أون إسلام.نت

استشارات :

شهادة "سيد نزيلي" من قيادات تنظيم 65

أرسل لصديقك طباعة
(0 تصويتات, متوسط 0 من 5)
شهادة "سيد نزيلي" من قيادات تنظيم 65
سيد قطب.. والتكفير والعنف
37457
مصطفى عاشور

كان لدعوة الإخوان المسلمين أثرها الملحوظ على كثير من رجالات مصر منذ نشأتها وحتى اليوم، غير أن أثرها الأكبر وزخمها الأكثر كان على رجالاتها الأول الذي عاصروا ولادتها ونشأتها، وإذا كان الشهيد "سيد قطب" قد انضم إلى الدعوة بعد وفاة مؤسسها الأول "حسن البنا"؛ فإن تأثير الرجل في الدعوة وفي الفكر الإسلامي المعاصر كان كبيرا وغير محدود، بل ومتجددًا أيضا، ومن ثم كانت موجات المد والانحسار متكررة في مسيرتنا الفكرية والحركية الإسلامية حول الرجل وأفكاره، بل وحول ما فهمه البعض من أفكاره فرفعه بعضهم مكانا عليًّا، أما الآخرون فتوزع موقفهم منه بين متهم له بـ"التكفير" أو "المنهج العنيف" الذي نمت جماعات عالة على ما كتب وأنتج من أفكار.

وإذا كان الشهيد "سيد قطب" هو في ذمة الله، فإن من الحق والإنصاف ألا نصدر الحكم عليه من خلال انتزاع بعض أفكاره من سياقها ثم تحميلها ما لا تحمل ثم إصدار الحكم  على الرجل، وإذا كان تاريخنا الثقافي غير مدون في كثير من فصوله، فإن شهادة المعاصرين للتجربة ونمو الفكرة قد تمثل ضوءا هاديًا في الحكم على الأشخاص والأحداث؛ خاصة أن الفترة التي نشأت فيها أفكار "قطب" وتجربته كانت فترة عصيبة في وجدان من عايشها من أبناء الحركة الإسلامية في مصر، وكانت فترة يدون فيها تاريخ وفكر الحركة من خلال المحاكمات والتحقيقات، وليس من خلال التفاعل الفكري الحر والديمقراطي.

وشهادة الأستاذ "سيد نزيلي" لها أهمية كبيرة، فهو من كبار قيادات الإخوان المسلمين، وأحد قيادات تنظيم 1965م الذين تأثروا وتربوا على أفكار سيد قطب، وما يزال متأثرا بها، ويعتبرها من أدبيات الإخوان المسلمين التي من الواجب التمسك بها، ويرفض ما يتردد عن وجود تعارض بين ما جاء به "حسن البنا" وما طرحه "سيد قطب" من أفكار، بل يرى أنها اجتهادات متنوعة في حقل دعوة الإخوان، و"سيد نزيلي" من مواليد قرية كرداسة بمحافظة الجيزة في مارس 1938م، وخريج كلية الآداب جامعة القاهرة 1961، و"العريس" الذي لم يهنأ بعرسه إلا أياما معدودات حتى سيق إلى السجن الحربي، وتعرضت قريته الكبيرة لمحنة كبيرة ذكرتها أدبيات الإخوان، وكان ممن حكم عليه بالمؤبد في تنظيم 1965، وكان من آخر من خرج من السجن في مارس 1975.

أثار "نزيلي" عددا من القضايا فيما يتعلق بسيد قطب، وما يتردد من كونه كان يتبنى منهجًا تكفيريًّا، فأكد أن "قطب" عندما رأى الهجمة الشرسة على الإسلام في تلك الفترة من الصهيونية العالمية، والصليبية العالمية، والشيوعية الدولية، غلف أفكاره بعبارات حماسية حتى يوقظ الشباب والأمة المسلمة، فكانت أفكاره أجراس إنذار، وليست تكفيرا، بل كانت اتهاما بالسير في طريق العلمانية للدولة عشية استقلالها، وليست دعوة للتمرد عليها وتكفيرها، وساق الرجل بعض المواقف لسيد قطب تؤكد صدق ما ذهب إليه، كما أنه والشباب الموجودين في تنظيم 1965 لم يعرفوا فكرة التكفير، وهم من أقرب الناس إليه، وإنما كانوا يفهمون أفكار سيد قطب على أنها أفكار مغلفة بشحنات عاطفية وأدبية، وليست أحكاما على المجتمع.

