أون إسلام.نت

استشارات :

الفتوى ووظيفتها بين الأحادية والتعدد

أرسل لصديقك طباعة
(1 تصويت, متوسط 5.00 من 5)
الفتوى ووظيفتها بين الأحادية والتعدد
khadem-alharamayen
وسام فؤاد
الفتوى ليست كالحكم الشرعي. الحكم الشرعي محيط بتطورات الواقع في كلياته، ومن ثم كانت نصوصه تقبل استيعاب كل المتغيرات التي يمكن أن يحفل بها فقه الواقع؛ مهما تباينت الظروف وتعقدت. أما الفتوى فهي محض اجتهاد بشري يتعلق بواقعة محددة التفاصيل. في ضوء هذه التفاصيل يقرأ العالم الشرعي نصوص الوحي: قرآنا وسنة، ثم يدلي بفتواه كعالم من بني البشر. والبشر بشر. عرضة في خاتمة المطاف للتأثر لا نقول بمصالحهم ورؤاهم الخاصة، بل نقول إنهم عرضة للتأثر بثقافتهم الخاصة، ووعيهم الخاص بهذه الثقافة، وقراءاتهم المتمايزة لفقه الواقع؛ تلك القراءات التي تتباين من عالم جليل لعالم آخر. وختاما؛ يتباين علماؤنا الأجلاء في اعتمادهم على الأدوات الخاصة بعلم أصول الفقه، وذلك بحسب تقييمهم لأهميتها ومدى قدرتها على استيعاب المتغيرات التي يحفل بها فقه الواقع. ومن ثم؛ يذهب كل منهم في اتجاه في فتواه.

 

وبرغم هذا يظل منبع الاختلاف الصادر عن اختلاف العلماء في اعتمادهم على الأدوات الأصولية أقل بكثير من ذلك الاختلاف النابع عن رؤية كل عالم منهم لفقه الواقع المحيط به. إن الثقافة العامة لعالم الشريعة يكون لها هنا دورا في بناء رؤيته لفقه الواقع.

 

ولكي أقرب الأمر من أذهان القراء؛ فإن بين يدي أساتذتنا في مادة الفكر الإسلامي فتوى مكتوبة على ورقة هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، وموقعة بخاتم فضيلة الشيخ عبد العزيز ابن باز – رحمه الله – وكان رئيس هيئة كبار العلماء في المملكة آنذاك، يفتي فيها بأن الأرض ليست كروية، وأنه على كل مسلم أن يراعي هذا – اعتقادا - في موقفه من هذه القضية العلمية؛ وكان سنده في فتواه أن المولى جل وعلا قال في محكم كتابه: "والأرض بعد ذلك دحاها" أي بسطها، فهي مبسوطة وليست كروية، وذلك برغم أن لفظة الدحية في اللغة تعني البيضة.. فيما تعني.

 

فقه الواقع والوظيفة الاجتماعية للفتوى

 

في الفقرات القلية السابقة؛ لم يكن يعنينا أن نقيم علم فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز، فعلم هذا العالم الجليل لا يخفى إلا على جاهل. لكننا هنا بصدد الكشف عن تأثير الثقافة العامة للعالم في فتاواه. فهو لم يطلع على صور كوكب الأرض المصورة من السماء. ولم يسمع عن خطوط الطيران التي تلف الأرض شرقا وغربا لتصل لنفس المكان. ولم يكن له دائرة صحبة يحدثونه عن شئ أضحى بديهيا في عصرنا، ولم يتابع باب الإعجاز العلمي الذي فسر الآية الكريمة إعجازا معتمدا على تشبيه القرآن لكوكب الأرض بأنه كالبيضة.

 

