أون إسلام.نت

استشارات :

العلمانية وفاعليتها.. تقييم في سياقين اجتماعيين مختلفين

أرسل لصديقك طباعة
(1 تصويت, متوسط 5.00 من 5)
العلمانية وفاعليتها.. تقييم في سياقين اجتماعيين مختلفين
لوءه
د. لؤي صافي

شغل مفهوم العلمانية موقعاً مركزياً في الفكر والحياة في المجتمعات الغربية منذ القرن الخامس عشر الميلادي، وفي المجتمعات الإسلامية خلال القرن العشرين. وعلى الرغم من تأثيره الكبير في مجريات الحياة السياسية والثقافية في البلدان الإسلامية، فإن النقاش حوله غالباً ما ينحو منحاً عاطفياً انفعالياً، بين مؤيد يرى أن العلمانية هي الطريق إلى تقدم المجتمعات المسلمة كما كانت الطريق إلى تقدم المجتمعات الغربية من جهة، ومعارض مستنكر من جهة أخرى، يصر على أن العلمانية مفهوم غريب عن عقل المسلم وعن تراثه وقيمه، وأن أي جهد يهدف إلى الفصل بين الممارسة السياسية والممارسة الدينية يؤدي إلى زعزعة القيم الاجتماعية وحرمان الأغلبية المسلمة في العالم الإسلامي من حرية ممارسة قيمها وعقائدها الدينية.

ولقد أعادت التطورات الأخيرة في بلدان غربية، التصق تاريخها الحديث بالعلمانية، قضية العلمانية إلى السطح من جديد. فقد أعادت جهود إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن الرامية إلى إعطاء المؤسسات الدينية دوراً أكبر في الحياة العامة من خلال مبادرته المشهورة باسم "مبادرة الأساس الإيماني"، والتي ترمي إلى منح المؤسسات الخيرية الدينية مساعدات حكومية، مما أعاد الحديث عن استقلالية المؤسسات الدينية عن الدولة. وبالمثل أعاد قانون منع الرموز الدينية الذي أصدره مجلس النواب الفرنسي من أجل حماية الثقافة العلمانية الحوار حول معنى العلمانية، وهل العلمانية ترتبط بالقواعد الإجرائية للمجتمع أم أنها محتوى ثقافي يرتبط بأسلوب حياة معين.

العلمانية في الخبرة التاريخية الغربية

يرتبط بروز الفكر العلماني الذي تبناه مفكرو عصر التنوير بإدراك المفكر الغربي الحاجة إلى الفصل بين المؤسستين الدينية والسياسية لتحقيق السلام الداخلي، وتطوير مجتمع سياسي متعدد الأديان يسمح بتقويم الأفراد بناءً على إنجازاتهم الفردية ومساهماتهم في تطوير المجتمع السياسي، بدلا من التعويل على انتماءاتهم الدينية لهذا الغرض.

اقتنع قادة المجتمع الغربي ومفكروه ألا طريق لإحلال السلام بين الفرق الدينية المتصارعة ما لم يقبل الجميع الاحتكام إلى عدد من المبادئ السياسية المشتركة التي تسمح بإحقاق الحقوق وتوفير العدل وتحول بين سيطرة فرقة دينية محددة على السلطة، ومن ثم استخدامها لفرض رؤية ضيقة على الجميع. وهكذا لاقت فكرة الدولة العلمانية قبولاً واسعاً في المجتمعات الغربية الناهضة بدءاً من القرن الخامس عشر الميلادي.

تزامن ظهور الدولة العلمانية مع اتساع شعبية حركة الإصلاح الديني في أوربا. فقد أدت الحركة التي قادها مارتن لوثر في ألمانيا وجون كالفن في سويسراً إلى انقسام المجتمع الأوروبي على نفسه. ولم تلبث الخلافات الدينية بين الكنيسة الرومية والكنائس المنشقة (البروتستانتية) أن أدت إلى حروب دامية راح ضحيتها الكثير، واستمر بعضها زهاء قرن، لعل أشهرها حرب المائة عام. ولأن الحروب نجمت عن انحياز بعض الدول إلى الكنيسة الرومية والبعض الآخر إلى الكنائس المنشقة، فقد جاء الحل من خلال الدعوات إلى فصل مؤسسة الدولة عن مؤسسة الكنيسة، ورفض استخدام الدولة لتغليب دين على آخر، أو فرض عقيدة وتفسير ديني على المجتمع المدني. وأطلق على الدولة الجديد المستقلة عن الكنيسة بالدولة العلمانية.

