أون إسلام.نت

استشارات :

الغزالي.. رباني ملأ الدنيا وشغل الناس

أرسل لصديقك طباعة
(0 تصويتات, متوسط 0 من 5)
الغزالي.. رباني ملأ الدنيا وشغل الناس
وقفة مع منهج الغزالي في الكتابة:

 

في 9 من مارس سنة 1996م توفي العلامة الداعية الشيخ محمد الغزالي، وأجدها فرصة كي أن أقف وقفة علمية مع الشيخ الغزالي ومنهجه في الكتابة، من حيث تناول تاريخ الكتابة عنده وبدايتها، وكيف يكتب الغزالي؟ ولماذا يكتب؟ وخصائص الكتابة عنده، والغزالي والناقدين لفكره والطاعنين فيه.

الكتابة الصحفية

بدأ الشيخ الغزالي الكتابة العلمية بكتابة مقالات، حثه عليها الإمام حسن البنا، فاستكتبه وهو طالب في الفرقة الثالثة بكلية أصول الدين، فكتب أول مقال له في مجلة (النذير) بعنوان: (الإخوان المسلمون والأحزاب) ثم تلاه دراسة من عدة حلقات في مجلة (المنار) التي كان يصدرها العلامة الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله، وقد عهد ورثة الشيخ رشيد بتحرير المجلة لـ "حسن البنا"، فقام على إصدارها، فأصدر منها ستة أعداد، في عام 1939م، واستكتب البنا الشيخ الغزالي، فكتب مقالا أشبه بدراسة رائعة، بعنوان: (في محيط الدعوات) ونشر المقال في عددين، وكان له بقية حال دون نشرها توقف المجلة عن الصدور نظرا لمصادرة السلطات المصرية آنذاك للمجلة. وبالبحث والتنقيب في المجلات القديمة لم أجد ـ فيما بحثت واستقرأت ـ أي مقال منشور قبل هذا التاريخ للشيخ الغزالي رحمه الله.

ثم بعد ذلك توالت كتابات الشيخ الغزالي في مجلة (التعارف الإسلامية) وهي مجلة استأجرها الإخوان بعد أن انفصل صاحب امتياز مجلة (النذير) عن الإخوان المسلمين، وكانت أكثر مقالات الغزالي في مجلة (الإخوان المسلمون) التي بدأت بالصدور في سنة 1942م والتي بدأت نصف شهرية، ثم بعد ذلك أصبحت أسبوعية، وفي هذه المجلة صدرت معظم مقالات الغزالي الأولى، والتي جمع معظمها في كتب، وصدر من هذه المقالات في كتب: كتابه (تأملات في الدين والحياة) و(الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين).

وقد أصبح الغزالي في فترة الأربعينات من القرن العشرين من كُتَّاب الإخوان المسلمين الأوائل، يحكي الشيخ الغزالي ذكريات عن هذه المرحلة فيقول:

(كتبت يوما مقالاً، وأرسلته إلى مجلة (الإخوان)، وارتقبت نشره، فلم ينشر، وساء ظني بنفسي فتركت الكتابة.. وبغتة تلقيت بالبريد رسالة من المرشد العام، عرفت فيما بعد نبأها .. لقد دخل إدارة المجلة وساءل الأستاذ صالح عشماوي رئيس التحرير: لماذا لا أقرأ للإخوان مقالات جيدة؟ وما السبب في ضعف المجلة؟ ومدّ يده -غير متعمد- إلى ملف المحفوظات المنتفخ بالمقالات التي رُئي عدم نشرها، ووقع بصره على مقالي! وغضب غضبًا شديدًا لإهماله، وأمر بجعله (افتتاحية) العدد المقبل.

وبعث إليّ برسالة شخصية هذا نصها: "أخي العزيز الشيخ محمد الغزالي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته –قرأت مقالك "الإخوان المسلمون والأحزاب" فطربت لعبارته الجزلة، ومعانيه الدقيقة، وأدبه العفِّ الرصين، هكذا يجب أن تكتبوا أيها الإخوان المسلمون. اكتب دائمًا وروح القدس يؤيدك والله معك. أخوك حسن البنا، المرشد العام للإخوان المسلمين".

