الدليل لنظرية مقاصد الشريعة
أ.د. أحمد الريسوني
في مقدمة كتابه "مدخل إلى مقاصد الشريعة" عرف الريسوني معنى مقاصد الشريعة بكونها المعاني والغايات والآثار والنتائج التي أرادها الشارع، ويريد من المكلفين الوصول إليها. وقُسّمت مقاصد الشارع إلى قسمين؛ أولهما: مقاصد الخطاب، وهي مقصود النص سواء كان آية أو حديث. ويستعمل هذا الاصطلاح بشكل خاص عندما يكون للنص الشرعي معنيين أحدهما ظاهر غير مقصود، والآخر هو المقصود.
وثانيهما: مقاصد الأحكام، فبعد معرفة مقصود الخطاب يبقى البحث عن الغايات التي يرمي إليها هذا الخطاب. وهذا النوع ما يقصده عادة المتحدثون عن مقاصد الشريعة.
أقسام المقاصد
قسم الريسوني مقاصد الشريعة إلى ثلاثة أقسام:

أ- مقاصد عامة: وهي المقاصد التي تم مراعاتها وثبتت إرادة تحقيقها على الشريعة كلها، أو في اغلب وأعم أحكامها، مثل حفظ الضروريات الخمس "الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال".
ب- مقاصد خاصة: وهي المقاصد المتعلقة بمجال خاص من مجالات التشريح مثل، مقاصد أحكام الإرث والمعاملات المالية وخلافه.
ج- مقاصد جزئية: وهي مقصد كل حكم على حدة.
ثم تناول بعد ذلك الحاجة العامة للمسلمين من هذه المقاصد قائلاً: " إذا كانت المقاصد أرواح الأعمال كما يقول إمام المقاصد أبو إسحاق الشاطبي، فإن العجب كل العجب أن يعيش الناس بلا مقاصد، أي بلا أرواح، فالفقه بلا مقاصد فقه بلا روح، والفقيه بلا مقاصد فقيه بلا روح، والمتدين بلا مقاصد متدين بلا روح، والدعاة إلى الإسلام بلا مقاصد هم أصحاب دعوة بلا روح".
ثم يفصل الريسوني حاجة الفقيه والمتفقه إلى معرفة مقاصد الشريعة، فيقول ان الفقه ذاته لا يتحقق إلا بمعرفة حقائق الأشياء، فالفقه لن يكون فقها سوى بمعرفة مقاصد التشريع وأسراره.
وأما المتدين فإن عدم معرفته للمقاصد يجعله معرضاً للسأم والضجر، والحيرة والاضطراب، وعدم القيام بالأعمال بإتقان وإحسان. فيرى الريسوني أن معرفة المتدين بالمقاصد تجعله أكثر نشاطاً في ممارستها والسعي إليها والمواظبة عليها.
وكذلك الدعاة ، يجب أن يكون الداعي على علم ومعرفة بما يدعوا إليه بمقاصده وغاياته وآثاره. فالدعوة يجب أن تكون على بصيرة " قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ"
الشريعة بين التعبد والتعليل
يرد الريسوني على من يقولون أن الشريعة لا غرض لها إلا التكليف والابتلاء واثبات عبودية المكلفين وما يتبع ذلك من ثواب أو عقاب في الآخرة، قائلاً "الحقيقة أن إثبات كون الشريعة معللة بمصالح العباد في الدنيا والآخرة معاً، أمراً لا يحتاج إلى عناء وكبير بحث، فالآيات الصريحة القاطعة متضافرة على إفادة هذا المعنى بشكل لا يبقى معه مجال للشك أو التردد". ذاكراً أدلة ذلك في الأمثلة الآتية:
-"فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ". فالآية تشير إلى الدنيا والآخرة معا، فقابل الضلال الشقاوة، وضنك العيش والعمى معاً.
-"لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ". ففي الآية نص على المقصد العام لبعثة الرسل جميعاً، وما أرسله الله معهم من البيانات والموازين، فكل هذا إنما تم لأجل غاية جامعة هي أن يقوم الناس بالقسط ، والقسط في المفهوم الإسلامي يشمل كل شيء، في علاقة الإنسان مع ربه ومع نفسه ومع غيره من الناس والكائنات.
