أون إسلام.نت

استشارات :

تعارف الحضارات.. ورؤية جارودي

أرسل لصديقك طباعة
(1 تصويت, متوسط 5.00 من 5)
لماذا مفهوم تعارف الحضارات؟ الفكرة.. والخبرة.. والتأسيس
الجزء الأول: جارودي وحوار الحضارات
زكي الميلاد_مؤتمر تعارف الحضارات_2011
زكي الميلاد
زكي الميلاد
عند النظر في فكرة حوار الحضارات خلال القرن العشرين وما بعده، يمكن الحديث عن أربعة أزمنة أساسية، تشرح طبيعة الأطوار التي مرت بها هذه الفكرة، والسياقات والأرضيات الفكرية والسياسية التي تأثرت بها، كما تشرح طبيعة حركة هذه الفكرة، ومستويات الاهتمام بها، وكيفيات التعاطي معها، ومنظورات الرؤية لها، وهذه الأزمنة هي على النحو التالي:
الزمن الأول: يتحدد في النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين، حينما تبنى هذه الدعوة المفكر الفرنسي المعروف روجيه غارودي، وشرحها في كتابه الشهير (من أجل حوار بين الحضارات) الصادر سنة 1977م، الكتاب الذي يمكن وصفه بمثابة مرافعة محكمة في الدفاع عن قضية حوار الحضارات، وتميز بمنطق شديد التماسك، وبخطاب موثق بالشهادات والوقائع والحقائق، وبالنمط الذي يمكن اعتباره من الصور الفعلية التي تجسد حوار الحضارات، وظهر غارودي في هذا الكتاب أحد أكثر المنظرين والمتحمسين لهذه الفكرة التي عرف واشتهر بها عالمياً.
-أهم المقولات-

*الإسلام حمل إلى إمبراطوريات مفككة وحضارات ميتة، روح حياة جماعية جديدة.

*غارودي: أنقذ الإسلام في القرن السابع الميلادي، إمبراطوريات كبيرة متهاوية.

*دوزي: الفتح العربي كان خيراً لأسبانيا، لأنه أحدث ثورة اجتماعية هامة.

*الميلاد:  الغرب هو المعني عند جارودي بالدعوة لحوار الحضارات، بقصد تصحيح مساراته.

*جارودي: أزمة الغرب تنبع من تنكره  لجميع الثقافات غير الأوروبية.

*أراد جارودي أن يدفع الغرب لمراجعة ذاته وتراثه وتاريخه، يغير من نظرته إلى العالم.