لم يكن المقصود بفصل الدولة عن الكنيسة في التجربة الأوربية الفصل بين المبادئ السياسية والقيم الدينية، بل شكلت القيم الدينية في التجربة الغربية الحديثة الأساس الذي قامت عليه الدولة الحداثية، من الناحية النظرية على أقل تقدير. فقد استمر إخضاع الفعل السياسي للقيم الدينية، واستمرت قيم العدل والمساواة والصدق في التعامل قيماً حاكمة على الفعل السياسي. كذلك استمر تحكيم قيم الأمانة والاستقامة والوفاء والحياة الأسرية في عملية تقويم استحقاق القيادة السياسية لتولي المناصب الرسمية.

فلا يزال صدق المرشح ووفائه الزوجي واستقامته الأخلاقية والتزامه أمام أسرته شروط أساسية لنجاح المرشح لمنصب سياسي هام. ولا زالت الفضائح الجنسية ومعاقرة الخمر والمخدرات، أو فشل رجل السياسة في الحفاظ على حياته الأسرية أسباباً كافية لإفشال الحملة الانتخابية للمرشح.

فقد برزت الدولة العلمانية لتحرير المجتمع من سيطرة الكنيسة، والحيلولة دون تحكم رجال الدين المسيحيين بالقرار السياسي، أو استخدام الدولة لفرض تفسير ديني ضيق على أفراد المجتمع، أو فرض دين ما على مجتمع متعدد الأديان. ولم يؤد ظهور العلمانية في الغرب إلى محاربة المؤسسة الكنسية أو الدينية، بل أدى إلى حمايتها من تسلط الدولة الحديثة ذات الصلاحيات الاجتماعية الواسعة، والحيلولة دون استصدار قوانين تحد من حرية الأديان. فالكنيسة الإنكليزية (الإنكليكانية) تحظى برعاية الدولة البريطانية التي توفر لها الحماية، والمال اللازم للقيام بعملها، وتحمل الملكة (أو الملك) لقب راعية الكنيسة الإنكليزية. كذلك ينص الدستور الأمريكي على حماية الدولة للحريات الدينية، ويؤكد "أن الدولة لا تمتلك حق تنظيم الحياة الدينية، أو منع المواطنين من ممارسة أديانهم."

ترتبط العلمنة الغربية أصلاً بالتعددية الدينية التي طرأت على المجتمع الغربي مع بداية عصر النهضة، وبالمبادئ السياسية الضرورية للحيلولة دون تحول الدول الحديثة إلى وسيلة في يد أقلية أو أغلبية دينية تستخدمها لفرض عقائدها وتصوراتها على المجتمع المدني. وهذا المعنى هو المعنى الذي لا زال مستمراً في معظم دول الغرب. بيد أن ثمة نزعة مرتبطة بالفكر الغربي والحياة الغربية ترى في الدين عائقاً يحول بين المجتمع والتقدم الحضاري، والتي تجد من ينافح عنها، ويعمل على محاربة القيم والعقائد الدينية. ولعل أبرز الممثلين لهذا الاتجاه هما المفكران الألمانيان فريدريك نيتشه الذي أسست فلسفته لفكر ما بعد الحداثة، وكارل ماركس الذي كرست فلسفته المنظومة السوفياتية التي استمرت زهاء قرن في روسيا وأوربا الشرقية.

حمل نيتشه في كتاباته على الديانة المسيحية حملة شعواء، واتهمها بإضعاف الروح الأوربية الحداثية بتأكيدها على قيم المساواة، ودعوتها إلى مساعدة الفقراء والمعوقين. ذلك أن نيتشه الذي يتبنى رؤية كلية تؤكد على طبقية المجتمع الإنساني، وتدافع عن مبدأ البقاء للأصلح من خلال عملية انتقاء طبيعي يتحكم من خلالها القوي بالضعيف، ويتم عبرها المحافظة على الصحيح والتخلص من المعتل. وأكد نيتشه في فلسفته أن تقدم الإنسانية وارتقائها لا يمكن أن يتم إلا من خلال القضاء على الفكر الديني، واستبدال معايير الخير والشر، بمعيار القوة، القيمة الوحيدة التي يجب أن تحكم السلوك الأخلاقي.

