أون إسلام.نت

استشارات :

نظرة "مشاكسة" لتدبير الدعوي والسياسي لدى حركة التوحيد والإصلاح

أرسل لصديقك طباعة
(4 تصويتات, متوسط 3.00 من 5)
نظرة "مشاكسة" لتدبير الدعوي والسياسي لدى حركة التوحيد والإصلاح
jpg
عبدلاوي لخلافة

بخلاف القراءات المشككة في تماس الدعوي والسياسي في المؤتمر الرابع الأخير لحركة التوحيد والإصلاح، الذي عقد منتصف يوليو الماضي بالرباط، أو المشيدة بما تحقق من تطور تصوري في نبش ما سمي بثنائية "الوصل والفصل" في أدبيات الحركة الإصلاحية المغربية، إلا أن فتح النقاش بوضوح وبجرعة أكبر يجعله أمرا إيجابيا يتجاوز الانشغال الداخلي إلى بلورة تصور يليق بإقناع الداخل المتردد ويتمتع بعقلانية تمكن من تصريفه بكل ليونة ويسر  للمتابع الخارجي.

وبعيدا عن فكر المؤامرة، فقد كان بإمكان تأكيد اختيار الجمع الرابع للحركة القاضي بتفريغ كل محمد يتيم وعبد الله باها وعبد الإله بنكيران للفعل النقابي والسياسي على التوالي، وعدم إلحاق الأول والثاني مجددا في تركيبة المكتب التنفيذي للحركة، مما سيمثل إشارة عملية لتثبيت هذا التمايز الوظيفي، الذي دأبت الحركة على التصريح به في كل مناسبة، وترسيخا لوظيفتها التربوية والدعوية الأساسية، ما دامت تؤمن بالشراكة الاستراتيجية التي تتيح التفاعل بأي شكل من الأشكال دون انتهاج أسلوب الإلحاق.

لذا فنبش الموضوع  ليس تعميقا للجراح وعودة للوراء في وقت يفرح فيه البعض في التموقع السياسي والظفر بالمسؤوليات داخل الهرم الاجتماعي الداخلي والخارجي، لكن التوجيه القاصد المشفق يجعل المرء لا يتأخر في الإدلاء بوجهة نظر قد لا تعجب البعض، بل قد تبعث السخط الموجود أصلا لدى آخرين، والله أعلم بالنيات.

فالأمر الطبيعي أن الحركة أكثر من غيرها واعية بضرورة تأهيل الفرد السياسي الرسالي ليقدم خدمات الشأن العام بكونه مسلما أولا، وواعية أيضا بملحاحية تخريج الداعية المخلص لدينه ووطنه وأمته بكونه مسلما أولا، لكن تناول بعض الخطابات الإعلامية السريعة الاستهلاك قد يفوت هذا المسعى المحمود، وقد يؤخر التحول المنشود لجعل السياسي تحت جبة الإسلام أولا، ومسترشدا بالعلم الرصين ثانيا، قبل أن يكون تابعا لتفسير سياسي حرفي، هدف صاحبه ضمان الارتقاء والتموقع السياسي والقيادي اللحظي بحجة أنه أكثر من غيره فهما لتوجهات الحركة واستراتيجية الحزب، أو أنه أيسر للانقياد من غيره، أو أن شره يؤمن. ولنذهب قصدا لما نريد تبليغه وإثارته بدون تمطيط إنشائي أو تأخير يفوت المقصود. 

في تمحيص الكسب السياسي

لقد أبانت المشاركة السياسية في عمل الحركة على إيجابيات وسلبيات، وما دام أعضاء الحركة والمتعاطفين معها يعرفون إيجابياتها، فلنقدم بعض السلبيات، وليتسع صدر البعض لتليقها صريحة واضحة: 

ـ فقد بينت محطات انتخاب المسؤولين السياسيين ضعفا تربويا في تطبيق آليات الشورى وانتخاب القوي الأمين، إلا ما كان استثناء أو فلتة، وظهر جليا أن من يحوز السبق هو من يكون للمسؤول أقرب أو أكثر في الظهور الإعلامي من غيره، وإن كان أبعد قدرة وتفرغا للمسؤولية لكثرة انشغالاته الخاصة والعامة.

ـ كثرة الوعود المقدمة للمجتمع دون تنفيذها: حيث يظهر المدافع عن مشروع الحزب السياسي في موقف لا يحسد عليه، فهو في بحث متواصل عن كل الحجج والتبريرات لدفع سقوط الحزب في التعامل "الموسمي" مع قضايا المجتمع أو السقوط في الدفاع عن الوجهات التي يفرضها تجمع "الأغلبية" في تسيير الشأن المحلي وإن كانت غير موفقة شرعيا وواقعا. 

