الحوكمة: أفق التجديد التنظيمي في الحركات الإسلامية
الفرد والجماعة مقاربة فى جدلية العلاقة
ندعو إلى تمكين الفرد داخل جماعته بحيث لا تستأثر مجموعة قليلة باتخاذ القرار
سمير العركي
"الفرد" و"الجماعة" هنا مفهومان مجردان غير محملين بأكثر من معنييهما المجردين من التحيز إلى "فرد" مخصوص، أو "جماعة" بعينها، إذ تبقى هذه الأطروحة محاولة لمقاربة حول جدلية العلاقة بين الطرفين والتي ظلت خاضعة لمفاهيم معينة مسيطرة منذ أن نشأت الحركة الإسلامية وعرفت نمط "العمل الجماعي" الذي يتنازل فيه الفرد عن جزء من حريته لصالح الكيان الأكبر الذي ينتمي إليه ويسعى من خلاله لخدمة مجموعة من الأهداف توافقت إرادته على أنها تمثل أهدافاً سامية ونبيلة تستحق أن يوقف عليها حياته ويضحى في سبيلها بالغالي والنفيس. كما أن قناعة "الفرد" انتهت إلى أن هذه الأهداف لن تتحقق إلا من خلال”كيان”يقوم بتوظيف الجهود وتنسيقها وصهرها في بوتقة واحدة، قد تتعدد فيها الأنشطة ومجالات العمل ولكن يبقى أنها تتناغم فيما بينها من خلال "قيادة" راشدة تمتلك الرؤية والوعي اللازمين لقيادة هؤلاء الأفراد لتحقيق أعلى النتائج بأقل التكاليف وأقصر الأوقات.
هذه العلاقة بين "الفرد" و"الجماعة" كان من الممكن أن تظل فى مجالها البشرى من حيث كونها”عقداً”بين طرفين يتنازل فيه الأول عن جزء”كبير”من حريته وإرادته على أن يقوم الطرف الثاني برعايته وتطويره وتحقيق ذاته واستغلاله الاستغلال الأمثل.
هنا كان الممكن أن يبقى هذا "التعاقد" في محيطه "الإنساني" حيث يبقى للفرد فى نهاية المطاف حقوقه الأصيلة التي تحفظ عليه وجوده الإنساني وتديم له "ماهيته" المستقلة التي تنخرط في الجماعة ولكنها لا تختفي ولا تذوب مع ما يتبع ذلك من ديمومة الإبداع الفردي على مستوى الفكر والتطبيق وحفظ حقه الأصيل في المساءلة والمحاسبة.
كان من الممكن أن يبقى كل ذلك قائماً في نفس الإطار التعاقدي ولكن الذي حدث أن تحولت العلاقة بين الطرفين إلى إطار "مقدس" حيث تعمدت "الجماعة" إسباغ هالة من القدسية على علاقة الفرد بـ"مسؤولة" حيث انتزعت الأحاديث النبوية من سياقها المرتبط بعموم الأمة ووجوب الاجتماع ووجوب السمع والطاعة لرأس الدولة وتم تأطير العلاقة بين "الفرد" و"الجماعة" بإطار من الشرع متين بحيث صار مفهوم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني"؛ (وفى رواية "الأمير")، صار هذا المفهوم لازماً فى حق الفرد تجاه مسؤوله أو أميره فقد ارتبطت طاعة الفرد هنا لمسؤوله بطاعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما أن "الجماعة" التي تمثل في نهاية المطاف إطاراً جامعاً للجهود تحولت إلى كيان”مقدس”بحيث بات من مات وهو مفارقها فكأنه مات ميتة الجاهلية مع أن هذا حال يخص عموم جماعة المسلمين وإلا فما الذى يجعل جماعة معينة صاحبة هذه الخصيصة دون غيرها. وبناء على ما سبق فإن الفرد هنا ملزم بـ"السمع والطاعة" في العسر واليسر والمنشط والمكره.
وقد لعب مبدأ "السمع والطاعة" دوراً كبيراً في "تقزيم" دور الفرد داخل جماعته وحرمانه من حقه فى المناقشة فضلاً عن المساءلة إذ كان دائماً ما يرفع في وجه "الفرد" إضافة إلى حواشيه المعروفة من عينة "الثقة في القيادة".
إضافة إلى ما سبق فقد تسبب هذه الوضعية فى تحجيم ملكات الإبداع والابتكار لدى "الفرد" في ظل نظام "أبوي" يفكر نيابة عنه ويتخذ القرار نيابة عنه، ومن ثم فقد انعدمت رؤية التقييم الصحيح لقرارات "القيادة" بحجة أن القيادة لديها ما يبرر هذا القرار أو ذاك.