وبالمثل اعتبر ماركس أن الدين أفيون الشعوب، والسبب الرئيسي في عدم ثورة الفقير في وجه التفاوت الطبقي واستغلال أصحاب النفوذ والثروة. وأكد ماركس أن الثورة البرجوازية أنجزت جزءاً من عملية العلمنة وذلك بفصل الدين عن الدولة، في حين أبقت الدين حراً لتوجيه المجتمع المدني. لذلك دعا ماركس إلى علمنة المجتمع المدني نفسه، وجعل هذه مهمة الدولة الشيوعية.

ففي منشورة أصدرها تحت عنوان "المسألة اليهودية" كتب ماركس مبيناً: "تفكيك الإنسان إلى يهودي ومواطن، وبروتستانتي ومواطن، ورجل دين ومواطن، ليس أكذوبة بل موجهاً إلى مبدأ المواطنة، أو حيلةً للهروب من هدف التحرر السياسي، فهو تحرر سياسي بكل معنى الكلمة، وهو الطريقة الصحيحة للوصول إلى حرية سياسية. وبطبيعة الحال عندما يصبح ممكناً توليد الدولة السياسية باستخدام العنف من المجتمع المدني، وعندما يسلك الناس طريق التحرر السياسي سعياً للوصول إلى حرية سياسية حقيقية، عندها يصبح من واجب الدولة إلغاء الدين وتدميره. ولكن يجب أن يتزامن هذا مع الجهد الرامي إلى إلغاء الملكية الخاصة كلياً عبر المصادرة أو الضرائب المتصاعدة.

لاشك أن فصل الدولة عن الكنيسة أدى في نهاية الأمر إلى التفاف الدولة حول المبدأ العلماني الغربي بتوظيف المبدأ نفسه في صراعها مع الجماعات الدينية. ويبدو نجاح الدولة في توظيف مبدأ العلمانية لتوسيع دائرتها السلطوية، وفرض الرؤية المعيارية والثقافة الخاصة بالنخب الحاكمة، أوضح ما يكون في الدول العلمانية التي برزت في العالم الإسلامي. وكما يبدو نجاح الدولة هذا في التحركات الأخيرة في الدولة الفرنسية التي قامت عملياً بحرمان الطالبات المسلمات من حقهم في اختيار نوعية اللباس الذي يتماشى مع قيمهم ومعتقداتهم باسم حماية الإنجازات العلمانية.

العلمانية في تجربة المجتمعات الإسلامية الحديثة

اقتبست المجتمعات الإسلامية المعاصرة مفهوم العلمانية من المجتمع الغربي وقامت بتطبيقها بحماس منذ بدايات القرن الميلادي الماضي. فقد حرصت النخب المثقفة والحاكمة في بلاد المسلمين على إعادة تشكيل البنية الاجتماعية والمحتوى الثقافي وذلك باقتباس المؤسسات والممارسات الغربية واعتبار ذلك خطوة أساسية لتحديث المجتمعات المسلمة وتحقيق نهضتها السياسية والاقتصادية والثقافية. وتأثرت القوى السياسية في العالم الإسلامي بالنموذجين الليبرالي والشيوعي، وحاولت النخب السياسية بناء دول حديثة من خلال فرض المؤسسات السياسية والاقتصادية والثقافية الخاصة بهذين النموذجين.

لم تعط النخب السياسية في العالم الإسلامي اهتماماً لأهمية الحوار والعمل المؤسسي، بل اعتمدت السلطة والقرارات المركزية وسيلة لفرض رؤاها ونقل التجربة الغربية الحديثة إلى العالم الإسلامي. واستطاعت الدولة الحديثة في البلدان الإسلامية من الهيمنة الكاملة على المجتمع المدني، واستخدمت أجهزتها الأمنية لإسكات الأصوات المعارضة التي اعتبرتها عائقاً لتطبيق برامجها التنموية.