ويؤكد الريسوني انه ليس قاصراً فقط على الحكم بين الناس كما هو شائع، وإنما أيضا في الأكل والشرب ، وفي النوم والراحة، وفي اللباس والزينة كذلك. ثم يذكر حديث الرسول –صلى الله عليه وسلم- "لا يمشين أحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعاً أو ليُخفهما جميعاً". فمن القسط التسوية بين القدمين إلا لعذر، وقال الفقهاء إن تجاوز القدر المحدد في الوضوء ظلم وإسراف.
وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم- "ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟" قلت: إني أفعل ذلك، قال: "فإنك إذا فعلت هجمت عينك، ونفهت نفسك، وإن لنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فصم وأفطر وقم ونم". ويضيف الريسوني أن قوله تعالى: " وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ" بعد ذكره المقصد العام ، فيه تنبيه على أن مقاصد الخالق في خلقه أن يجلب لهم منافعهم الدنيوية ومن أعظمها على مر التاريخ منافع الحديد، فعليه تقوم الحضارات وتزدهر أحوال الشعوب والمجتمعات.
- في خصوص بعثة الرسول –صلى الله عليه وسلم- جاءت نصوص عدة تنص على مقاصدها بشكل صريح، كما في قوله عز وجل: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ". فالآية تضمنت تعليلاً صريحاً قاطعاً للبعثة النبوية، وهي أنها جاءت رحمة للناس، والرحمة تشمل الدنيا والآخرة "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ". وأضاف أن من صفات الله سبحانه وتعالى: "الرحمن الرحيم"، وقد روي في معنى هاتين الصفتين "الرحمن: رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم: رحيم الآخرة"، وأحال لما قاله الخطابي: "الرحمن: ذو الرحمة الشاملة، التي وسعت الخلق في أرزاقهم ومصالحهم". وفي قوله تعالى: "وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ" فمن رحمة الله الغيث وما ينتج عنه من مصالح دنيوية، وعلى هذا فالرحمة التي بعث بها خاتم النبيين –صلى الله عليه وسلم- تشمل مصالح العباد في دنياهم وآخرتهم.
ومما جاء أيضا في تعليل الرسالة المحمدية قوله تعالى: "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ" ويقول الريسوني: تزكية الناس وتعليمهم هي مصلحة دنيوية قبل ان تجني ثمراتها الأخروية، فهما جامعتان لكل ما تحتاجه النفس البشرية من فضائل وخيرات. وفي هذا جاء قوله -صلى الله عليه وسلم- معللاً تعليلاً جامعاُ: "إنما بعثت لأتمم حسن الأخلاق". ومن هنا يستدل الريسوني على أن الرسل بعثوا جميعا لهداية الناس في دنياهم وأخراهم، وأن هذا لا يتنافى مع مقصد التعبد مؤكداًً أن "كل صلاح يتضمن نوعاً من التعبد، وكل تعبد فيه أنواع من المصالح الدنيوية والأخروية، فليس هناك تضاد ولا تعارض مع التعبد والتعليل".
تعليل العبادات
يرد الريسوني على من يعتقدون ان التكاليف والعبادات لا معنى لها، أو ان لا تعليل لفرضها ووجودها، ولا هدف منها إلا التعبد إلى الله ثم ابتغاء ثواب الآخرة. ويقول ان القائلين من العلماء بأن الشريعة تعلل يذهب إلى أن قسم العبادات منها غير قابل للتعليل. ويبرهن الريسوني على صحة تعليل العبادات على نحوين:
أولهما: ان ما سبق من نصوص قرآنية وحديثية في تعليل بعثة الرسل وشرائعهم تشمل العادات والمعاملات والعبادات. وكذلك تشمل مصالح الدنيا والآخرة معا، فلا مصلحة أو مفسدة أخروية إلا كان لها أصل وبداية في الدنيا.
ثانيهما: أن جميع التكاليف الشرعية التي سميت في القرآن عبادات قد جاءت معللة أصلا، تعليلات دنيوية وأخروية بدون توفيق أو استثناء.
ثم يذكر الريسوني تعليلات العبادات بادئاً بالصلاة وآية "وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ"؛ شارحاً، عللت الصلاة بمصلحتين جامعتين عظيمتين وإحداهما أعظم من الأخرى. فالمصلحة الأولى هي كونها تنهى عن الفحشاء والمنكر، والثانية هي ذكر الله، الذي هو أكبر من مصلحة النهي عن الفحشاء والمنكر، ولذا جاء التعليل به وحده في آية أخرى وهي: "وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي".