وهو وضع يجعل حضور ممثل الحزب في الأغلبية، أو الحركة بوجه آخر، مجرد رقم يحافظ على مؤشرها ويخاف ذهابها بحجة أن الآخر "يحاربنا في المشاركة ويحاول إقصاءنا من تدبير الأمور وصناعة القرار". 

كما أن العطاء البرلماني، لا يقل انتقادا في رصد حجم الكسب والمردودية، حيث أظهر موقف الحقوقي مصطفى الرميد الأخير أن هناك من يحافظ على  المقعد الوثير بأي ثمن ولو بازدراء موقف الرميد، الذي قد يكون أجدر في التعامل السياسي مع محدودية تأثير البرلمان في إحداث الإصلاح المنشود. فالتمسك بالمقعد في أي وظيفة أو مسؤولية بدون رؤية واضحة وبأي ثمن قد يجعل المبادئ تذوب مثل الملح في الطعام، ويحسب المرء بأنه يدافع عن المبادئ وهو إنما في الحقيقة يدافع عن مصالحه أو رقيه الاجتماعي، وليس في حاجة لخوض معارك جديدة قد تسبب له صداعا في الرأس أو تعيده إلى مربع البداية.

ـ إن الدفاع عن فكرة أن الحركة منعت أبناءها من الخطباء والوعاظ الاشتغال بالسياسة بحجة أن المسجد للجميع وليس مكانا للتفريق، هي فكرة مقبولة من وجه، لكنها تحتاج لتمحيص في جانبها السلبي، فالوزارة الوصية على الشأن الديني نفسها أقرت في مذكرة خاصة بأن على الخطيب، الذي أراد أن يترشح أن يعلم بذلك قبل شهر ليتنحى للقيام بواجبه الوطني أيضا، وليس هناك علمانية مغلفة تجعل الخطيب فقط رهين درج المنبر أو كرسي الوعظ لا يبرحه. فدفاع الحركة على هذا التمييز بشكل غير مدروس والتماهي معه قد يكون رضى بفتات التفاعل في المشاركة في تدبير الشأن الديني، وهدم من غير وعي بكون الإسلام انطلق من المساجد وبين قبابه رشدت خطواته، ولا خير في دعوة لا يكون منطلقها المسجد وتأثيرها خارجه.

ـ التمييز في الرموز، لا يعرف المتابع لاشتغال حركة التوحيد والإصلاح فعلا حقيقة هذا التمييز وهو يرى أن بعض الأشخاص يصبحون بقدرة قادر في موقع المسؤولية في الحزب والحركة دون مؤهلات تجعلهم يخدمون هذه المسؤوليات بتجرد، إلا ما رحم ربي، ونظرة بمعيار "الجرح والتعديل"، تجعل المتابع يلاحظ أن التموقع الاجتماعي يأتي سهلا ولو بسلوك أسلوب التزلف للتوجهات وخطابات بعض القياديين بأي ثمن وبأي وسيلة ولو تطلب الدفاع عنها بزيف الكلام، لأنهم يعرفون من أين تؤكل الكتف، وقراءة بعض المقالات الإعلامية لهؤلاء جديرة بكشف هذا السلوك. 

الكسب السياسي للحركة 

والسؤال، الذي يفرض نفسه: ماذا خسرت الحركة من الاختلاط غير المدروس لتوزيع المسؤوليات بين السياسي والدعوي وتأخير الفرز على مستوى الرموز أولا؟ 

الجواب عن هذا السؤال يؤشر عليه معطى بوجهين: 

ـ أولهما حجم العلماء والدعاة والمثقفين المنسحبين بصمت من فعل الحركة والحزب معا أو من أحدهما بعد التضييق عليهم بانتهاج أغلبية الأصوات المجردة من كل ترجيح علمي، فيكفي أن يصدر الرأي عن فلان ليصطف حوله البعض دون تمحيص، دون التساؤل هل فعلا موقفه أو خطابه يخدم الدين والأمة والوطن في شيء أم كونه صدر عن فلان وكفى. 

ـ والوجه الثاني لهذا المعطى هو أن بريق السياسة يطغى في منهج التزكية، حيث يصبح السياسي الأول هو المحظوظ بكل تزكية ومسؤولية من غيره، في حين تجد الطاقات الواعدة والخلوصة تنظر في صمت لما يجري، وقد تحتج عن الأمر بورع لا يغير من الواقع شيئا. 

غير أن خطوات التمييز، الذي قد يعني وصلا وقد يعني فصلا حسب قدرة الاستيعاب، استطاعت أن تؤسس لها بخطابات علمية ما أحوج الحركة لتدبرها في عطاءات أسماء أربعة برزت في بيئة الحركة والحزب معا:  

ـ سعد الدين العثماني في مصاحبة السياسي والعلمي. 

