أون إسلام.نت

استشارات :

مفهوم تعارف الحضارات

أرسل لصديقك طباعة
(3 تصويتات, متوسط 3.33 من 5)
لماذا مفهوم تعارف الحضارات؟ الفكرة.. والخبرة.. والتأسيس
الجزء السادس: مفهوم تعارف الحضارات
زكي الميلاد_تعارف الحضارات
زكي الميلاد
زكي الميلاد
أولا: تعارف الحضارات:
لقد كانت للمسلمين تجربتهم في بناء الحضارة والعمران الإنساني، وتكونت لهم معرفة وخبرة في هذا الشأن، وأن الإسلام في نظر برنارد لويس أول من سعى إلى العالمية، فالحضارات القديمة للبحر المتوسط والشرق الأوسط ولأوروبا والهند والصين، كانت محلية، وإقليمية في أحسن حال كما يقول لويس الذي اعتبر أن )المسيحية والإسلام على السواء انفتحا على مهمة عالمية، فالمسكونية الإسلامية امتدت على أجزاء كبيرة من آسيا وأفريقيا وأوروبا، وكانت البادئة في إيجاد حضارة متعددة الأعراق، ومتعددة الثقافات، وإلى حد ما متعددة القارات. فقد امتدت الحضارة الإسلامية إلى أبعد بكثير من أقصى حدود وصلتها الثقافتان الرومانية والهيلينية، وقدرت بذلك على اقتراض عناصر مميزة من حضارات أكثر بعداً في آسيا ثم تبنيها وإدماجها)(15).
-أهم المقولات-

*مفهوم التعارف يؤسس للمفاهيم المآخرى مثل الحوار، الوحدة، التعاون.

*مقولة التعارف تتجاوز الذات إلى بناء المعرفة والتعارف والوصول إلى الآخر.

*المفاهيم والنظريات التي تأتي من العالم العربي تواجه تحديات صعبة في انتزاع الاعتبار العلمي.

*مفهوم تعارف الحضارات أكثر ضبطاً وصواباً من مفهوم حوار الحضارات، ويؤسس لمفهوم الحوار.