من العلماء إذا من يهتم بالثقافة الكونية، ومنهم من يهتم بمتابعة عالم السياسة، ومنهم من يهتم بمتابعة عالم الأسرة.. إلخ. وكل عالم يتابع مجالا من المجالات تتبلور لديه رؤية حيال ما يهتم به من دائرة اهتمام. فالثابت أنه لا يوجد إنسان لا يتأثر ببعض ما يقرأ ولا يوجد من لا يكون وجهة نظر يرتاح إليها في ترتيب وقائع الأحداث ضمن مجال اهتمامه. وطبيعي أن تختلف رؤية عالم عن رؤية غيره. وطبيعي أن يتباين تصدي كليهما للإفتاء في قضايا تتعلق بمجالات اهتمامهم أن تتباين بحسب اختلاف وجهات نظرهم. وطبيعي أن يكون لدى كل عالم رؤية في مكامن التحدي الذي يواجه أمته (فقه الواقع) وخطط الاستجابة لهذه التحديات أو خطط  الإصلاح (فقه النص). وطبيعي أن يفتي كل عالم وفق قناعاته. وطبيعي كذلك أن تؤدي الفتوى هنا دورا اجتماعيا مهما مرتبطا برؤية العالم لفقه الواقع، وطبيعي أن يبحث في مظان العلم عن إجابات واستجابات للتحديات التي يراها.

 

بكلمة أخرى؛ فإن كل فتوى ترتبط بمشروع اجتهادي وتدور في إطاره. وتتعدد اتجاهات الإفتاء بقدر تعدد التيارات الاجتهادية. تلك التعددية الثرية هي ما يعكس أهمية الفتوى كأداة من أدوات الإصلاح والتجديد. ومن هنا تأتي خطورة مصادرة عملية الإفتاء لصالح طرف واحد من أطراف إدارة الحياة الاجتماعية للناس، أو اتجاه واحد من حملة العلم الشرعي، وحرمان بقية العلماء من حقهم في توجيه عموم المسلمين في بلادهم لما يرونه الخير.

 

 

مصادرة الفتوى.. مصادرة التعددية في توجهات الإصلاح

 

كان الأمر الملكي الذي أصدره خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود موفقا بصورة نسبية؛ إذ أن الفترة السالفة شهدت بعض الإسفاف في الإفتاء (فتوى ميكي ماوس وجواز قتلها)، وبعض الفتاوى القاسية (هدم البيت الحرام وإعادة بنائه) والتي تشغل الناس بقضايا هي آخر ما يكون ابتعادا عن أولوياتهم وقضاياهم الحقيقية. وفي نفس الوقت؛ هناك فتاوى تحاول أن تقول جديدا؛ وتتصدى لموروث وصف بأنه الشرعي ولا شرعي غيره، ولم يكن لحامليه قدرة على أن يروه اجتهادا وحسب. ومن تلك الفتاوى التي تحاول تحريك المياه الراكدة نجد فتوى الشيخ الغامدي حول دلالة مصطلح الاختلاط والأحكام المرتبطة به، والخسارة التي تسبب بها المنظور القديم؛ حيث فقدت الأرضية الإسلامية شخصيات نسائية جليلة كان بإمكانها أن تثري حركة الإصلاح والنهضة في المملكة. وهناك فتوى الشيخ الكلباني إمام الحرم السابق؛ حول الغناء وإباحته بأشكاله المختلفة؛ برغم تورعه الشخصي عن الاستماع إليه.

 

هذه الفتاوى الأخيرة تصدر أيضا عن أهل علم. كما أنها تقدم حلولا لمشكلات بالغة الأهمية تواجهنا. والمقصد هنا أنه إلى جانب وجود فتاوى تعاني التسيب والتحلل من جودة قراءة الظرف؛ فإن ثمة فتاوى لديها ما تقوله من اجتهاد يستحق التوقف والتأمل. والغريب أن الفتاوى التي تملك ما تضيف به للعقل الشرعي تشهد جدلا أكبر، وتواجه عنفا أشد وطأة. لكن ما يؤلمنا أنها باعتبار تفردها قد تستبعد من دائرة خدمة المجال العام بمثل هذه القرارات، خاصة وأن هيئة مثل هيئة كبار العلماء أعضاؤها 20 عالما فقط، وكلهم يعينهم الملك؛ بناء على توصيات مستشاريه. وهذا يعني مصادرة الفتوى مبدئيا؛ ثم قصرها على أصحاب اتجاه مجتمعي واحد، وهو الاتجاه الذي تمثله الدولة؛ أو الاتجاه الذي يرضي نخبة المستشارين، وذلك دون النظر لعموم الأمة وملكاتها وإمكاناتها وحقها في التعدديه الفكرية والإفتائية التي لم تنقطع حيويتها عن الأمة طيلة تاريخها. ولا يخفى أن هذه المصادرة ليست ظاهرة صحية؛ وإن كانت وظيفتها الضبطية مبررة.