ـ أحمد الريسوني في مصاحبة الشرعي للسياسي. 

ـ المقرئ أبو زيد في مصاحبة الفكري  للسياسي. 

ـ محمد عز الدين توفيق في مصاحبة التربوي للسياسي. 

وهي أسماء وعطاءات، دون غيرها، جديرة بالتناول بتفصيل لاستيعاب اجتهاداتها بإخلاص علمي لا يجعل الرؤية السياسية ومنظارها الوحيد ميزانا للحكم. 

وهو حصر لا يغمط  باقي الطاقات جهدها، وقد يكون فرصة لتزكية البعض الأخر، لكن اختيار هذه الأسماء جاء نتيجة لفرز تلقائي طبيعي، لأنهم أقل استعمالا للسياسة في حسم الآراء والأفكار أو تقلد المسؤوليات. 

في تحقيق التمايز الحقيقي

تبقى نقطة أخرى تقتضيها هذه النظرة "المشاكسة"، وهي مستقبل تدبير علاقة الحركة أو الحزب بالنظام السياسي للدولة، وهو خط تماس حقيقي، فالحركة والحزب أعلنا وبشكل لا لبس فيه إيمانهما بطابع المشاركة مع التوجهات العامة للدولة، وهذه نقطة إيجابية في إطار المراجعات التصورية، غير أن هذا التعاقد يجب أن يكون واضحا من الطرفين. 

فالدولة مطلوب منها أن تتعامل مع الحركة أو الحزب بكونهما فاعلا وطنيا لا يجب التوجس من اختياراته الدعوية والسياسية مادام يقر بالعمل المؤسسي والسلمي العلني، وبالتالي له ما لغيره من إمكانيات العمل والحركة. في حين أن الحركة أو الحزب مطالبان من جانبهما بالعمل على تحقيق نوع من التمايز الذاتي، فليس مفروضا من الحركة مثلا في دعمها للإصلاح الديني الجاري أن تصفق له يمنة ويسرى، لأن للدولة أجندتها وآلياتها الخاصة في التدبير، وهي ليست محتاجة لمن يدعمها في قراراتها، التي قد تكون غير صائبة في بعضها.

فمثلا عزل رئيس المجلس العلمي للدار البيضاء لم يأت فقط لكونه عبر عن رؤية غير رسمية للشأن الديني، ولكن لكونه لم يذب بما فيه الكفاية في الرؤية التي يراد أن تكون عليه المؤسسة العلمية، وهي المصادقة الشرعية على القرارات الحكومية وإن كانت غير شرعية. وكان الأجدر بالحركة في مثل هكذا حالة أن تصدر بلاغا ينصف عالما من علماء البلد، وتدعو إلى تحرير واحترام مؤسسة العلماء والنأي عن طرحها في المزاد السياسي المتغير حسب الأمزجة.

فدرس "بنشقرون" يمثل من الناحية الرسمية رسالة لكل عالم قد يعبر عن رؤية شرعية اتجاه بعض المخالفات، التي يقوم بها طرف حكومي ما، فضلا أننا لم نجد أيضا تحركا علمائيا يحتج أو يمتعض وجهه لهذه الإقالة. ولذا، فاختيار الحركة لدعم الإصلاح الديني يجب أن يكون واضحا مفاده: بأننا كجزء من مكونات المجتمع المغربي نتحمل مسؤولية الدفاع عن قيم الإسلام وثوابت الوطن برؤيتنا الخاصة، التي لا تنازع أهل السلطان سلطته، كما أنها لا تقدم دعما مجانيا يتماهى مع كل الطروحات، وإن كانت غير مؤسسة علميا وشرعيا (التعامل مع الجماعات الإسلامية: السلفية، العدل والإحسان، الشيعة، المعتقلين الخمسة...). أما اختيارات الحزب، فهو هيئة سياسية يعمل داخل المؤسسة القانونية، لكن هذه الصيغة لا تلزمه عليه دائما الرضوخ لكل الإملاءات المفروضة عليه بكونها منة، بل الأولى أن يعتبر فاعلا سياسيا قانونيا كامل الأهلية، يساهم مثل غيره في تنمية البلد وتثبيت مسارها الديمقراطي.

ويبقى أمام الشريكين الحزبي والحركي العمل جديا بتدبير هذه العلاقة بوضوح وفق دفتر تحملات واضح البنود، والاستفادة من تجربة اليسار والنظام السياسي في السابق بما يخدم قضايا الدين والوطن والأمة، والله الموفق لكل خير. 

الإعلانات