وأصبحت بعد هذه الرسالة من كتاب الجماعة الأوائل، واستبشرت بأن الله سيلهمني الرشد فيما أكتب!).[1]

وكان يكتب الغزالي معظم مقالاته تحت عنوان عام لعموده الصحفي جعل عنوانه: (خواطر حرة) أو (من صحائف المجد).كان الغزالي رحمه الله يكتب مقالاته في مجلات الإخوان المسلمين، والمجلات الصديقة لدعوة الإخوان، وكان يوقعها باسمه صريحا في معظمها، فكان يوقع بـ (محمد الغزالي) في معظم مقالاته، وأحيانا يضيف لاسمه مسمى عمله الوظيفي فيكتب: (الواعظ)، وفي أحيان أخرى كان يوقع بالحروف الأولى من اسمه، كما في عدد من المقالات، فيوقع بـ (م. غ) وأحيانا أخرى يوقع بـ (أبو حامد) وله بضع مقالات بدون توقيع سواء بالتصريح أو بالتلميح.

 

كيف يكتب الغزالي؟

للشيخ الغزالي أسلوب وطريقة في الكتابة جديرة بالدراسة والتأمل، يقول عن هذه الطريقة الشيخ الغزالي:

(أحب أوقات الكتابة إليَّ: بعد صلاة الفجر، عند هذا الوقت أشعر باجتماع فكري، ويقظة أعصابي، وقدرتي على إفراغ ما في نفسي فوق الصفحات، ويغلب أن تكون الكتابة الأولى هي الأخيرة، وقلما أمحو منها أو أزيد عليها إلا القليل بل قلما أعود إلى قراءة كتاب أصدرته إلا إذا كانت هناك حاجة ملحة في ذلك، كمناقشة له أو حوار حوله).[2]

ويبين الشيخ الغزالي سر كتابته من مرة واحدة، وأنه قلما شطب أو حذف، وأن لنشأته الرقيقة الحال في أيام طلب العلم دخلا في ذلك فيقول: (كانت الأحوال التي تكتنفني رديئة، لا أذكر أنني ملكت كتابًا طول السنوات الأربع، وأنّى لي ذلك؟ وعندما عرض علينا شرح النووي لصحيح مسلم بنصف جنيه مقسطًا على عشرة شهور؛ هززت رأسي بأسًا، وقلت: ما معي يكفي للأطعمة والملابس...! واختفيت دون أن يشعر بي أحد!

واضطرني هذا للإنصات بعمق إلى شروح الأساتذة، وكنت استحضرت من دكان أبي بعض الأوراق التي تُلف بها السلع، لأدوِّن فيها ما أرى ضرورة تدوينه.
وربما جالست بعض الزملاء الذين يملكون كتبًا لأتثبَّت من حكم أو أستذكر ما نسيت! وكم نسيت من قضايا وحقائق!

وأورثني هذا خلالاً أصبحت طبعًا ثانيا؛ صرت كالمكفوفين الذين يعتمدون كثيرًا على ذاكرتهم.! وتعلمت الاقتصاد في الأوراق، فليس هناك مبيضة ومسودة، هي ورقة واحدة تلك التي تكتب، والتي ستقدم للمطبعة فيما بعد وهذه الورقة لا يترك فيها فراغ، ينبغي أن تُستغل من أولها إلى آخرها...! حتى بعد أن أفاء الله وبارك، بقيت هذه الخلال تغلبني...!).[3]

 

خصائص الكتابة

امتازت كتب الشيخ الغزالي رحمه الله بميزات كثيرة، إن دلت فتدل على سعة ثقافة الرجل، وعلى مدى تفانيه في أداء رسالته، وإتقانه لهذه الرسالة، ولا بد لمن يريد أن يتعرف على الغزالي الكاتب أن يعرف الخصائص التي امتازت بها كتبه، وهي:

* إقامة جسر بين الإسلام والثقافة الإنسانية:

كانت كتب الشيخ الغزالي رحمه الله جسرا بين الإسلام والثقافة الإنسانية، وكانت مدخلا لكثير ممن تغير خطهم من الخط العلماني أو الاشتراكي أو الماركسي، أو أي خط بعيد عن الخط الإسلامي، فكانت مدخلا لهم، وحُبب إليهم الإسلام والفكر الإسلامي من خلال مؤلفات الغزالي رحمه الله. كما رأينا في توجُّه المستشار طارق البشري وهو يحكي بداية قراءته للغزالي، وبخاصة كتابه (عقيدة المسلم) الذي قرأه كاملا في رحلة قطار في مصر، وقد أمسك بالكتاب ولم يدعه إلا عند وصوله وقد فرغ من قراءة معظمه، وكذلك الأستاذ عادل حسين، وغيرهما كثير ممن توجهوا إلى الخط الإسلامي، بعد ابتعاد منه، لما لاحظوه من تخاصم بين من يدعون للإسلام وبين الفكر الإنساني.

وقد كانت معظم كتب الغزالي تسير في هذا المضمار، لأن الغزالي رحمه الله من أول كتبه فض هذا الاشتباك المزعوم بين الدين والحياة، أو بين الدين والعلم، بل اعترف الغزالي نفسه ببيان مدرسته الخاصة التي يعبر عنها، فقال: (المدرسة التي أعتبر نفسي رائدا فيها أو ممهدا لها: تقوم على الاستفادة التامة من جميع الاتجاهات).

فترى في كتب الغزالي انفتاحا على الفكر الإنساني بشتى تخصصاته وتنوعاته، رافعا شعار: الحكمة ضالة المؤمن وهو أحق الناس بها أنى وجدها، فتراه وقد أعجب بكتاب (دع القلق وابدأ الحياة) لدايل كارنيجي الكاتب الأمريكي المعروف، فأخذ يشرحه، معترفا بأن ما جاء في كتاب الرجل لا يختلف عما في ديننا الإسلامي الحنيف، بل إننا نقول بإنصاف: لم يتعرف الإسلاميون على دايل كارنيجي وكتاباته إلا من خلال كتاب الشيخ الغزالي (جدد حياتك)، فمن أين كانت ستأتي الثقة عند الإسلاميين في كتابة الرجل، ومعلوم الخصومة والعداء الذي كان في ذلك الوقت بين كتابات الغربيين وقراء الفكر الإسلامي.

يقول الشيخ الغزالي رحمه الله: وقد شُغفت من أمد بعيد ببيان المشابه بين تراث الإسلام المطمور، وبين ما انتهى إليه جلَّةُ المفكرين الأحرار في أغلب النواحي النفسية والاجتماعية والسياسية، وأحصيت من وجوه الاتفاق ما دل على صدق التطابق بين وحي التجربة ووحي السماء.

استجابة لمتطلبات المرحلة

لم يكن الغزالي رحمه الله في كتاباته منعزلا عن الحياة التي يحيا فيها، بل كان يعي ما يحتاجه الناس، فقد ألف كتاباته كلها استجابة لما يحتاجه العصر الذي هو فيه، واستجابة لمتطلبات المرحلة القائمة، فقد كتب السلسلة الأولى من كتبه (الإسلام والأوضاع الاقتصادية) و(الإسلام والمناهج الاشتراكية) و(الإسلام المفترى عليه بين الرأسماليين والشيوعيين) لما رأى لهذه الأفكار من إغراء قد تصرف الناس عن لب الإسلام، ويظن من يجهل الإسلام أن هذه الفلسفات أسبق من الإسلام، وأنها تلبي حاجيات الناس، وأن الإسلام يعجز دون ذلك، فكتب هذه السلسلة من الكتب، لأن في هذه المرحلة كانت المكتبة الإسلامية فقيرة في هذا المجال.

الجمع بين العاطفة والعقل

كما جمعت كتب الغزالي في أسلوب قل نظيره بين العاطفة الأدبية، والعقلية العلمية، فهناك كاتب يركز في كتابته على العاطفة، ويخلو من الخطاب العقلي، وهناك كاتب يغرق في الأسلوب العقلي في الكتابة، حتى ترى الكتاب جافا لا روح فيه ولا عاطفة، ولكن الغزالي كان من القلة التي تجمع في كتابتها بين العاطفة والعقل.