هذه الدعوة في أطروحة غارودي مرت بثلاثة أطوار زمنية وفكرية، جسدت شخصية غارودي الفكرية في انتقالاته وعبوره بين الأيديولوجيات والأديان، وكشفت عن طبيعته الجدلية والإشكالية، وذهنيته الحائرة والقلقة، بحثاً عن الأمل الذي ظل يفتش عنه في الثقافات والحضارات الإنسانية، وهذه الأطوار هي:
الطور الأول: الدعوة للحوار بين الماركسية والمسيحية، وذلك حينما كان غارودي مفكراً في الحزب الشيوعي الفرنسي، وكان يصف نفسه آنذاك بالمحرك الرئيسي لهذه الدعوة في فرنسا وأوروبا، طيلة اثنتي عشرة سنة، وكانت الغاية من هذه الدعوة حسب رؤية غارودي هي بناء العلاقة بين التحرر والإيمان، التحرر الذي تمثله الماركسية، والإيمان الذي تمثله المسيحية.
الطور الثاني: في سنة 1968م تكوّنت عند غارودي رؤية لفت بها نظر المجتمع المسكوني للكنائس في جنيف، حيث اعتبر أن الحوار بين الماركسيين والمسيحيين سوف يظل إقليمياً حسب تعبيره، ولن يتقدم إلا في نطاق منطقة ثقافية واحدة، وهي منطقة الغرب، وإنه من الأهمية في نظره التحول نحو إدارة هذا الحوار على مستوى الحضارات، وكانت الغاية من هذا الحوار في نظر غارودي هي بناء العلاقة بين الإيمان والتاريخ، الإيمان والعالم، الإيمان الذي يعطي الشعوب القوة والأمل في تغيير العالم والحياة.
الطور الثالث: التأكيد والتركيز على الحوار بين الغرب والإسلام، وهي الدعوة التي ظهرت واضحة ومتجلية في الكتاب الذي أصدره غارودي سنة 1981 بعنوان (وعود الإسلام)، وفي كتابه أيضاً (الإسلام في الغرب: قرطبة عاصمة الروح والفكر(فقد اعتبر أن العقبة الرئيسية التي تقف في وجه حوار الحضارات هي النظرة التي حملها الغرب منذ مئات السنين عن الإسلام، وإن النظرة للإسلام في رؤية غارودي إنما تتعلق بمستقبلنا، مستقبل البشرية الذي يتعرض مصيره للخطر، فالإسلام قوة حية ليس كامناً فقط في ماضيه، وإنما في كل ما يمكن أن يقدمه لصنع المستقبل.
وقد تأكدت قناعة غارودي بالإسلام الذي أعلن اعتناقه له سنة 1982م، ووجد فيه الأبعاد الإنسانية المطلوبة، والفرص المفقودة في أنظمة الغرب الثقافية والفلسفية والاجتماعية والاقتصادية، لذلك أولى أهمية للدفاع عن الإسلام، والتعرف عليه، واكتشاف جمالياته، وتركيز النقد على الغرب في رؤيته وأنماط تعامله مع الإسلام، ومع التراث الإسلامي الذي يصفه بالتراث الثالث المكوّن للتراث الغربي، والذي رفضه الغرب كما يقول غارودي منذ ثلاثة عشر قرناً، التراث الذي كان باستطاعته ولا يزال، في نظر غارودي ليس الإصلاح بينه وبين حِكَمِ العالم فحسب، بل مساعدته بالتعرف على الأبعاد الإنسانية والإلهية التي انفصل عنها، عندما نمّى أحادياً إرادته للسيطرة على الطبيعة والناس(1).
وما يعزز هذه القناعة عند غارودي رؤيته بأن الإسلام )لم يكمل ويخصب وينشر أقدم وأرفع الحضارات فحسب، كحضارة الصين والهند وفارس واليونان والإسكندرية وبيزنطة، بل حمل إلى إمبراطوريات مفككة وحضارات ميتة، روح حياة جماعية جديدة، وأعاد إلى الناس ومجتمعاتهم أبعادهم الإنسانية والإلهية من تسام وتوحد. كما أعاد خميرة تجديد العلوم والفنون والحكمة التنبؤية والقوانين)(2).
وتساءل غارودي: (لقد أنقذ الإسلام في القرن السابع الميلادي، إمبراطوريات كبيرة متهاوية، فهل يستطيع اليوم أن يحمل لنا جواباً عن قلق ومشاكل الحضارة الغربية؟ هذه هي المسألة التي يجهد هذا الكتاب - وعود الإسلام - في طرحها إذا لم يكن في حلها!)(3).
أما في كتابه (الإسلام في الغرب( فهو ينطلق من فكرة يحاول أن يعيد من خلالها قراءة بداية تاريخ النهضة في أوروبا، وحسب تصوره فإن نهضة أوروبا الأولى لم تبدأ في إيطاليا، وإنما في أسبانيا خلال القرن الثالث عشر.. النهضة التي كانت وعداً مشرقاً في أسبانيا، وكان لها اتجاه معاكس ومختلف عن نهضة القرن السادس عشر في إيطاليا، ونهضة القرن السابع عشر في إنكلترا، ونهضة القرن التاسع عشر في فرنسا، ونهضات القرنين الأخيرين في الغرب(4).