لهذا يفترض أن يكون للتصور الإسلامي رؤية أو مفهوم يحدد شكل العلاقات مع الأمم والمجتمعات والحضارات الأخرى، والمفهوم الذي نتوصل إليه في هذا المجال، ونزداد ثقة به، وبقيمته المعرفية والأخلاقية والإنسانية هو مفهوم (التعارف)، ومنشأ هذا المفهوم القرآن الكريم الذي خاطب الناس كافة، وجاء رحمة للعالمين، وكشفت عنه آية التعارف في قوله تعالى: )يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)(16).
وهذه الآية تحديداً من أكثر آيات القرآن الكريم التي تكرر ذكرها والحديث عنها، والالتفات إليها في الكتابات العربية والإسلامية، منذ أن تجدد الحديث حول حوار الحضارات، الأمر الذي يجعلها ذات علاقة بهذا الشأن.
وقد استشهد بهذه الآية الدكتور حسين مؤنس في كتابه (الحضارة(، الذي تحدث فيه عن أصول الحضارة وعوامل قيامها وتطورها، وذلك في سياق حديثه عن علاقة الحضارة بالأجناس، وما توصل إليه المؤرخون الغربيون بعدم حصر القدرة على بناء الحضارة بأجناس معينة، وأن الحضارات إنما قامت بمشاركة أجناس متعددة.
ويعقب الدكتور مؤنس على هذا الرأي بقوله )لقد خرج المؤرخون الغربيون بهذه النتيجة بعد جهد وعناء، في حين أننا معاشر المسلمين والمتكلمين بالعربية، نفتح القرآن الكريم فنجد أنه أجمل ذلك كله في آية واحدة من آياته، وهي الآية الثالثة عشرة من سورة الحجرات )يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(17).
والملاحظ أن حضور هذه الآية والاستشهاد بها، والالتفات إليها في الأدبيات العربية والإسلامية يكاد ينحصر ويتحدد في نطاق التذكير بها، أو مجرد الإشارة إليها، من دون التعمق في استجلاء دلالاتها، أو استكشاف مكوناتها، أو إمكانية ابتكار مفهوم منها، يكون أصيلاً ومحكماً بشرائطه العلمية، وقواعده الاصطلاحية.
والتأمل الفاحص لهذه الآية، يكشف لنا عن حقائق كلية ذات أبعاد إنسانية عامة، نتوصل منها لمفهوم نصطلح عليه بتعارف الحضارات، والتعارف هو المفهوم الذي حاولت هذه الآية تحديده وتأكيده وإبرازه والنص عليه، من خلال سياق وخطاب يؤكد على قيمته وجوهريته، لأن يكون مفهوماً أساسياً، وذلك بالاستناد على الحقائق التالية:
أ - الخطاب في سورة الحجرات متوجه بشكل صريح إلى المؤمنين في بداية السورة وفي خاتمتها، باعتبارها من السور المدنية، إلا في هذه الآية الثالثة عشرة حيث توجه الخطاب إلى الناس كافة بصيغة (يا أيها الناس)، الأمر الذي جعل بعض المفسرين يعتبر هذه الآية مكية، وكون الخطاب متوجهاً إلى الناس كافة فهو ناظر إليهم بكل تنوعهم وتعددهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم، وإلى غير ذلك من تمايزات ومفارقات.
ب - التذكير بوحدة الأصل الإنساني في قوله تعالى (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى(، فالناس مع كل اختلافاتهم وتعددياتهم وتباعدهم في المكان والأوطان، إنما يرجعون في جذورهم إلى أصل إنساني واحد. والقصد من ذلك أن يدرك الناس هذه الحقيقة، ويتعاملوا معها كقاعدة إنسانية وأخلاقية في نظرتهم لأنفسهم، وفي نظرة كل أمة وحضارة إلى غيرها، كما لو أنهم أسرة إنسانية واحدة على هذه الأرض الممتدة.
ج - الإقرار بالتنوع الإنساني في قوله تعالى (وجعلناكم شعوباً وقبائل(، وهذه حقيقة اجتماعية، وقانون تاريخي، فالله سبحانه وتعالى بسط الأرض بهذه المساحة الشاسعة لكي يتوزع الناس فيها شعوباً وقبائل، ويعيشوا في بيئات وجغرافيات ومناخات وقوميات مختلفة ومتعددة، لكي يعمروا هذه الأرض، ويكتشفوا كنوزها وخيراتها، ويتبادلوا ثرواتها، ويجعلوا منها بيتاً مشتركاً وآمناً ومتمدناً للجميع، علماً أن القرآن الكريم لم يذكر في كل آياته عبارة (شعوباً وقبائل) إلا في هذه الآية.
د - خطاب إلى الناس كافة، وتذكير بوحدة الأصل الإنساني، وإقرار بالتنوع بين البشر، فما هو شكل العلاقة بين الناس؟ من بين كل المفاهيم المحتملة في هذا الشأن، يتقدم مفهوم التعارف (ليتعارفوا).
فتنوع الناس إلى شعوب وقبائل، وتكاثرهم وتوزعهم في أرجاء الأرض، لا يعني أن يتفرقوا، وتتقطع بهم السبل، ويعيش كل شعب وأمة وحضارة في عزلة وانقطاع. كما لا يعني هذا التنوع أن يتصادم الناس، ويتنازعوا فيما بينهم من أجل الثروة والقوة والسيادة، وإنما (ليتعارفوا).
ولا يكفي أن يدرك الناس أنهم من أصل إنساني واحد فلا يحتاجون إلى التعارف، أو أن يتوزعوا إلى شعوب وقبائل ويتفرقوا في الأرض فلا يحتاجون إلى التعارف.
ولأن التعارف بين شعوب وقبائل أي بين مجتمعات وجماعات، لذلك جاز لنا استعماله في مجال الحضارات الاستعمال الذي نتوصل منه إلى مفهوم واصطلاح (تعارف الحضارات).