لم تمض عقود قليلة على تجربة الدولة المركزية المهيمنة على مقدرات المجتمع المدني حتى بدأت تداعيات الإسراف في استخدام السلطة لتحقيق الأهداف التنموية بالبروز إلى السطح. فمع غياب مؤسسات المجتمع المدني المستقلة، وحرمان الأفراد من أي حق بالمشاركة في البناء والتنمية خارج الأطر الرسمية، استشرى الفساد الإداري في معظم البلدان الإسلامية، وارتبط المبدأ العلماني في وعي الفرد المسلم بالدولة المستبدة، وبالفساد الإداري، وبمحاربة الدين والترويج للنزعات الإباحية. ووجدت قوى المعارضة لخطط التغريب وسياسات الاستلاب في الإسلام مصدراً روحياً ونفسياً، وحليفاً في الكفاح ضد الاستبداد والفساد. وتصدرت الحركات الإسلامية قوى المعارضة السياسية، ونهجت تارة نهجاً سياسياً مسالماً، وتولت تارة العمل العسكري مستخدمة السلاح لتغيير النظام.

لقد أدى الموقف المتصلب للدولة العلمانية، والطبيعة الشمولية لبنيتها السلطوية وسياساتها العامة، واستعدادها لاستخدام القوة والقهر لإسكات النقاد والخصوم، إلى ظهور حركات إسلامية تبيح لنفسها استخدام العنف لتحقيق الأهداف السياسية، والدعوة إلى استبدال الدولة العلمانية الشمولية، بدولة إسلامية شمولية، والدعوة إلى فرض الشريعة الإسلامية على المجتمع كرد فعل على إصرار الدولة العلمانية على فرض القوانين التي تعكس إرادة النخبة الحاكمة على المجتمع. وتولد فكر سياسي إسلامي حديث يقابل المبدأ العلماني الداعي إلى فصل الدولة عن الكنيسة، والذي ترجم في المجتمع الإسلامي الذي لا يملك كنيسة إلى فصل الدولة عن الدين، بمبدأ سياسي آخر يقول بأن الإسلام لا يفرق بين الدين والسياسية.

الطرح الجديد في الأدبيات السياسية الإسلامية لطبيعة العلاقة بين السياسي والديني يدعونا إلى النظر في دلالات التأكيدات الإسلامية المتكررة بتداخل الاثنين. ما المقصود بهذا التداخل؟ وهل يعني هذا أن الحاكم أو النخبة الحاكمة تمتلك السلطة النهائية في تفسير النصوص، واختيار ما ترى بأنه يتوافق مع الشريعة؟ وهل يعنى هذا أن مخالفة الحاكم هو مخالفة للدين وخروج عن الملة؟ وماذا عن غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، هل يتوجب عليهم إتباع الشريعة الإسلامية، أم يمكن لهم إتباع شرائعهم؟ وما هي ضوابط ذلك وحدوده؟ هذه وغيرها أسئلة تحتاج إلى إجابات واضحة ومحددة؟

الديني والسياسي في إطار الإسلام المرجعي

إشكالية العلاقة بين الديني والعلماني إشكالية حديثة، ترتبط مباشرة بالتجربة التاريخية للمجتمعات الغربية. رأينا سابقاً أن المبدأ العلماني مبدأ مرتبط بالجهود الرامية إلى وقف الاقتتال الديني بين الكنيسة الرومية والكنائس المنشقة إبان بروز حركات الإصلاح الديني في الغرب، وبروز الحاجة إلى فصل المؤسسة السياسية عن المؤسسة الدينية. لذلك فإن الذاكرة الجمعية للمجتمعات الغربية بخصوص العلمنة، والموقف الأساسي لغالب أفراد المجتمع الغربي من المبدأ العلماني، يتصفان بالإيجابية، في حين تتصف الذاكرة الجمعية للمجتمعات المسلمة بالسلبية، وكذلك يمكن نعت الموقف العام للمسلمين من المبدأ العلماني بالسلبية. وكما أن الحديث عن الدولة العلمانية يعني عند الغربي الحديث عن الحريات الدينية وحق الأفراد بممارسة أديانهم بعيداً عن تدخل الدولة، فإن العلمانية تعني لغالبية المسلمين تسلط الدولة وتحكمها بحريات الأفراد، بما في ذلك حرياتهم الدينية.