وقد امتازت العاطفة الأدبية عند الغزالي بأسلوب متفرد فاق به أقرانه من الكتاب الإسلاميين، فترى الكلمة والجملة والفكرة تخرج من الغزالي في سلاسة وتخرج سريعة وتلقائية، ولا تأخذ وقتا في الوصول إلى القارئ، وتخرج مركزة ومجمعة.

الحيوية والتجدد

كما امتازت كتب الشيخ الغزالي بالحيوية والتجدد، لا تراه بعيدا عن زمنه وعصره، ولا تراه يتكلم في أمور لا تهم القارئ، بل جاءت كتبه لتعالج مشكلات واقعية يعاني منها الفرد والمجتمع.

كما أنها كتب تشعر دوما وأنت تقرأها كأنك تسمع صوت الشيخ الغزالي وهو يقرأ عليك، وصدق الإمام البنا رحمه الله إذ قال في الرجل: جاء الشيخ الغزالي الرجل الذي يكتب كما يتكلم، ويتكلم كما يكتب!

هذه هي بعض خصائص الكتابة عند العلامة الشيخ محمد الغزالي.

عيوب الكتابة

لم يخل عمل علمي من عيب، أو من ملاحظة، وأبى الله أن يخلو كتاب من الخطأ إلا كتابه سبحانه وتعالى، والباحث المتجرد يلحظ عيوبا في كتب الشيخ الغزالي، وهي ـ كما أراها ـ:

1 ـ تخريج الأحاديث:

العيب الأول: تخريج الأحاديث وردها إلى مصادرها، وبخاصة أن الغزالي في أحايين كثيرة يناقش قضية معينة، يصحح فيها نظرة المسلمين إلى الإسلام فيها، فتراه يدحض الشبهة، أو ينفي الفهم المشوه، ويسهب في ذكر الأحاديث، ولكن دون تخريج، أو رد للحديث لمصدره، حتى بدون ذكر الباب والكتاب ورقم الحديث، وهذا ورد كثيرا في كتب الغزالي، إلا أنه للإنصاف: مارسه في عدد من كتبه، كأن يضع هامشا يقول فيه: رواه البخاري، أو أبو داود، ويقف عند هذا الحد، دون ذكر لدرجته.

والحق: أن هذه الآفة لم تكن في الغزالي وحده، ولكنها وجدت في جيل من الأزهريين، ولا زالت توجد، فالأزهر آفته القديمة الحديثة، ومصر كلها آفتها في البحث العلمي الإسلامي، هي: تخريج الحديث، ولم يكن في مصر قديما محقق حديث بما تعنيه الكلمة من ثقل وعلم، إلا الشيخ أحمد شاكر رحمه الله، والشيخ أحمد الساعاتي (والد الإمام البنا) بتجوز، والشيخ محمود خطاب السبكي (مؤسس الجمعية الشرعية)، ومن قبلهم العلامة الشيخ محمد رشيد رضا. أما بقية الأزهريين وعلماء مصر فقليل منهم من يهتم بعلم الحديث لا من حيث مصطلحاته بل من حيث التوثيق والتضعيف، بداية بعلماء الأزهر الكبار، وانتهاء بجيلنا الحالي.

2 ـ عدم ذكر المراجع والمصادر:

وقريب من هذه الآفة: مسألة رد الكلام لمصادره، ومراجعه، ولعل سبب هذه الآفة: أن الغزالي رجل مفكر يطرح فكرته، ويذكر دليله، ومن اقتنع فبها ونعمت، ومن لم يقتنع فلا يعنيه ذلك، كما أنه رحمه الله يرى نفسه مرجعا، وأما ما ينقله من نقول فهي شواهد على فكرته، ولذلك عندما استشهد بمراجع كما في كتابه الرائع (التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام) ذكرها في نهاية الكتاب، ورغم كثرة استشهاده بها في صلب الكتاب لم يذكر رقم أي صفحة، إلا من الكتاب المردود عليه. والذي يدعو الباحث للتعجب: أن الشيخ الغزالي في ثاني كتاب له (الإسلام والمناهج الاشتراكية) كان يعز الأحاديث إلى مصادرها، والمعلومات الفقهية والعلمية إلى مصادرها، ولا أدري لماذا غاب هذا المنهج عنه في كثير من كتبه فيما بعد.