وعن الزكاة يقول الريسوني أن مصالحها الدنيوية والتربوية والاجتماعية لا يمكن ان ينكرها أي إنسان، فهي أوضح من أي بيان أو استدلال. والصوم وسيلة لاتقاء المعاصي، والرقي بالمسلم من الانغماس في أوحال الحياة الحيوانية، وهو وسيلة للارتياض بالصفات الملائكية.
وفي حديث "الصيام جُنّة..." ينقل الريسوني قول الإمام ابن عاشور "حذف متعلق –جنة- لقصد التعميم، أي: التكثير للمتعلقات الصالحة بالمقام، فأفاد كلام الرسول عليه الصلاة والسلام أن الصوم وقاية من أضرار كثيرة، فكل ضر ثبت عندنا أن الصوم يدفعه فهو مراد من المتعلق المحذوف".
وأما الحج فيقول الريسوني "هو منجم لما لا يحصى من المصالح الأخروية والدنيوية فقد اجتمع فيه ما تفرق في غيره، فمن حيث العبادة ففيه الصلاة والذكر والدعاء، وفيه الإنفاق بأشكال متعددة، وفيه الجهاد المالي والبدني، وفيه كبح الشهوات وتهذيب العادات، ومن حيث المصالح الدنيوية المباشرة، ففيه فرصة نادرة للتبادل التجاري، والتداول السياسي والاجتماعي، وفيه من الأسفار والرحلات من التجارب والخبرات والتداريب، ومن إغناء للعقل والعلم والمعرفة".
وفيما يتعلق بالتعليلات الجزئية لتفاصيل العبادات، بمواقيتها الزمنية والمكانية، وكيفيتها وشروطها...إلخ، يقول الريسوني أن الأحكام العامة والكلية تسري على جزئياتها، فإذا كانت معللة في أصولها وعمومها، فان تفاصيلها وأحكامها الجزئية واقعة على هذا التعليل، سواء عُلمت أو جهلت. ويضيف أن كثير من الأحكام الجزئية التطبيقية قد لا تكون مقصودة في ذاتها، ولكنها ترمي إلى تحقيق الانضباط وسهولة التنفيذ. يقول: "حتى القوانين الوضعية نجد ما لا يحصى من التحديدات الزمانية والمكانية والمالية التي رسمت وقدرت على نحو ليس له معنى في ذاته، ولكن التحديد – من حيث المبدأ - هو المقصود".
المقاصد التربوية للدعاء
تحدث الريسوني عن الدعاء ومقاصده قائلاً ان المقصد الأسمى له بالطبع هو تحقيق أعلى درجات العبودية لله، والمقصد الآخر من مقاصده الكبرى أيضا هو قضاء الحاجات واستجلاب الخيرات ودفع الشرور والآفات.
وحين يتحدث الريسوني عن المقاصد التربوية في الدعاء فإنه يعني "ان الدعاء في الإسلام جعل وسيلة للتوجيه التربوي والتأثير السلوكي العملي، ولا شك أن الممارسين للتربية كلما كانوا على بينه من الأبعاد والتأثيرات التربوية للدعاء كلما أمكنهم الاستفادة منه".
وذكر الريسوني عدة نماذج للمضامين التربوية في الدعاء، وهي:
1- المساعدة على الطاعة والامتثال، فهو يساعد على إشغال الهمة بذكر الله، ومن تعلق بفكره وقلبه بالله كان اقرب إلى طاعته وأبعد عن معصيته.
2- توجيه العناية إلى الذات، فكثير من الناس يتوجهون إلى الله بالدعاء وهم "غافلين عن مسئوليتهم فيما جرى أو فيم يمكن أن يجري، وأن الأمور بأسبابها وشروطها" وقد جاءت الأحاديث والأدعية النبوية توجه الداعين إلى ذواتهم ومكامن الداء فيها.
3- التنفير من الآفات، فالأدعية النبوية كانت تركز على تنفير المؤمنين من آفات معينة يكثر الاتصاف بها والوقوع في أسرها.