ويختتم غارودي كتابه وفي السطر الأخير منه، بأمل أن تعطي الأندلس وقرطبة للعالم ثانية رسالة عصورها الذهبية، رسالة حضارة الكوني الشمولي(5). ويستشهد في كتابه )وعود الإسلام) برأي المستشرق الهولندي دوزي (1820-1883م) الذي عرف باهتمامه بحضارة العرب، في كتابه (تاريخ مسلمي أسبانيا(، حيث يرى أن الفتح العربي كان خيراً لأسبانيا، لأنه أحدث ثورة اجتماعية هامة، وقضى على قسم كبير من الشرور التي كانت ترزح البلاد تحتها منذ قرون(6).
ومع أن غارودي كان ينطلق من مقولة حوار الحضارات في توجيه النقد التاريخي والفلسفي والاجتماعي للغرب، إلا أنه كان متوجهاً إلى الغرب في خطابه وليس للحضارات الأخرى، وأن الغرب هو المعني بهذه الدعوة لحوار الحضارات، بقصد تصحيح مساراته بعد أن وصل إلى مأزق حضاري خطير.
فقد اكتشف غارودي بفكره النقدي، ومعرفته الواسعة، وانفتاحه على الثقافات غير الأوروبية، وجود أزمة حضارية عميقة في الغرب والحضارة الغربية، ولا سبيل لتجاوز هذه الأزمة وتداركها في نظره، إلا بالانفتاح على الحضارات الأخرى غير الأوروبية، والتحاور معها، والتعلم منها، لاكتشاف ما يسميه بالفرص المفقودة، والأبعاد الإنسانية والأخلاقية المطلوبة، التي نمت في الحضارات والثقافات غير الأوروبية.
وهذه الأزمة التي يعيشها الغرب في الربع الأخير من القرن العشرين، إنما ترجع في جذورها حسب رأي غارودي، إلى عصر النهضة، الذي ولدت معه الرأسمالية والاستعمار معاً، وما صاحبه من تنكر وهدم لجميع الثقافات غير الأوروبية، فقد اتبعت الحضارة الغربية في نموها وتقدمها من القرن السادس عشر وحتى نهاية القرن العشرين، طريقة أوصلتها كما يعتقد غارودي، إلى أزمة داخلية عميقة، حدودها في ثلاثة أبعاد رئيسية، شرحها في كتابه: (حوار الحضارات)، وهي:
1ـ رجحان جانب الفعل والعمل، بالشكل الذي يتحول فيه الإنسان إلى مجرد آلة للإنتاج والاستهلاك، ويفقد جوهره المعنوي والأخلاقي.
2ـ رجحان جانب العقل، واعتباره قادراً على حل جميع المشكلات، بحيث لا توجد مشكلات حقيقية إلا تلك التي يستطيع العلم حلها، والنتيجة بعد ذلك هي عدم القدرة على تحديد الغايات الحقيقية، والسيطرة على الوسائل.
3ـ رجحان جانب الكم، وجعله معياراً ومقياساً لا نهائياً، بحيث يصبح النمو باعتباره نمواً كمياً صرفاً في الإنتاج والاستهلاك.
ويرى غارودي أن حضارة تقوم على هذه الأبعاد الثلاثة، إنها حضارة مؤهلة للانتحار.
وعلى ضوء هذا التحليل لأزمة الثقافة والحضارة الغربية، بلور غارودي نظريته لحوار الحضارات، ناظراً بها إلى الغرب، بوصفها طريقاً لإنقاذه وتصحيح مساراته، وتشكلت هذه النظرية على أساس المرتكزات التالية:
1ـ الاهتمام بالحضارات اللاغربية في مجال الدراسات، وجعلها بمنزلة تعادل في أهميتها الثقافة الغربية.
2ـ ضرورة أن يشغل مبحث الجمال، منزلة يعادل في أهميته تعليم العلوم والتقنيات.
3ـ جعل الاهتمام بالمستقبل، يعادل في أهميته من حيث التفكير والغايات والأهداف أهمية التاريخ وعلم التاريخ(7).
هذه النظرية التي كونها غارودي لحوار الحضارات، أراد بها أن يخاطب الغرب بصورة أساسية، لذلك فهي تنتمي وتصنف على النظريات الغربية، التي تنطلق من نقد التجربة الغربية والحضارة الغربية، ويعبر غارودي عن ذلك بقوله أن (حوار الحضارات أصبح ضرورة عاجلة لا سبيل لردها، إنه قضية بقاء، لقد بلغنا حد الخطر، بل لعلنا تجاوزناه، إن مهمتنا بعد الفرص التاريخية الضائعة، وضياع أبعاد الرجل الغربي، هي استئناف حوار حضارات الشرق والغرب، من أجل وضع حد لحوار الذات الغربي الانتحاري.. إدراك هذا النقص، وإدراك ما ندين به للثقافات والحضارات غير الغربية، هو اليوم على ما نظن السبيل الوحيد الذي بقى مفتوحاً أمامنا خارج مأزق الموت)(8).