هذه العلاقة المشوهة مع ما حملته من نتائج كارثية على تفكير الفرد واستقلالية تشكلت في ظل وضع”ضاغط”وجدت فيه الحركة الإسلامية نفسها على مدار ستة عقود متتالية فتقوقعت حول نفسها وأقامت ستاراً حديدياً عليها أدى بها إلى لون من ألوان "عسكرة" الكيان بأكمله وهذه العسكرة المشار إليها لا تتوقف على حمل السلاح وتكوين التنظيمات المسلحة بل تتعدى ذلك إلى صبغ العلاقات البينية بين الكيان وأتباعه وكيفية اتخاذ القرارات ومدى توافر طرائق للمساءلة والمحاسبة.. إلخ.
ولكن بقاء مثل هذه العلاقة عقب ثورة يناير 2011 قد يهدد الوجود الفعلي لهذه الكيانات إذ إن تحرير العلاقة بين المواطن والسلطة على النحو الذى حدث لابد وأن تتأثر به الكيانات الدعوية التنظيمية ومت ظنت أنها بمنأى عن مثل هذه التأثيرات فإنها بذلك تدفن رأسها فى الرمال وقد يؤدى هذا إلى انصراف”الفرد”عن مثل هذه الكيانات فى ظل الانفتاح غير المسبوق مجتمعياً صوب تأسيس الأحزاب والجمعيات والائتلافات وغيرها.
لذا كان لابد من البحث عن نموذج "جديد" يحكم العلاقة بين الطرفين بعيداً عن نموذج "السمع والطاعة" الذي تحول إلى لون من ألوان القهر.. نموذج تتمكن من خلاله الكيانات التاريخية من الاستمرار فى تماسك وترابط دون التعرض لهزات عنيفة نتيجة كثرة الانشقاقات و"التفلتات" والنموذج المطروح هنا هو نموذج "حوكمة الجماعات" أو ما يعرف بـ"الحكم الرشيد" Good Governance.
حوكمة الجماعات وتمكين الفرد
يعرف البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة مفهوم الحوكمة بأنه: ممارسة السلطة الاقتصادية والسياسية والإدارية لإدارة شئون الدولة على كافة المستويات من خلال آليات وعمليات ومؤسسات تمكن الأفراد والجماعات من تحقيق مصالحها".
كما أن تقرير التنمية الإنسانية العربية يعرف المفهوم من منظور تنموي بأنه "الحكم الذي يعزز ويدعم ويصون رفاه الإنسان، ويقوم على توسيع قدرات البشر وخياراتهم وفرصهم وحرياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية،لاسيما بالنسبة لأكثر أفراد المجتمع فقرا وتهميشا".
نلاحظ من هذين التعريفين - الأممي والإقليمي - تركيز المفهوم على حماية دور الأفراد فى المشاركة الفعلية فى إدارة شؤونهم بحيث يتحول الفرد من (متفرج) إلى (صانع حقيقي) يشعر بكينونته وذاته من خلال توفير آليات عدة لممارسة دوره فى التقييم والمساءلة كما سيأتي.
ونحن إذ نتحدث عن "حوكمة" الكيانات الدعوية فإننا ندعو إلى تمكين الفرد داخل جماعته بحيث لا تستأثر مجموعة قليلة باتخاذ القرار بطريق منعزلة عن مجموع القاعدة وفى كثير من الأحيان فإن هذه القرارات تكون معبرة عن توجهات القيادة فى المقام الأول ثم يتم تمريرها تحت غطاء "السمع والطاعة". فالفرد هنا عنصر سلبي غير مؤثر حتى وإن تعرضت الكيانات لانتكاسات نتيجة خطأ بعض القرارات فإنه يتم القفز عليها عبر الاحتجاج بـ"القدر" أو البحث عن أقرب "مؤامرة" لإلقاء التبعية عليها.
إن هذه الحوكمة تحتاج إلى عدة آليات للتحقق على أرض الواقع نستعرضها فيمل يلي:
• أولاً: امتلاك رؤية واضحة: ولعل المؤسف هنا أن معظم الجماعات الموجودة لم تسع لبناء رؤية واضحة تعبر عن توجهاتها المستقبلية وتسهم فى تشكيل أهدافها الإجرائية وخطط عملها وتكون معلومة للقادة والأفراد سواء بسواء، فوجود هذه الرؤية يمنع الكيان الجماعي من الانحراف عن مساره الموضوع لصالح تشعبات ليست ذات قيمة وتؤدى إلى تشتت الجهود وبعثرتها.