4- تمتين الأخوة الإسلامية، فهناك أدعية في القرآن والسنة تهدف إلى بث روح المحبة والأخوة بين المسلمين، ومن خلال المداومة عليها تجعل هذه المحبة والأخوة في حالة تجدد واستمرار..ومنها على سبيل المثال دعاء التشهد "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين".
5- الحث على العمل، "كثير من الناس يتصورون أن الدعاء يقوم مقام العمل ويغني عنه، وهذا اعتقاد فاسد لا أصل له في الشرع، أما التعبد الصحيح بالدعاء، فهو الذي يكون مسبوقا بالعمل ومصحوبا بالعمل وملحوقا بالعمل".
تعليل الرسول ص للأحكام الشرعية
يختم الريسوني حديثه عن تعليلات الأحكام بالتعليلات التي ذكرها الرسول –صلى الله عليه وسلم – بنفسه لبعض الأحكام الشرعية مفصلها إلى قسمين:
1- تعليلات صدرت منه ابتدائياً وتلقائياً من غير سؤال ولا استشكال.
2- تعليلات جاءت بياناً وجواباً عما كان يبديه بعض الصحابة من استفسارات واستشكالات.
ومن النوعين طرح الريسوني عدة أمثلة، للنوع الأول حديث: "إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف"؛ حيث علل الرسول صلى عليه وسلم ثم نبه على دوران الحكم مع علته وجوداً وعدماً فقال "وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء".
ومن النوع الثاني حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار"، وعلل ذلك بعد سؤال الصحابة بقوله: "إنه كان حريصاً على قتل صاحبه".
مقاصد الشريعة: جلب المصلحة ودرء المفسدة
يقول الريسوني أن العلماء يعبرون عن مقاصد الشريعة في كلمة عابرة وهي "جلب المصلحة ودرء المفسدة" ، ويؤكد ان ما وصلوا إليه لا يعتمد على منهج الاستنباط والاستقراء وحده بل ان هناك نصوصاَ صريحة تعلل بالمصلحة والمفسدة ، منها: "يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا" و "وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا"، "وغيرها من الآيات التي نصت على أن مقاصد الأنبياء مقاومة الفساد والمفسدين ورعاية مصالح العباد وحفظها على أكمل وجه".
يذكر الريسوني أشهر تعريفات المصلحة والمفسدة وهو تعريف فخر الدين الرازي الذي يقول فيه: " المصلحة لا معنى لها إلا اللذة أو ما يكون وسيلة إليها، والمفسدة لا معنى لها إلا الألم أو ما يكون وسيلة إليه". ويعلق الريسوني على من يعتقد ان التعريف يضيق مفهوم المصلحة والمفسدة في الجوانب الحسية والبدنية قائلاً "اللذة عند الرازي ليست أبدا محصورة في لذات الجسد ولذات الحواس، ولا هي محصورة في اللذات الدنيوية، وكذلك الشأن في مفهوم المفسدة". ويذكر الر يسوني دليلاً على ذلك ما قاله الشاطبي "أعني بالمصالح ما يرجع إلى قيام حياة الإنسان وتمام عيشه، ونيله ما تقتضيه أوصافه الشهوانية والعقلية..".
ويشير الريسوني إلى إدخال علماء المسلمين الوسائل ضمن المصالح والمفاسد، باعتبار ان ما يؤدي لمصلحة فهو مصلحة وما يؤدي لمفسدة فهو مفسدة. ويعلق قائلاًُ: "هذا هو أحد المميزات الرئيسية بين التقدير الشرعي والتقدير البشري للمصالح والمفاسد، فالناس عادة ينظرون إلى ما فيه مصلحة قريبة عاجلة على أنه مصلحة لهم، ولو كان وسيلة إلى مفسدة آجلة خطيرة الشأن...بينما ينظر الشرع إلى النتائج والعواقب الآجلة قبل نظره إلى المقدمات والنتائج العاجلة".
ثم ذكر الريسوني التقسيمات الثلاث للمصالح وهي: مرتبة عليا، وهي تسمى مرتبة الضروريات، ويقصد بها المصالح الأساسية الكبرى التي تقوم عليها حياة الأفراد والجماعات. ومرتبة دنيا، وتسمى مرتبة التحسينات وتدخل فيها المصالح التي يمكن الاستغناء عليها والعيش بدونها، ومرتبة وسط بين المرتبتين السابقتين.