 

الفقيه بين السلطة والمجتمع

 

المشكلة أن المصادرة لم تكن فقط لصالح طرف واحد، بل أتت لصالح الطرف الحقيقي الذي كان العلماء يكرهون الجلوس معهم بمجلس واحد؛ فضلا عن الخضوع إلى سلطتهم. ولو تتبعنا التاريخ لوجدنا كيفية نظر الفقهاء لهذه العلاقة.

 

فقد جاء في الأثر أن: دخل سفيان الثوري على الفضيل بن عيّاض رحمهما الله تعالى يوماً فقال له  عظني يا أبا علي؟ فقال: له الفضيل:" وبماذا أعظكم معاشر العلماء؟! كنتم سرجاً يُستضاء بكم في البلاد، فصرتم ظلمة! وكنتم نجوماً يُهتدى بكم في ظلمات الجهل، فصرتم حيرة! يأتي أحدكم إلى أبواب هؤلاء الولاة، فيجلس على فرشهم، ويأكل من طعامهم، ويقبل هداياهم، ثم يدخل بعد ذلك إلى المسجد فيجلس فيه ثم يقول: حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا! والله ما هكذا يطب العلم"، فبكى سفيان حتى خنقته العبرة، وخرج.

 

وكما بين المشرقين يتفاوت تقييم ابن عياض عن تقييم ابن المسيب؛ لكنهما يجتمعان في التكييف السلبي للعلاقة. فقد كان الفضيل بن عيّاض رحمه الله تعالى يقول:" إذا رأيتم العالم أو العابد ينشرح لذكره بالصلاح عند الأمراء وأبناء الدنيا، فاعلموا أنه مراء". بينما اشتد سعيد بن المسيب رحمه الله معهم حين قال: "إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء فهو لص". هكذا قالها رحمه الله.

 

وكان كعب الأحبار رضي الله عنه يقول: "سيأتي على الناس زمان يتعلم جهالهم العلم، ثم يغايرون به على القرب من الأمراء كما يتغاير النساء على الرجال، فذلك حظهم من العلم".

 

وقد كان الإمام النووي رحمه الله تعالى إذا دخل عليه أمير على غفلة وهو يدرس في العلم في المدرسة الأشرفية أو جامع بني أمية، يتكدر لذلك. وإذا بلغه أن أحداً من الأكابر قد عزم على زيارته في يوم درسه لا يدرس العلم ذلك اليوم، خوفاً أن يراه ذلك الأمير وهو في محفله ودرسه العظيم. ويقول: "من علامة المخلص أن يتكدر إذا اطلع الناس على محاسن عمله كما يتكدر إذا اطلعوا على مساويه؛ فإن فرح النفس بذلك معصية، وربما كان الرياء أشد من كثير من المعاصي".

 

إن الأصل في علاقة العالم بولي الأمر ترك مسافة واضحة؛ تمكن العالم من أن يحتاط لدينه، ويحافظ على ثقة الناس به، ويكون حرا في اختيار مذهبه واعتقاده. وحتى في تلك الدعوات التي شهد تضافر العلماء مع أولياء الأمور؛ الغريب أن هذا الميراث يؤول إلى أن تقتصر الفتوى على من يعينهم جلالة الملك.

 

لا شك في أن المجتمع الفقهي السعودي قد شهد مهازل إفتائية، وهو ما سبق وحذر منه الدكتور سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل في دراسته الرائدة. لكن المشكلة تكمن في ضعف حيوية المجتمع العلمي بحيث فقد قدرته على ضبط أعضائه. وهذه الخاصية قديمة، حيث ذكرنا مثالا يتعلق بفضيلة الشيخ ابن باز رحمه الله، تلك الفتوى التي لم تجد من يردها من مجتمع العلم الشرعي. تلك سنة الله في خلقه: وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم.

 

والباب مفتوح لمناقشة هذه القضية على أقسام صفحة "رؤى واجتهادات".

إضافة تعليق

تشكر شبكة “أون إسلام” تفاعل جمهورها الكريم مع خدمة التعليقات، وترجوهم عدم إضافة أي تعليق يمس أو يسيء للأديان والمقدسات، أو يحمل تجريحًا أو سبًا يخدش الحياء والذوق العام للأشخاص والمؤسسات.. وستضطر إدارة الشبكة آسفةً لحذف أي تعليق يخالف هذه الضوابط."


الإعلانات