هـ - إذا انطلقنا من قاعدة التفاضل والمقارنة لنتساءل، لماذا لم تستخدم الآية كلمة ليتحاوروا، أو ليتوحدوا، أو ليتعاونوا، إلى غير ذلك من كلمات ترتبط بهذا النسق، ويأتي التفضيل لكلمة (ليتعارفوا)؟
وهذا هو مصدر القيمة والفاعلية في مفهوم التعارف، فهو المفهوم الذي يؤسس لتلك المفاهيم المذكورة (الحوار، الوحدة، التعاون(، ويحدد لها شكلها ودرجتها وصورتها، وهو الذي يحافظ على فاعليتها وتطورها واستمرارها، هذا من جهة الإيجاب. أما من جهة السلب فإن التعارف كمفهوم وفاعلية بإمكانه أن يزيل مسببات النزاع والصدام.
ثانيا: تعارف الحضارات.. والبناء المعرفي
إذا أردنا أن نقرّب مفهوم التعارف إلى بعض حقول المعرفة الإنسانية، فإن هذا المفهوم يشترك في نسق معرفي متقارب أو متجاور مع مفهوم التواصل الذي عرف به المفكر الألماني المعاصر والبارز يورغن هابرماس، والذي حوله إلى فلسفة أطلق عليها تسمية (التفاعلية التواصلية(، وهي أكثر أفكار هابرماس شهرة واهتماماً، حيث اختبرها وتوصل إليها بعد دراسة نقدية لكبريات النصوص الفلسفية باتجاهاتها المختلفة في منظومات الفكر الأوروبي، من فلاسفة الأنوار إلى فلاسفة ما بعد الحداثة المعاصرين، وذلك في أشهر مؤلفاته، ولعله الأكثر شهرة في حقله أيضاً، وهو كتاب (القول الفلسفي للحداثة).
وفاعلية التواصل في رؤية هابرماس تعني تجاوز ما يصطلح عليه بفلسفة الذات، والعمل على الوصول إلى فلسفة الآخر. وهذا ما تسعى إليه مقولة التعارف أيضاً، التي تتجاوز الذات أو فلسفة الذات إلى بناء المعرفة والتعارف والوصول إلى الآخر.
والفارق الرئيسي بين المفهومين أن مفهوم التواصل عند هابرماس يرتبط بحقل المعرفة أو هكذا حاول ربطه، فتحددت علاقته بالعقل. أما مفهوم التعارف فيرتبط بحقل الاجتماع، فتحددت علاقته بالمجتمع والجماعة والناس.
أما وجه الصعوبة المعرفية التي تواجهنا في هذا الشأن، فهي القدرة على اكتساب الثقة العلمية لمثل هذه المقولات والمفاهيم، والقدرة على بناء القاعدة المعرفية المتماسكة لهذه المفاهيم. خصوصاً وأن المجال العربي في علم الحضارة وتاريخ الحضارات لم يشهد ازدهاراً وتقدماً، وليس معروفاً عن الكتابات العربية تميزها في هذا الحقل، فهي أقرب إلى محاكاة الكتابات الغربية، والتزود بالمعرفة منها، وإتباع منهجياتها ومحاولة تقليدها أو الاعتماد عليها. لهذا فإن المفاهيم والنظريات التي تأتي من العالم العربي تواجه تحديات صعبة في انتزاع الاعتبار العلمي، والجدارة العلمية ليس من الغرب فحسب، وإنما من داخل العالم العربي أيضاً.
يضاف إلى ذلك الصعوبات المتعلقة بعملية الإنماء المعرفي لهذه المفاهيم والنظريات ذات المنشأ العربي، وإمكانية دمجها في التراكمات المعرفية، وإحاطتها بالخبرات والتجارب والحفريات الأثرية والتاريخية والحضارية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، مستويات الاهتمام بتناولها بالدراسة والتحليل والفحص والنقد، لغرض إنمائها وتطويرها وإنضاجها. ومن جهة ثالثة، المشاركة بتعميمها وإلفات النظر إليها والدفاع عنها.
وهذا ما يفسر عدم قدرة العالم العربي على ابتكار الأفكار والنظريات وإدماجها في المعارف الإنسانية، وفتح النقاش حولها على نطاق عالمي واسع. كما يفسر أيضاً غياب التضامن والإحساس بالمشاركة بين الباحثين والكتاب في العالم العربي.
وأخيراً فإن مقولة (تعارف الحضارات(، لا تعني مجرد الاعتراف بتعدد الحضارات وتنوعها، وإنما تستند على ضرورة بناء وتقدم الحضارات في العالم، وتأسيس الشراكة الحضارية فيما بينها، وتبادل المعرفة والخبرة، فالعالم ليس بحاجة إلى حضارة واحدة، وإنما إلى استنهاض الحضارات كافة.
لهذا فإن مفهوم تعارف الحضارات أكثر ضبطاً وصواباً من مفهوم حوار الحضارات، وأوضح تعبيراً عن الرؤية الإسلامية في هذا الشأن، وأن التعارف هو الذي يؤسس للحوار وينهض به، وما تحتاج إليه الحضارات في عالم اليوم هو التعارف الذي يرفع الجهل بصوره كافة، الجهل المسبب للصدام بين الحضارات، في المقابل أن التعارف هو الذي حافظ على تعاقب الحضارات في التاريخ الإنساني.

الهوامش

15ـ برنارد لويس. الحضارة الغربية دمج حداثات والإسلام أول من سعى إلى العالمية, ترجمة: فؤاد حطيط، جريدة السفير، بيروت، الجمعة 7 فبراير 1997م.

16ـ سورة الحجرات، آية 13.

17ـ حسين مؤنس. الحضارة: دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطور، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة (237)، 1998م، ص: 50.

حوار الحضارات_تعارف الحضارات
الإعلانات