حفظ الكليات الخمس
يقول الريسوني إن علماء الأمة انتهوا إلى أن مقاصد الشريعة ومصالحها الكبرى تدور في خمس مصالح سموها الضروريات الخمس أو الكليات الخمس. وأول من ذكرها واضحة وجلية هو الإمام الغزالي، وهذه الكليات هي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل". ويوضح الريسوني ما استند إليه العلماء في استخراجهم لهذه الكليات الخمس، في اعتمادهم على الاستقراء التام لأحكام الشريعة الإسلامية، حيث وجدوها كلها تدور حول هذه الضروريات، أو تؤدي من بعيد أو قريب إلى خدمتها ورعايتها.
ويضيف أن هناك نصوصاً قرآنية وأحاديث نبوية نبهت بشكل واضح وجامع على هذه الضروريات: مثل الآية الثانية عشر من سورة الممتحنة "َيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ". فقوله "لا يشركن بالله" دلالة على حفظ الدين، و"لا يسرقن" تشير إلى حفظ المال، و"يزنين" فيها حفظ النسل، و"لا يقتلن أولادهن" تشير إلى حفظ النفس.
أما عن حفظ العقل فيقول الريسوني "لم يذكر بخصوصه لأنه داخل في حفظ النفس، فالعقل ليس كيان مستقل منفصل، بل هو جزء من كيان الإنسان المعبر عنه بالنفس، إنما خصه الشرع ببعض الأحكام، وخصه العلماء بالذكر نظراً لمكانته وتوقف التكليف عليه، ولكونه شرطاً لابد منه لحفظ باقي الضروريات". وما يجعل هذه المصالح ترتفع لمستوى ان تكون أصولا وضروريات أن المسلمين رجالاً ونساء بايعوا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيعة الرجال على مضمون هذه الآية جاءت في المرحلة المكية التي كانت مرحلة الأسس والقواعد الكبرى.
الحفظ الحاجي والتحسيني للمصالح
وفي ختام كتابه يفرق الريسوني بين الحفظ حاجي والتحسيني للمصالح قائلاً ان حرص الشريعة على حفظ المصالح ليس مقتصرا على مستواها الضروري المتمثل في الكليات الخمس، بل يتسع ليشمل الحفظ الحاجي والتحسيني للحاجات. ويعرف الريسوني الحاجيات بأنها المصالح التي يحتاجها الناس احتياجا لا يبلغ حد الضرورة ولكن ينشأ عن فقدهم لها الضيق والنكد. وإذا حدث إخلال بها فهو يؤثر على الضروريات. وعليه فان حفظ الضروريات يقتضي بالضرورة حفظ هذه الحاجيات.
ومن هذه الحاجيات: ضبط تفاصيل العبادات وتحديد مقاديرها وكيفياتها، وكذلك وضع الرخص في حالات الضيق والحرج والمشقة. فعلي سبيل المثال، إذا كان الحفظ الضروري للعقل يتمثل في تحريم المسكرات،السحر والكهانة والأزلام، فإن حفظه على المستوى الحاجي يتمثل في تزويده بالعلم، وصقله بالنظر والتفكر وإخراجه من الجهل والغفلة.
أما الحفظ التحسيني، فهو كل ما ليس ضرورة أو حاجة ولكن فيه إفادة للناس في أي جانب من جوانب حياتهم سواء الدينية أو الدنيوية. مثل: نوافل العبادات وآداب المعاملات ومحاسن العادات.
بيانات الكتاب: أحمد الريسوني، مدخل إلى مقاصد الشريعة، القاهرة، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، 2010، ط:1.
التجديد_الاجتهاد_مقاصد الشريعة












إن فاتك العلامة الدكتور سلمان العودة كعالم تتربى على يديه، فلا يفوتك هذا الملف الذي يتيح لك فرصة أن تتعلم من كلماته التالية التي وضعناها بين يديك.

ملف يسعى إلى الإجابة على كافة الأسئلة التي تدور في أذهان أولياء الأمور قبل بدء الدراسة من أول الاستعدادات لروتين اليوم الدراسي، وكيفية تقبل الالتزام به، ووسائل التغلب على ضعف التركيز والانتباه، وأفضل ...




