أون إسلام.نت

استشارات :

ناصيف نصار: لايوجد دليل على رفض المجتمعات العربية للعلمانية

أرسل لصديقك طباعة
(1 تصويت, متوسط 5.00 من 5)
ناصيف نصار: تصور رفض شعوبنا للعلمانية وهم
ناصيف نصار_العدل_العلمانية_الوفاء للماضي
ناصيف نصار ورؤية خاصة للحداثة
حوار/ يوسف بناصر
لا يزال المثقف العربي يجتهد لتقديم رؤاه واقتراحاته لحلحلة الواقع العربي الراكد، رغم الاختلاف الكبير بين أغلب الباحثين حيال توصيف مصدر الإشكال ومسار المعالجة في حال الوطن العربي. ويعتبر المفكر الدكتور ناصيف نصار من المساهمين في إثراء المشهد الثقافي والفلسفي العربي برؤاه التحليليه ومقولاته حيال "فاعلية العقل العربي" وإمكانياته في ضوء وأفق هذا الوضع المتأزم. ومساهمة الدكتور ناصيف في إغناء النقاش حول مواضيع آنية وشائكة بتقديمه رؤية فلسفية تتسم بـ"الواقعية والجدلية والعملية"؛ بحسب وصف الدكتور محمد مصباحي؛"أستاذ الفلسفة بجامعة محمد الخامس بالرباط"، ويجعله يسجل حضوره باعتباره فيلسوفا له اجتهادات يخرجها من "القوة إلى الفعل"، لتكاد رؤيته تكون "متبلورة للعالم"، وبذلك يسجل إجابة عن سؤال:"أين هم الفلاسفة العرب؟".
هكذا وصف كل من الدكتور أحمد برقاوي المفكر السوري والدكتور محمد مصباحي؛ وغيره من الباحثين من أمثال جورج قرم وفارس ساسين وبسكال لحود، المفكر اللبناني الدكتور ناصيف نصار في مناسبة  تكريمه بالجامعة الأنطوانية بلبنان، لقد كانت مناسبة التكريم فرصة أيضا لتقديم قراءة في أعمال واجتهادات ناصيف نصار الذي وصف في نهاية اللقاء بـ:"علم الاستقلال الفلسفي" والمدافع عن العقل والحرية، ليعد من بين المؤسسين للفكر الفلسفي في الحياة الثقافية العربية.
وفي هذا الحوار، يرفض ناصيف نصار تسمية "المجتمع العربي المحافظ"، ويرى أن المجتمع في حركة دائمة ينقصها السرعة والابتكار ومراجعة الموروث. كما يرى أن هذه الحركة ليس فيها ما يدل على رفض المجتمع العربي للعلمانية التي يرى أن فاعليتها تكمن في منع تمدد أي من الدولة أو الدين على مجال الآخر. ويرى أن البعد الأخلاقي في اقترابه من العلمانية يقوم على قيمة العدل التي تضبط علاقة السلطات المتنازعة داخل كيان الفرد نفسه. ويرى أن قيمتا المراجعة والوفاء هما القيمتان الأمثل للتعامل مع الماضي. ويشدد نصار على ضرورة استلهام السؤال الفلسفي في بحثنا عن مشروع أمثل للنهضة؛ وإلا كان سعينا في هذا المضمار سطحيا.
نص الحوار:
* لقيام نهضة عربية ثانية، في بعض كتاباتكم تدعون إلى العلمانية، ولكن هل يمكن تنزيل الرؤية الفلسفية العلمانية في مجتمع متدين ومحافظ؛ يرفض أي تغيير خارج سياقه الديني والتاريخي والأخلاقي كالمجتمع العربي؟
** أنا لا أرى أن المجتمع العربي هو مجتمع محافظ وراكد وجامد. المجتمع العربي مجتمع متحرك يتطور، يتغير، وينتقل من طور إلى طور، وقد تجلى هذا الواقع في تاريخه منذ مائتي سنة إن لم أقل منذ قرون عدة. فالمجتمع العربي مدعو لكي يطور مؤسساته وقيمه الموروثة التقليدية، وأن يكيف منظومته القيمية بحسب حاجات العصر أو الاستجابة لتحدياته. هذا مجتمع يتطور وينبغي له أن يسرع في عملية تطوره، وهذا الأخير يتطلب إعادة البناء، وإعادة النظر في أمور كثيرة، كما يتطلب أيضا الإبداع والإختراع، فالمجتمعات النامية القوية والمتحركة هي مجتمعات تحافظ من جهة، وتعيد النظر في موروثها من جهة أخرى، ومن جهة ثالثة؛ تحاول أن تبدع، أن تجدد، أن تخترع ما يلائم حاجاتها وظروفها. وبهذا المعنى؛ فإن المجتمع العربي لا يرفض العلمانية رفضا قاطعا، فهذا الكلام فيه تعميم ظالم  للمجتمع العربي، فهو لم يُستفت حتى نعرف ما الذي يرفض أو ما لا يرفض، فهذه مسألة مفتوحة، ينبغي أن تطرح على المجتمعات العربية بجدية، وعلى أي حال فالقضية طويلة، وهي ليست قابلة للتحقق بين ليلة وضحاها، خاصة وأن العلمانية تتطلب تغيرا في العقلية، وإعادة النظر في بنية الدولة وفي علاقة الدولة بكل مؤسساتها بأساسها الشرعي. على أي حال، الدولة العربية لا تفتش عن أساسها في الدين. فالدول العربية القائمة حاليا ليست دولا دينية من حيث أساسها. فالدولة التونسية مثلا قائمة على أساس المجتمع التونسي والدولة السعودية قائمة على أساس المجتمع السعودي، وهكذا دواليك، المشكلة قائمة في البحث عن شرعية الأنظمة، وفي هذا المجال فالدول العربية متفاوتة في تحديد علاقة أنظمتها بالشرعية الدينية، وهذا ما ينبغي أن نفكر فيه جديا، حتى نصل إلى العلاقة السليمة التي تقوم على حبس الدين في مجاله وحبس الدولة في مجالها، وهذه العلاقة السليمة ليست بالضرورة علاقة عدائية.