3 - التكرار في كتب الغزالي وعلته:

والعيب الثالث في كتب الغزالي رحمه الله: التكرار في الأفكار، فقد كرر الغزالي رحمه الله أفكارا في كتبه، وعادها كثيرا، وهي ظاهرة في كثير من المؤلفين المعاصرين خاصة المكثرين من التصنيف، وقد ناقشت هذه الفكرة من قبل في مؤلفات الشيخ القرضاوي،[4] وكذلك برزت في كتابات الدكتور محمد عمارة، فهناك تكرار واضح وبيِّن فيها، ونقل من كتب قديمة له في كتب جديدة، فهي ظاهرة أراها جديرة بأن تدرس دراسة منصفة في ضوء تقدير هؤلاء الكُتَّاب الكبار. أما عن الشيخ الغزالي فأقول: إن الرجل كرر فعلا أفكارا كثيرة في كتبه، غير أن الغزالي امتاز عن الآخرين الذين كرروا في كتبهم بميزة حباه الله بها دونهم، وهو أن الغزالي يعرض الفكرة المكرورة بأكثر من أسلوب، ولم يكرر لفظة واحدة، فهو ركز في كتاباته الأخيرة على مجموعة أفكار سيطرت على أولويات الكتابة عنده في الفترة الأخيرة، وهي: ترشيد شباب الصحوة، وحسن تفهيمهم الإسلام، وإصلاح الفهم المعوج لهذا الدين، وتنقية العلوم الإسلامية مما علق بها من شوائب، أو زيادات يراها أثرت في حسن عرضه، كما قال بنفسه: لقد أصبح للإسلام كِرْشٌ، ولن تستقيم حركة الإسلام إلا عندما يستأصل هذا الكِرْش. يقصد بذلك الزوائد التي زادها شراح الإسلام ودعاته.

ترى هذا التكرار بداية من كتابه (هموم داعية) مرورا بـ (علل وأدوية) انتهاء بكتاب (تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل). ولكنك لا تشعر كثيرا بهذا التكرار، نظرا لما في أسلوب الغزالي من تجديد في العبارات، كما أنه لا ينقل عن كتبه القديمة أي سطر منها، مما يشعر القارئ أنه يقرأ له كلاما جديدا، وإن كان مكرورا، وهو عيب لا شك وضح في كتابات الشيخ الغزالي الأخيرة، وخلت منها كتاباته القديمة كلها.

الغزالي والطاعنون

بقي أمر لا يستطيع الكاتب عن الغزالي الكاتب والمفكر والعالم، إلا ولا بد من تناوله، وهو هذه الحملات التي نظمت ضد فكر الغزالي، وبخاصة بعد كتابه (السنة النبوية بين أهل الفقه والحديث)، فقد طعن عدد ممن فهموا فكر الرجل خطأ، في دينه وخلقه، وتطاول بعضهم عليه، ونعتوه بأوصاف حرموا أعداء الإسلام منها، ووفروا أقلامهم وجهودهم لرشق الغزالي بها، فمنهم من وصفه بأنه: أشد خطرا من اليهود والنصارى والمستشرقين على الإسلام، ومنهم من قال عنه: لقد أخرج الغزالي ما في صدره من حقد لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم! ومنهم من كتب رسالة سماها: (براءة أهل الفقه والحديث من محمد الغزالي).[5]

وكان الغزالي كلما رأى تجرُّأ عليه هؤلاء، وتنقصهم لجهاده وعلمه، يقول معتزا بماضيه رحمه الله: يكفيني شرفا أني تكلمت حيث سكتوا، وتحركت حيث سكنوا، وتجرأت حيث جبنوا، أين كان هؤلاء حينما أصدرت كتبي أناضل بها الاستبداد السياسي؟!