وأكد "نزيلي" على أن قضية التكفير نشأت بفعل الأهوال التي تعرض لها الشباب المسلم في السجون، والتي جعلته يصل إلى قناعات بتكفير النظام الذي يظلمه ويتعمد إيذاءه، ومن ثم فإن "التكفير" نشأ بعيدا عن "سيد قطب" وأفكاره ، وبفعل ضغوط وظلم الدولة في تلك الفترة، ولم ينشأ كتعبير عن منهج فكري لهؤلاء الشباب في تلك الفترة، وأن التكفير كان سينشأ حتى إن لم يوجد "سيد قطب" لأنه في الأساس هو رد فعل على الظلم والتعذيب.

شخصية سيد قطب

تحدث الأستاذ "نزيلي" عن شخصية سيد قطب وأدبه حديثا مستفيضا، ومما ذكره "أن للأديب العقاد بصماته الواضحة على سيد قطب، وأن قطبًا تأثر بالمناخ الفكري والثقافي والكتابات في الفترة التي سبقت انتماءه للإخوان، إلا أنه كان متأثرا بالفكرة والمرجعية الإسلامية، وظهر ذلك في كتابيه "دراسات إسلامية" و"العدالة الاجتماعية في الإسلام"، وكانت نزعته الأدبية تلمح فيها النضج الروحي واللمسة الأدبية والعاطفية التي لم تقتصر عليه وحده، بل شملت أخاه محمدًا وأختيه حميدة وأمينة حيث أخرج الأربعة ديوانًا واحدا باسم "الأطياف الأربعة".

وتعرض الأستاذ "نزيلي" لكيفية انضمام "قطب" لجماعة الإخوان حيث جاءت استجابة لما لاحظه من ابتهاج غربي أثناء بعثته في الولايات المتحدة الأمريكية لمقتل الشهيد "حسن البنا"، ومن ثم عزم على الانضمام لصفوف الإخوان، وبايع الأستاذ "حسن الهضيبي"، ووضعته الجماعة في مكانته اللائقة به، فكان مسئولا عن جريدة "الإخوان المسلمون".

قطب .. والتكفير

أكد الأستاذ "نزيلي" أن "للمحنة  بصماتها على فكر سيد قطب، ليس من حيث انقلابه على الماضي، ولكن من ناحية شحنة العاطفة التي غلفت كل أفكاره، وفتحت عينيه على أمور كثيرة تحاك للإسلام، حيث وقف طويلا أمام الآيات التي تتحدث عن الصراع بين الحق والباطل، ومن تداعيات المحنة عليه: أنها جعلته يتعمق في جذور هذا الصراع، ووجد ضالته عندما دخل السجن، وذاق ما ذاق، ورأى ما يُفعل به وبإخوانه من صنوف العذاب، والإعدامات، وما حدث في مذبحة طرة (22 شهيدا من الإخوان)، ولكن كل هذا لم يجعله ينقلب على ماضيه، وإنما نظر للصراع نظرة معمقة، ولم يكن يرى أن هذا  الصراع هو صراع بينه وبين الأنظمة التي تحكم العرب والمسلمين، وإنما ذهب بعيدا ورأى أنه صراع الإسلام مع الصهيونية والصليبية والشيوعية، فهذه هي رءوس العداوة للمسلمين، ولم يكن ينشغل بزعامات أو رئاسات البلاد العربية.

ولم يعرف عنه قبل السجن أنه يميل إلى التكفير على مستواه الشخصي أو الفكري، فهو لم يتهم عامة المسلمين بالكفر، وكان يصلي خلف الإمام العادي، وكان يأكل ذبائح المسلمين، ويؤثر عنه في سجنه أنه سئل: "هل أنت تكفر عامة المسلمين؟". فقال: كيف أكفر عامة المسلمين، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وحب الدين متغلغل في وجدانهم وقلوبهم، ثم نادى على سجين من أرباب الإجرام والمعروفين بالشراسة وسوء الخلق، وقال له: يا فلان: إذا قابلك رجل ولعن دينك ماذا يكون موقفك؟.  فقال هذا السجين: أقتله.