وإذا أردنا أن نحدد إشكالية العلاقة بين الديني والعلماني تحديداً أكثر دقة قلنا إن الإشكالية تتعلق بطبيعة الدولة الحداثية التي هيمنت على المجتمعات السياسية المسلمة في العصر الحديث. الدولة الحداثية دولة شمولية، تتمتع بصلاحيات واسعة في دوائر الحياة العامة، لا الدوائر السياسية والاقتصادية فحسب، بل الدوائر الثقافية والتعليمية والأسرية كذلك. فالدولة الحداثية تمتلك حق التدخل في طريقة تربية الأهل لأبنائهم، بل إنها تملك الحق اليوم في نزع الأبناء من أسرهم وإعطاء الحق في تربيتهم لأسرة أخرى. مثل هذا الصلاحيات الواسعة التي تمتلكها الدولة الحداثية ليس لها نظير في تاريخ المجتمعات الإسلامية.

تميزت الدولة في المجتمعات الإسلامية عبر التاريخ بصلاحيتها المحدودة، والتي انحصرت في دوائر الأمن والدفاع، والتوسط بين القوى السياسية المحلية حال قيام نزاعات تعجز المؤسسات المحلية عن حلها والحيلولة دون تفاقمها. ومن ناحية أخرى تميز المجتمع المدني والمؤسسات الأهلية في التاريخ الإسلامي بحيويتها وحضورها المستمر، وقدرتها على تنظيم المجتمع بعيداً عن هيمنة الدولة.

فقد ارتبطت تاريخياً وظائف التعليم وتنظيم المهن التجارية والمرافق العامة من مستشفيات ودور لإقامة الطلبة والمنح الدراسية والمستشفيات وغيرها من الخدمات بالمؤسسات الأهلية. ووفرت مؤسسة الوقف المصادر المالية للإنفاق على مؤسسات المجتمع تلك وتوفير استقلال مالي، عن مؤسسة الدولة. بل إن المجتمع المدني في التاريخ الإسلامي احتفظ بالسلطة التشريعية ولم يمنحها للدولة. فكانت القوانين المنظمة للحياة الاجتماعية والقضاء والسلطة التنفيذية مرتبطة بالمجتمع المدني. ولم تكن الدولة أو السلطان يملك حق تحديد الضرائب، بل حسمت مسائل الضرائب التي يمكن جبايتها شرعياً، بأحكام الزكاة والخراج التي حددتها الشريعة وطورها الفقهاء الذين استمدوا سلطتهم من المجتمع المدني لا الدولة.

ومن هنا أدى التحول المفاجئ من النموذج التاريخي إلى النموذج الحداثي إلى فقدان المجتمعات المسلمة الحديثة لخبراتها التاريخية، واعتمادها على مؤسسات تم تطويرها في رحم ثقافة ذات تجربة تاريخية متميزة. ولعل هذا التغير المفاجئ، وسوء الفهم لطبيعة المؤسسات التاريخية، هو المسئول عن ربط قيام الدولة بتطبيق الشريعة.

فالمنطق الكامن وراء هذه الدعوات يقول بأن الدولة الغربية الحديثة تتميز بتطبيق القوانين الغربية، لذا وجب أن تطبق الدولة الإسلامية الشريعة الإسلامية. مثل هذه الدعوات وهذا المنطق دعوات متهافتة ومنطق مغلوط. فلم تكن الدولة المركزية (أو بتعبير أدق مؤسسة الخلافة أو السلطان) هي التي تشرع للمجتمع، ولم ترتبط مهمة التقنين وإلزام المجتمعات المحلية بقوانين مركزية بها، بل بقيت مهمة تبني القانون مرتبطة بالخيارات المحلية. فاستقل أصحاب الديانات المختلفة بتقنين شرائعهم الخاصة بهم وتطبيقها. وتعددت المذاهب الفقهية واستقل كل منها بقضاته ومحاكمه، لينقسم المجتمع الإسلامي إلى عدد من المجتمعات القانونية.