* كيف تنظرون إلى القيم الأخلاقية في خطاب رواد النهضة والتنوير العربيين، لأن مدخل طرح العلمانية في الوطن العربي أو القبول بها مبدئيا يستدعي القبول بجانبها القيمي؟
** هذا طرف عريض يتطلب بحثا مطولا حول القيم وتاريخها ومنظومتها التي تجلت في كتابات مفكري النهضة، وهم أنواع كثيرة، هذا طرف لا أتناوله أنا في طرحي كمقدمة أساسية لطرح العلمانية، فمقاربتي للعلمانية هي؛ مقاربة فلسفية. طبعا هذه المقاربة لها مقدمات ولها جذور ولها تاريخ في الثقافة الغربية، ولها أيضا بعض التجليات في تاريخ الثقافة العربية الحديثة، ما أود أن أشدد عليه هو الجانب الفلسفي في العلمانية، وأنا شخصيا أميل إلى ربط فكرة العلمانية والموقف العلماني بقضية العدل. فمن هذه الناحية؛ مقاربتي للعلمانية هي مقاربة أخلاقية، وهي ترتكز على تصور للكيان أو للعالم الإنساني، وهذا التصور يقول بأن الإنسان في علاقته بنفسه، وفي علاقته مع الآخرين بوصفه كائنا فردا أو بوصفه كائنا اجتماعيا، هذا الإنسان ينطوي على مجموعة من السلطات الأصيلة المتعددة في كيانه، هذه السلطات هي ما يرتكز عليها مبدأ العدل في علاقته بالعلمانية، بمعنى أن إدارة هذه السلطات بشكل يحفظ لكل واحدة منها حقها، من دون أن تهيمن إحداها على الأخرى، هو ما أسميه العدل.
* تشتغلون على فكر ابن خلدون منذ مدة، فإلى أي حد تتقاطع رؤية وفلسفة ابن خلدون، في تغير الحضارات والدول، والتي باتت تسمى بـ"دورة ابن خلدون"، مع الدورة النهضوية والتنويرية التي تعيشها الأمة العربية والإسلامية اليوم، هل هناك تقاطعات للدورة الخلدونية مع الدورة الحضارية العربية المعاصرة؟
** لا، لا أنا لا أفهم ابن خلدون بهذه الطريقة، فهذا الأخير يقدم أفكارا مهمة جدا يمكن استعادتها وتوظيفها في تفكيرنا السياسي والاجتماعي المعاصر، ومن جملة ما قدمه في هذا المجال؛ تحليله "لظاهرة السياسة". فابن خلدون كان من الذين اكتشفوا أن الحكم السياسي لا يقوم بالضرورة على أساس الدين، بل وعلى العكس من ذلك شدد على أنه يقوم على أساس الشوكة والعصبية والقبيلة، إنما الدين أو الدعوة الدينية بحسب عبارته تأتي لتسوية العصبية القبلية ومضاعفة قوتها، ولجعل اللحمة بين أبناء القبيلة والعشيرة، صاحبة العصبية أقوى مما هو في طبيعتها، وابن خلدون كذلك له تحليلات عميقة جدا، وهي صحيحة إلى حد كبير؛ حول نشوء الدولة، وتطور الدولة على الأسس الاجتماعية البحتة، كما أنه يميز بين ثلاثة أنواع للحكم السياسي، هنالك أولا؛ السياسة الطبيعية أو الملك الطبيعي، وهي الملك الذي يغلب عليه طابع القهر والاستيلاء والمصلحة الخاصة للسلطان، وهناك الملك السياسي أو العقلي، وهو الملك الذي تتوازن فيه مصالح السلطان القاهر الحاكم ومصالح الرعية، وقوانينه كلها مأخوذة من معطيات العقل والتجربة، وهنالك طبعا نظام حكم ثالث وهو الخلافة؛ التي تجمع بين مصالح الدين ومصالح الآخرة، إلا أن ابن خلدون يعرف تماما من خلال التاريخ العربي الإسلامي أن الخلافة الحقيقية دامت فترة قصيرة جدا، فهي تجربة قصيرة العمر، انقلبت بسرعة إلى ملك عضوض، والذي ساد في التاريخ العربي الإسلامي إنما هو نظام الملك؛ الملك الطبيعي أو السياسي العقلي. وبهذا جرد ابن خلدون هذه الأسطورة التي دامت مدة طويلة في ذاكرة الشعوب العربية الإسلامية، تغذيها جهود الفقهاء حول الخلافة.