ولذلك كان رحمه الله يجلدهم بلسانه، لما رآه من بعضهم من خفة في العلم، وسفه في الرأي، وسوء أدب في التعامل، ولذا قال عنهم:

جاء في هذه الأيام غلمان في ميدان المعرفة يريدون الاستطالة في أعراض الأئمة. ويستحيل أن يهدي الله إلى الحق من يحرم أخلاق الإيمان، أعني همته البحث عن العيوب ورجم الناس بها. إن رب العالمين تبارك وتعالى جعل حسابه كفتين، واحدة للحسنات وأخرى للسيئات! وهؤلاء لا يعرفون إلا كفة واحدة تجمع فيها الشرور، صحيحة أو منحولة. وهل قتل الخلفاء الراشدون إلا بهذا المنطق الكفور؟ وهل جأر الأبرياء من قديم بالشكاة إلا من أناس..

إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحـا    عني. وما سمعوا من صالح دفنوا!

جهلا علينا ، وجبنا عن عدوِّهمُو     لبئست الـخلقـان الجهل والجبن!

والمتدينون المصابون بهذه الآفات لا تنجح لهم حركة، ولا تتنزل عليهم رحمة، لأنه لا كرامة إلا لمن أتى الله بقلب سليم.[6]

وكثيرا ما تناول الغزالي في مقالاته في سني عمره الأخيرة مثل هذه الحملات عليه، فكان مما قاله: (أكره أصحاب الغلظة والشراسة، لو كان أحدهم تاجرا واحتجت إلى سلعة عنده ما ذهبت إلى دكانه، ولو كان موظفا ولي عنده مصلحة ما ذهبت إلى ديوانه، لكن البلية العظمى: أن يكون إمام صلاة، أو خطيب جمعة، أو مشتغلا بالدعوة، إنه يكون فتنة متحركة متجددة يصعب فيها العزاء.

إذا لم يكن الدين خلقا دميثا، ووجها طليقا، وروحا سمحة، وجوارا رحبا، وسيرة جذابة فما يكون؟! وقبل ذلك، إذا لم يكن الدين افتقارا إلى الله، وانكسارا في حضوره الدائم، ورجاء في رحمته الواسعة، وتطلعا إلى أن يعم خيره البلاد والعباد فما يكون؟!

بعض المصلين تحركه لينتظم في الصف فكأنما تحرك جبلا! وبعض الوعاظ يتكلم فكأنه وحده المعصوم والناس من دونه هم الخطاءون!

وهذا شاب حدث يحسب نفسه مبعوث العناية الإلهية لإصلاح البشرية، فهو ينظر إلى الكبار والصغار نظرة مقتحمة جريئة.. إن القلب القاسي، والغرور الغالب هما أدل شيء على غضب الله، والبعد عن صراطه المستقيم.. ومن السهل أن يرتدي الإنسان لباس الطاعات الظاهرة على كيان ملوث، وباطن معيب.

لو أن إنسانا عرف معايبي فسترها عن الناس وقصد بها إلي ليكشف لي أخطائي، ويرجع بي إلى ربي لشكرته ودعوت له! إنه أسدى إلي جميلا، ورحم الله امرءا أهدى إلي عيوبي.

إنني أخاف على نفسي ـ وعلى الناس ـ صياحا فضاحا، يرتقب الغلطة ليثب على صاحبها وثبة الذئب على الشاة، فهو في ظاهره غيور على الحق، وفي باطنه وحش لم تقلِّم التقوى أظافره، ولم يغسل الإيمان عاره ولا أوضاره.