لذلك كان من الخلل ربط الشريعة الإسلامية التي تطورت وهي تسعى للحيلولة دون توسع سلطة الدولة المركزية، بالدولة الحداثية ذات الصلاحيات الواسعة التي تخولها التقنين للمجتمع عبر مختلف دوائره. والمطلوب هو إعادة النظر بصلاحيات الدولة، وعلاقتها بالقوانين ومؤسسات المجتمع. كما يلزم أيضاً النظر من جديد في العلاقة بين القانون والمؤسسات الاجتماعية، وآليات سن التشريعات وإلزام المجتمع المدني بها في زمان تتقارب فيه المسافات، وتعدد مسارات الاتصال وقنوات الحوار والتبادل الثقافي والديني بين الشعوب والأمم.

لم تكن الدولة في التاريخ الإسلامي دولة دينية، بل تمتعت بصلاحيات سياسية، والتزمت حماية المصالح والحريات المدنية لكل المنضويين تحت لوائها سواء أكانوا مسلمين أم كتابيين أم أصحاب رسالات مغايرة. ومنذ تأسيس أول مجتمع سياسي في المدينة، حرص الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام على تأسيس الدولة وفق مبادئ تحترم التعددية الدينية، وتمنح أتباع الديانات الحق في تقرير أسلوب حياتهم، وقواعد سلوكهم، وترفض إرغام أي جماعة دينية أو ثقافية على الخضوع إلى الإملاءات الدينية والثقافية لجماعات دينية أخرى.

كذلك أعلن ميثاق المدينة الذي أقره رسول الله تساوي أبناء المدينة في الحقوق والواجبات العامة التي تتعلق بحفظ أمن المدينة وتحقيق مصالح أبنائها وتأكيد مبادئ العدل والإنصاف بينهم.

واستمر تعايش الجماعات الدينية والعقدية في سلام واحترام متبادل للحقوق والواجبات ضمن مجتمع تعددي، سمح لأبناء الديانات المختلفة بممارسة شعائرهم، وإتباع أسلوب حياة يتناسب مع قيمهم ومعتقداتهم دون تدخل من دولة مركزية، بل إن الدولة العثمانية قامت بتقنين التعددية السياسية والإدارية والدينية  ضمن النظام المللي الذي أعطى غير المسلمين استقلالية كبيرة على الأصعدة الثقافية والإدارية والتجارية والدينية.

تتحول العلمانية الغربية اليوم بالتدريج إلى محتوى ثقافي تصر النخب الغربية على فرضه على الشعوب غير الأوربية، وتسعى جاهدة إلى تصدير ثقافاتها وممارساتها الثقافية إلى بلدان العالم. التحول الخطير في فرنسا نحو فرض محتوى ثقافي ومرجعية تصورية وقيمية على أتباع الديانات المختلفة، وبصورة خاصة مسلمي فرنسا، مؤشر جديد على أن العلمانية لم تعد مبدأ يهدف إلى تحرير الإنسان من الخضوع إلى الخيارات الثقافية والدينية للنخب الحاكمة، بل تحول إلى ثقافة حاكمة تسم كل مخالف بالانحراف، وتستخدم الدولة والقانون لإخضاعه للثقافة المهيمنة. والجهود مستمرة في دول علمانية أخرى لاستخدام مبدأ العلمانية لإرغام المسلمين في الغرب للخضوع إلى الثقافة المهيمنة.

إن الخبرة التاريخية الإسلامية، رغم العديد من المثالب التي طبعتها، تظهر إمكانية تأسيس مجتمع تعددي قادر على تحرير الأفراد والجماعات الدينية والعرقية من تسلط الدولة والنخبة على الدوائر الخاصة بالمجتمع المدني. المطلوب اليوم من المثقف المسلم تقديم صياغة جديدة مستمدة من رؤية الإسلام الكلية وتجربته التاريخية الثرية، تسمح بقيام حضارة عالمية تعددية، يحترم فيها الخيارات الثقافية والقيمية للشعوب، وتحول دون تسلط ثقافة من الثقافات عبر أجهزة الدولة والسلطة، على ثقافات الشعوب والديانات الأخرى.

الإعلانات