاشية البيجرمي على تحفة الحبيب شرح الخطيب ‏4 / ‏51

 

وقال بن قدامه فى المغنى ولو كانت عليها حجة الإسلام، فمات زوجها لزمتها العدة فى منزلها وإن فاتها الحج ، لأن العدة فى المنزل تفوت ولابدل لها والحج يمكن الإتيان به فى غير هذا العام وإن مات زوجها بعد إحرامها بحج الفرض ، أو بحج أذن لها فيه نظرت فإن كان وقت الحج متسعًا لا تخاف فواته ، ولا فوت الرفقة ، لزمها الاعتداد فى منزلها ، لأنه أمكن الجمع بين الحقين ، فلم يجز إسقاط أحدهما ، وإن خشيت فواتها الحج لزمها المضى فيه ، وبهذا قال الشافعى : وقال أبو حنيفة يلزمها المقام وإن فاتها الحج ، لأنها معتدة فلم يجز لها أن تنشىء سفرًا ، كما لو أحرمت بعد وجوب العدة عليها .‏

 

ولنا أنهما عبادتان استوتا فى الوجوب وضيق الوقت ، فوجب تقديم الأسبق منهما ، كما لو كانت العدة أسبق ، ولأن الحج آكد لأنه أحد أركان الإسلام ، والمشقة بتفويته تعظم فوجب تقديمه ، كما لو مات زوجها بعد أن سفرها إليه . ‏ المغنى لابن قدامه

 

‏ونقل ابن هبيرة الحنبلي فى كتابه الإفصاح عن معانى الصحاح فى باب العدة أن الفقهاء اختلفوا فى المتوفى عنها زوجها وهى فى الحج فقال أبو حنيفة : تلزمها الإقامة على كل حال إن كانت فى بلد أو ما يقاربه، وقال مالك والشافعى وأحمد إذا خافت فواته إن جلست لقضاء العدة جاز لها المضى فيه.

 

وإذا كان هذا حال المسئول عنها، وهو حال اضطرار واعتذار وسنوح فرصة قلما يتيسر الحصول عليها، كان ذلك بمثابة وفاة الزوج وهى فى الحج فعلاً يجرى عليه ما قال به ابن قدامة (‏ المرجعان السابقان )‏ ، واحتج له بالحجة القوية المقبولة فى النص الآنف وما نقله ابن هبيرة عن الأئمة مالك والشافعى وأحمد من أنه إذا خافت فوات الحج إن جلست لقضاء العدة جاز لها المضى فيه ‏ .

 

ولما كان ذلك كان جائزًا للسيدة المسئول عنها السفر لأداء فريضة الحج، وإن كانت فى عدة وفاة زوجها، لأن الحج آكد باعتباره أحد أركان الإسلام، والمشقة بتفويته تعظم فوجب تقديمه ، لاسيما وقد دخلت فى مقدماته فى حياة الزوج وبإذنه، وذلك تخريجًا على تلك النصوص من فقه الأئمة مالك والشافعى وأحمد .

والله أعلم .

الإعلانات