فاستشهد "سيد قطب" بذلك في أن للإسلام قدسية واحترامًا في نفوس حتى الذين يُخيل إلينا أنهم أبعد ما يكونون عن الإسلام بأعمالهم، فوجدانهم ومشاعرهم متقدة بالإسلام.

ومن يتعمق في كتاباته يجد أنه لم تحكمه قضية التكفير، ولم تكن هدفه وغايته التي يجند فكره لها، بل كانت قضية الإسلام في العصر الحاضر المحارب من كل الاتجاهات الراغبة في اجتثاثه من جذوره، وانتزاعه من قلوب المسلمين، ولا شك أننا نسلم بهذه القضية، ومن هنا كانت كتاباته للدفاع عن الإسلام، وبعث الغيرة في نفوس أبنائه، وبث الإيمان في قلوب الطليعة المؤمنة حتى تبقي هذا الدين حيًّا في النفوس أمام هذه الهجمات.

ونحن الجيل الذي تربى على فكر سيد قطب لم نلحظ هذه الدعاوى التي تتهمه بالتكفير، وهو لم يطلب منا ذلك في الكتابات التي كان يرسل بها إلينا ويربينا عليها نحن جيل 1965، نحن كنا نعيش بإسلامنا بين أهلينا ومجتمعنا، ولم يخطر على بالنا أننا متميزون بأي شيء عن غيرنا من المسلمين، اللهم إلا أننا نعتبر أنفسنا أكثر الناس غيرة على الإسلام وحدوده وثوابته، وكنا ندعو الناس إلى ذلك، و"سيد قطب" لم تكن كتاباته لانعزال هذه الفئة التي يربيها؛ بل كان يطلب من الشباب أن يندمجوا مع المجتمع حتى يغيروا هذا المجتمع.

تجربة شخصية مع دعوى التكفير

ففي سجن قنا أثيرت قضية التكفير عام 1968م، بعد تلك الفترة العصيبة الدامية في السجن الحربي (18 شهرا) حيث كنا محبوسين سبعة أفراد في زنزانة واحدة ضيقة لا يكاد المرء ينام فيها على شقه (استمرت 22شهرا) ، هذه المرحلة تركت بصماتها على ذوي النظرة المحدودة وغير المتعمقة في الفقه الإسلامي، والذين لم ينالوا قدرا مناسبا من التربية الإخوانية، وما يتصل فيها بقضية التكفير، مما جعل البعض يتجه نفسيًّا إلى التكفير، فكيف يساوي بينه وبين الجلاد، أو بينه وبين من يأمر بتعذيبه، ومن ثم فإن التكفير هو في حقيقته "فكر أزمة" معاصرة لم تخضع للدراسة، ووجد التكفير بعيدا عن "سيد قطب "، حيث وجد التكفير بعد عام 1965م، وكان متغلغلا في الجيل الذي لم يدخل الإخوان، ولم يتأثروا بسيد قطب، وفي هذه الفترة تدخل الأستاذ "حسن الهضيبي" وأرسل إلينا ملازم من الكتاب الفيصل في هذه القضية وهو "دعاة لا قضاة" الذي كنا نسميه "البحث"، وقد دفعني ذلك إلى أن ألتقي بمن كان معي قبل 1965، وأتذكر معهم ما كنا عليه قبل السجن، والحال الذي وصلنا إليه بعد أربع سنوات، وكانت الأسئلة التي طرحتها محددة وهي:

- هل كنا ُنكفر قبل دخولنا السجن؟

الجواب: لا

- هل كنا لا نصلي وراء الإمام الذي ليس منا؟

الجواب: لا

- هل كنا لا نأكل ذبيحة المسلمين العادية؟

الجواب: لا

- هل كنا نُكفر والدينا وأشقاءنا؟

الجواب: لا

إن ما دخل على فكر بعض الذين يتمسحون في فكر سيد قطب هو من آثار المحنة، وكرد فعل على القسوة التي تعرضوا لها في السجن، وهو ما انعكس على أحكامهم وتعاملهم مع آيات القرآن الكريم، وبعضهم لصق ذلك زورًا بسيد قطب.