إنه تحت شعار الإسلام يوجه ناس ليس لهم فقه، وليست لديهم تربية، يغترون بقراءات وشقشقات واعتراضات على بعض الأوضاع، ويرون أن الدين كله لديهم، وأن الكفر كله عند معارضيهم، فيستبيحون دماءهم وأموالهم وكراماتهم. ما هذا بإسلام وما يخدم بهذا الأسلوب دين من الأديان.[7]

ويوجه الشيخ الغزالي نداء للطاعنين فيه وفي فكره: (أريد أن أذكر بحديث شريف جاء فيه: "إن أبغض الناس إلى رسول الله الذي يتلمسون للبرءاء العيب"، فلا تتهموني يا عباد الله بما أنا منه بريء، ودعوني وشأني..).[8]

وقفة مع الطاعنين

وأود أن أقف وقفة مع الذين طعنوا في الغزالي وفكره، فهناك أمور غابت عنهم هي من أولى أدوات طالب العلم، وأخلاقياته، والقيم التي ينبغي أن يضعها نصب عينيه.

من يحكم على العلماء؟!

أولا: من يحكم على العلماء، ويقيم فكرهم وعلمهم؟ هل يقف شاب حَدَث لم يغص في أعماق العلم، ولا في دروبه الوعرة، وقد قرأ كتابا أو كتابين، أو عشرة أو عشرين أن يقيم عالما ملأ الدنيا بعلمه، هل يعقل أن يقف طالب علم في بداية دراسته الشرعية يقيم مالكا أو أبا حنيفة أو الشافعي أو ابن حنبل؟! وهو بعد لم يقف على معشار ما بلغوا من العلم، لينصب نفسه للحكم على علمهم، كأنهم طلبة ماجستير أو دكتوراة، وهو المشرف والمناقش والذي يحكم عليهم باستحقاقهم للدرجة أم لا؟!

فينبغي ألا يتصدى الأغرار لتقييم العلماء، ولا الأقزام لتقييم العمالقة، وقد قال السلف من قبل: العلم ثلاثة أشبار، من بلغ الشبر الأول تكبر، ومن بلغ الشبر الثاني تواضع، ومن بلغ الشبر الثالث أيقن أنه يجهل الكثير. فهل يعقل أن يقوم أصحاب الشبر الأول لتقييم أصحاب القمة من العلم والفكر؟ بل المنطقي واللائق بأهل العلم أن ينصح بعضهم بعضا، لا ليقف من العالم موقف التقييم من علو.

الأمر الثاني: أن ليس من أراد الحق فأخطأه، كمن أراد الباطل فأصابه، فالشيخ الغزالي لا يشك في ذلك مسلم عنده مسكة من خلق أو عقل أن الغزالي أراد بما كتب أن ينصر الإسلام، وأن يشرحه للناس حسب فهمه، ومن عظمة الإسلام أن جعل المجتهد في فهم الدين مأجورا في حالة الصواب والخطأ، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، وهو أجر بذل الجهد في الاجتهاد. وقد بذل الغزالي جهده فيما قدم من فهم للإسلام.

كما أن هناك مبدأ هاما أرساه الإسلام وهو: أن المرء ليس شرا كله، فليس هناك شر كامل في الإنسان مهما كان معروفا بالشر فقط، فإبليس الملعون في كتاب الله، المرجوم، المحكوم عليه من الله باللعنة الأبدية، وبالعذاب يوم القيامة، أنصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين أنه قد يخرج منه الصدق أحيانا رغم كذبه، فقال تعقيبا على نصح إبليس لأحد صحابته: "صدقك وهو كذوب".

فالإنسان إذن ليس شرا كله، مهما كان، فما بالنا بعالم كالشيخ الغزالي أفنى حياته كلها في خدمة الإسلام، وشرحه، وتوضيحه، وجاهد الطواغيت والظلمة الذين أرداوا طمس معالم هذا الدين؟! أفينظر إليه هذه النظرة غير المنصفة.