* في كتبكم تركزون على البحث عن فلسفة نهضوية عربية مثلى، مثلا في كتاب "الذات والحضور.. بحث بدائل الوجود التاريخي"، ذكرتم تمايزات في المفاهيم مثل "الوجود" و"الحضور" و"الحاضر"، ثم  قدمتم رؤية فلسفية عن الفاعلية التاريخية؛ فكيف للأمة العربية الآن أن يكون لها حضور أو مستقبل بدون قطيعة مع الماضي أو التراث؟
** كتابي عن "الذات والحضور"؛ كتاب فلسفي محض، هو موجه بالدرجة الأولى للقارئ العربي، لأنه مكتوب باللغة العربية، ولكنه موجه أيضا لكل قارئ للفلسفة لأنه تضمن نظرية فلسفية حول الوجود التاريخي، وهي نظرية مبنية على مقولة: "الحاضر والحضور"، وأنا أتحدث عن الحضور الفاعل وليس عن أي حضور آخر، هذا النوع من التحليل للوجود التاريخي لا يقطع مع الماضي طبعا، وبالتالي فإن الاستفادة من التجربة التاريخية استفادة جدلية. فالعلاقة مع الماضي انطلاقا من الحاضر هي علاقة حفظ ونقد في الوقت ذاته. وفي القسمين الآخرين من الكتاب أعالج علاقة الحاضر بما قبله وعلاقته بما بعده، وعلاقة الحاضر بالماضي وعلاقة الحاضر بالمستقبل. فكل حاضر يحمل على ماض وفي الوقت نفسه على مستقبل، فتحليلي لعلاقة الحاضر بالماضي مبني على عملية التذكر والاستذكار، وأركز في هذا السياق على مسألة مركزية في علاقتنا بالماضي، علاقة كل إنسان بالماضي، سواء ماضيه الفردي أو ماضي كل جماعة أو ماضي البشرية، وأركز على قيمة أساسية وهي ما أسميه بالوفاء، فالوفاء قيمة وجودية وأخلاقية تحدد وجهة نظري في علاقة الإنسان بالماضي.
* لكم حضور في المشهد الفكري والثقافي العربي خصوصا في مجاله الفلسفي، فهل مايزال السؤال الفلسفي الآن يلعب دوره في تشكيل العقل العربي الإسلامي، أم أن هناك ضمورا للسؤال الفلسفي في الوضع العربي الراهن والمتأزم؟
** السؤال الفلسفي لعب دورا ضعيفا حتى الآن في تشكيل العقلية العربية. أتحدث هنا عن العقدين الأخيرين. لكن من المرجو أن ينشط هذا العقل وأن يبدع وأن يتحرر وأن يتضاعف تأثيره في تشكيل العقلية العربية، لأن الفلسفة حاجة ماسة وأساسية لتنشيط التفكير الإنساني، وفي إدراك المشكلات التي يواجهها الإنسان، وفي تنظيم مقولاته الوجودية من جهة، ومقولاته القيمية من جهة أخرى، ومن دون الرجوع إلى الفلسفة وإستلهام الفلسفة يبقى تفكيرنا سطحيا، وواقعا تحت سيطرة الأهواء والانفعالات والاعتقادات الغيبية وما إليها، فالفلسفة حاجة ضرورية وعلينا أن نعمل كل ما في وسعنا حتى نجعل للفلسفة حضورا أقوى فأقوى في تشكيل الثقافة العربية.
أجري هذا الحوار على هامش مشاركة الدكتور ناصيف نصار في أعمال ندوة دولية بعنوان: "رهانات الفلسفة العربية المعاصرة"، وذلك يومي الجمعة و السبت: 20 و21 نوفمبر 2009م، بجامعة محمد الخامس بالرباط.
ناصيف نصار، الحداثة، ابن خلدون، التراث، الماضي،
الإعلانات