وكون هذه النظرية تنتمي وتصنف على النظريات الغربية، لا يعني ذلك بالضرورة نقداً لها، أو رفضاً أو إسقاطاً، وإنما القصد هو تحديد طبيعة الفضاء المعرفي والمرجعي لهذه النظرية، وفهم غاياتها ومقاصدها، وكيفية التعامل معها.
وبالتالي لا يمكن الرجوع إلى هذه النظرية، إلا في إطار التثاقف والتواصل الفكري والمعرفي، وليس الاعتماد عليها بوصفها نظرية كونية عامة، أو باعتبارها قابلة للتعميم على المستوى الإنساني، مع أنها قد تعد من أنضج النظريات في مجالها، وأكثرها دعوة للانفتاح والتواصل مع الثقافات والحضارات الأخرى غير الأوروبية.
ولعله إلى اليوم لم تتبلور نظرية أخرى لحوار الحضارات، في مستوى نظرية غارودي وتماسكها وخبرتها ودرجة انفتاحها، كما نظر لها وشرحها في كتابه الشهير: (حوار الحضارات)، وتمثلها في تجربته الفكرية، وفي الأطوار والانتقالات التي مر بها من المسيحية إلى الماركسية، ومن ثم إلى الإسلام، فلم يكن غارودي مجرد داعية لحوار الحضارات، بل كان مثالاً تطبيقياً لهذه الدعوة في تجربته الفكرية.
هذا هو المأخذ الرئيسي على رؤية غارودي لحوار الحضارات لكونها تستجيب بصورة أساسية لحاجات الغرب ومشكلاته، باعتبارها ناظرة إليه، ولا تلبي من جهة أخرى حاجات الحضارات غير الأوروبية.
أما قيمتها الرئيسية فهي في النقد الذي وجهه غارودي للغرب، وأراد منه أن يدفعه لمراجعة ذاته وتراثه وتاريخه، وأن يغير من نظرته إلى العالم، ويدخل في مصالحة مع الحضارات غير الغربية، والاستفادة والتعلم منها، واكتشاف مستقبله المشترك مع بقية العالم، وليس مستقبله الذي لا يرى فيه إلا ذاته. وقيمة هذا النقد أنه يأتي من مفكر غربي واسع الثقافة والمعرفة، ومنفتح على الثقافات والحضارات غير الأوروبية، وقد تمثل حوار الحضارات في تجربته الفكرية بتحولاته وتقلباته وانتقالاته.
وكان بالامكان لأفكار غارودي أن تكون لها فاعلية وشأن، لو انفتح الغرب عليها، وقبل الإصغاء إليها، وتفهمها. مع ذلك فقد بقيت أطروحة غارودي مجرد دعوة لم تتحول إلى تيار فاعل ومؤثر في الغرب والثقافة الغربية، حتى مع محاولته لإنشاء معهد دولي لحوار الحضارات سنة 1976م، وسعيه بعد ذلك لإحياء مشروع قرطبة كمركز إشعاعي حضاري جديد في الغرب، إلا أن هذه الأفكار بقيت مجرد طموحات وآمال غاية في النبل.
ومع دخول العالم حقبة ثمانينيات القرن العشرين تراجعت الدعوة إلى حوار الحضارات، وظهرت ما سميت في الخطاب الغربي والإعلام الغربي بالأصوليات، وارتفعت درجة الاحتكاك والتوتر بين العالمين الإسلامي والغربي، وفي هذا السياق نشر غارودي كتابه (الأصوليات المعاصرة.. أسبابها ومظاهرها)، حيث اعتبر فيه أن الأصوليات كل الأصوليات، تشكل الخطر الأكبر على عصرنا وعلى المستقبل.
وحتى في هذا الكتاب لم يغفل غارودي عن توجيه النقد للغرب، بتحميله مسؤولية انبعاث هذه الأصوليات بكل أشكالها في العالم الثالث، نتيجة إصراره على فرض نموذجه الإنمائي والثقافي، واعتبر الأصولية الغربية هي العلة الأولى التي ولدت كل الأصوليات الأخرى رداً على أصولية الغرب، وتحدياً لها.

الهوامش

1ـ روجيه غارودي. وعود الإسلام، بيروت: الدار العالمية، 1984م، ص: 19.

2ـ روجيه غارودي. المصدر نفسه، ص: 19.

3ـ روجيه غارودي. المصدر نفسه، ص: 25.

4ـ روجيه غارودي. الإسلام في الغرب: قرطبة عاصمة الروح والفكر، ترجمة: د. محمد مهدي الصدر، بيروت: دار الهادي، 1991م، ص ص: 14ـ251.

5ـ روجيه غارودي. المصدر نفسه، ص: 252.

6ـ روجيه غارودي. وعود الإسلام، مصدر سابق، ص: 51.

7ـ روجيه غارودي. حوار الحضارات، ترجمة: عادل العوا، بيروت: منشورات عويدات، 1987م، ص: 186.

8ـ روجيه غارودي. المصدر نفسه، ص: 23.

ألقى د. زكي الميلاد هذه الدراسة خلال مؤتمر الدولي لتعارف الحضارات بمكتبة الإسكندرية 18-19 يناير 2011.

تعارف الحضارات_حوار الحضارات_
الإعلانات