الإنصاف فريضة

كما غاب عن الطاعنين في فكر الغزالي وكتبه مبدأ هام قامت عليه الأرض والسماوات، وهو مبدأ العدل والإنصاف، وهو مبدأ أسهب في ذكره وإرسائه القرآن الكريم، فعند الحديث عن أهل الكتاب من أهل الديانات السماوية السابقة: اليهود والنصارى، والحديث عن مساوئهم وعدم تمسكهم بكتبهم المقدسة، لا نجد لغة القرآن الكريم لغة عامة فضفاضة في حكمها عليهم، بل نرى القرآن دقيقا في عباراته، ودقيقا في توصيفه، عادلا منصفا في حكمه، لا يعمم بل يعطي كل فئة ما تستحق من وصف، يقول تعالى عن أهل الكتاب: (ليسوا سواء، من أهل الكتاب أمة قائمة) آل عمران: 113. فالآية تبين أن أهل الكتاب ليسوا كلهم على حكم واحد، ولا على نمط خلقي واحد، بل منهم الصالح، ومنهم الطالح.

فكيف ينصف القرآن اليهود والنصارى والكفار وإبليس، ثم نقف موقفا متصلبا من علمائنا، موقف التجريح والنيل، والتشفي، وتصيد الأخطاء بحق أو بغير حق، إنه داء وبيل، يصيب أول ما يصيب القلب.

فعلى المسلم عامة، وعلى طالب العلم خاصة: أن يكون منصفا في تناول فكر العلماء، وأقوالهم ومذاهبهم، ولا يمنعنه حبه لمذهب أو لعالم أن يكون منصفا لبقية العلماء، مقدرا لجهودهم وجهادهم، مهما اختلفت المشارب والأفكار والرؤى العلمية. 

تكفير الغزالي

وقد حكى لي الشيخ القرضاوي موقفا حدث له مع مجموعة من الشباب وذلك عندما التقوا به في السعودية، وكان قد ذهب لحضور لقاء في مؤسسة (دلة البركة) وبعد أن أدى صلاة الظهر، أوقفه هؤلاء الشباب وقالوا له: أنت الشيخ القرضاوي؟ قال: نعم. قالوا: نريد أن نسألك سؤالا، فقال: ولكن عندنا اجتماع الآن وأنا مشغول، فقالوا: سؤال واحد ولن نطيل عليك فيه، فقال: تفضلوا اسألوا. قالوا: ما رأيك في الغزالي؟ قال لي الشيخ: فادعيت أني فهمت أنهم يسألون عن الغزالي القديم، وأنا أعلم أنهم يسألون عن المعاصر، فقلت لهم: هو حجة الإسلام، ذلك الرجل الذي جدد الدين في عصره لما رأى انحرافا في السلوك وبعدا عن الروحانية، فكتب موسوعته (إحياء علوم الدين).

فقاطعني أحدهم وقال: نحن لا نقصد أبا حامد الغزالي، إنما نقصد الشيخ محمد الغزالي المعاصر صاحب (السنة النبوية بين أهل الفقه والحديث).

فقال الشيخ: الغزالي لسان الصدق، الرجل الذي كافح الاستبداد، وحارب الظلم، ودافع عن الإسلام ضد العلمانيين والملحدين.

فقالوا له: لكنه كافر. فقال الشيخ: إذا كان الغزالي كافرا، إذن لا يوجد على ظهر الأرض موحد واحد!![9]

 



[1] انظر: مذكرات الغزالي المعنوبة بـ (قصة حياة) ص 170.

[2] انظر: الشيخ محمد الغزالي بقلمه، من كتاب: خطب الشيخ محمد الغزالي ص18.

[3] انظر: قصة حياة ص 174.

[4] انظر: كتابي (القرضاوي فقيه الدعاة وداعية الفقهاء) ص 76-78 طبعة دار القلم دمشق.

[5] أعرضت عن ذكر أسماء الكتب التي تطاولت على الغزالي بغير أدب الإسلام، وإن اضطررت إلى ذكر اسم كتاب، فقد أعرضت عن ذكر اسم المؤلف.

[6] انظر: علل وأدوية للإمام الشيخ محمد الغزالي رحمه الله ص112 ط. الدوحة . الأولى.

[7] انظر: الحق المر الجزء الثالث ص 20،19 بتصرف.

[8] انظر: الحق المر الجزء الثالث ص 36.

[9] انظر: كتابي (القرضاوي فقيه الدعاة وداعية الفقهاء) ص 22،21. طبعة دار القلم دمشق.

الإعلانات