وقد انتهيت بعد لقائي بإخواني واستجلاء حقائق الأمور إلى: أننا لم نكفر مسلمًا، ولم نعلم من الأستاذ سيد قطب أنه يأمرنا بالتكفير، أو الانعزال عن المجتمع، أو المفاصلة الشعورية التي يفهمها البعض خطأ بمعنى الانعزال. والذي كنا نفهمه من "المفاصلة الشعورية" هو البعد النفسي عن المسلم الذي يرتكب المعاصي والموبقات، وهذه مسألة مطلوبة منا جميعا، ولكن ليس معناها أن أشعر أنني مسلم، وأن هذا المسلم  العاصي كافر!.

وعموما فإن سيد قطب كان أديبا يمتلك ناصية قلمه، وتعبيره في أغلب القضايا التي عالجها هي تعبيرات المحب لدينه، الغيور على دعوته، الكاره للظلم والظالمين، المشفق على أمته من الانزلاق بعيدا عن دينها، وهداية ربها.

التغير في فكر سيد قطب

ما طرأ على فكر "سيد قطب" في المحنة من 1954 إلى 1965م لا نقول إنه انقلاب على أفكاره السابقة، ولكن أعطى لكتاباته لونًا متميزا، فقد لاحظ بثاقب نظره أن المشروع العلماني الذي تبنته الأنظمة الحاكمة في البلاد الإسلامية، من شأنه أن يفصل بين الدين والدولة، بحيث يتسنى للدولة أن تصبغ حياة المسلمين بعيدا عن الإسلام، وهو ما أصاب "سيد قطب" بنوع من القلق والخوف على الدعوة، وهذا الأمر مؤكد ومهم في أدبيات هذه الفترة، فليس عندنا الكنيسة المتسلطة، وليس لدينا الذين يستعبدون الناس بذواتهم أو برامجهم، وكما نعلم أن شعار العلمانية: "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس"، ومن هنا فإن "قطبًا" استشعر خطورة الفصل العلماني بين الدين والحياة، وكانت كتاباته تنقض هذه الأفكار، وتربي أجيال المسلمين على الإسلام الشامل، ويفهم من كتاباته أن عامة المسلمين ليسوا متهمين بالعلمانية، وأنه كان يتهم الأنظمة القائمة التي تحذو حذو العلمانية الغربية، وكانت آراؤه اتهامًا لهذه الأنظمة بالسير في العلمانية، وليست تكفيرا.

وإن محاولة إلصاق تهمة التكفير بسيد قطب إنما يخدم دوائر معينة، خاصة في ظل حالة الاستعداء الدولي ضد الحركة الإسلامية، ومحاولة استعداء هذا المجتمع على الإخوان، والادعاء بأن الإخوان خرجت من عباءتهم كل الأفكار العنيفة والمتطرفة، وهذا ظلم لفكر سيد قطب.

إلى فضيلة الشيخ القرضاوي!

وبعث "نزيلي" برسالة إلى فضيلة الشيخ القرضاوي في هذا الشأن حيث قال: "كنت أود أن يظل الأستاذ الفاضل يوسف القرضاوي على ما هو عليه من تجميع الأمة والعاملين للإسلام بكل توجهاتهم، بعيدا عن نقاط الاختلاف والخلاف، وألا ينكأ جراحًا قديمة، حيث إن الوقت غير مناسب، خاصة مع الحملة الشرسة ضد الإسلام والمسلمين ببرامج ووسائل معلومة ومعروفة، يرصد لها الأعداء الأموال الطائلة، ويضغطون على الأمة بكل الوسائل حتى يغيروا من هوية الأمة، وأريد أن أستعير الكلمات الآتية: "إننا نجمع ولا نفرق، ونتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه" والله على ما أقول شهيد.

تابع في الملف:

مقالات:

الإعلانات