• ثانياً: المشاركة: وهى ركيزة أساسية للحكم الجيد، ويجب أن تتحول المشاركة من مجرد شعارات إلى آليات واضحة ومعلومة تمكن الفرد من التعبير عن رأيه الذى يراه هو لا الذي تريده القيادة، إذ إن حرية التعبير تعتبر من ألصق علامات مدنية التنظيم وعدم عسكرته، كما أن المشاركة تمتد إلى عملية صنع القرار ذاتها. فمن غير المعقول أن تدار الكيانات الكبرى بطريقة مركزية أو شبه مركزية حتى الآن عبر تراتبية تنظيمية تتدرج من خلالها القرارات من أعلى إلى أسفل حتى إن الكيانات الفرعية قد تقف مكتوفة الأيدي مشلولة الحركة لأنها لا تمتلك القدرة على اتخاذ أبسط القرارات.
• ثالثاُ: الشفافية: وتعنى أن صناعة القرارات وتنفيذها تجرى وفق قواعد ولوائح معروفة سلفاً حماية للقرار من التقلبات المزاجية أو تطاحن الأهواء. وتعنى أيضا أن المعلومات متاحة ويمكن أن تصل مباشرة إلى أولئك المتأثرين بهذه القرارات وتنفيذها. وتعنى كذلك إتاحة معلومات كافية بأشكال مفهومة، وإذا كان حجب المعلومات كان له ما يبرره فى أزمنة سابقة بسبب الملاحقات الأمنية فإنني أظن أن ثورة يناير تحتاج إلى تغيير كثير من هذه المفاهيم.
• رابعاً: المساءلة (Accountability ): وتعتبر من أخص خصائص الحكم الرشيد والتي تفتح الباب واسعاً لتمكين الفرد داخل جماعته وبشكل عام فإن أي منظمة أو مؤسسة يجب أن تخضع لمحاسبة أولئك المتأثرين بقراراتها أو أفعالها. والمحاسبة لا يمكن أن تكون سارية بدون شفافية وحكم القانون. فإذا كانت بعض الكيانات تتدخل الآن فى اختيارات أفرادها وتوجهاتهم كما رأينا من حظر من بعض الكيانات سواء علنياً أم سرياً على أفرادها من الانضمام لأي حزب من الأحزاب السياسية إلا الحزب المنبثق عن الكيان أليس من حق "الفرد" هنا أن يمارس حقه فى المساءلة مقابل هذا الجزء من حريته الذي تخلى عنه طواعية.
والمساءلة المشار إليها يجب أن تتم وفق نظام محكم لضمان عدم شكليتها وذلك عبر تقييم "الفرد" الدائم لأداء جماعته وفق معايير منضبطة. تحميه من الانبطاح والتمرد فى آن واحد كما أنها تشعره بأنه "المالك" الفعلي للكيان الذي يعمل من خلاله وليس مجرد "رقم" في منظومة أرقام طويلة وقد شارك كاتب هذه السطور فى تجربة لحوكمة بعض المدارس الابتدائية برعاية البنك الدولي وذلك عبر جذب أولياء الأمور لممارسة حقوقهم فى مساءلة جهة الإدارة المدرسية وتقييمها والمشاركة فى تحسين أوجه القصور؛ فكانت النتائج المنعكسة على الشعور الداخلي لأولياء الأمور رائعة إذ شعروا حينها أنهم الملاك الحقيقيون لتلك المؤسسة وليسوا مجرد متلقين للخدمة وفقط. وهذا المأمول حين يمكن "الفرد" من مساءلة المستويات الإدارية الأعلى.
• خامساً: المساواة: فصلاح هذه الكيانات يعتمد على ضمان شعور كل أعضائها بأن لهم حظاً من المشاركة فيه ولا يشعر فيها الفرد بالإقصاء لمجرد التعبير عن رأيه أو محاولته الاجتهاد في المسائل الاجتهادية التي صارت من المسلمات وهى ليست كذلك. كما أن المساواة تقتضى أن يمكن الفرد من الارتقاء داخل السلم التنظيمي وفق آليات معروفة تخضع لمعايير موضوعية منضبطة بعيداً عن اختيارات البشر وأهوائهم والتي قد تفتح مجال الترقي واسعاً أمام أهل الثقة على حساب أهل الكفاءة.
• سادساً: الفاعلية: ونعنى بها أن تتوافق مخرجات العمليات الدعوية والتربوية والعلمية والإدارية مع مجمل طموحات الفرد وآماله. فالتنمية المستدامة حق أصيل للفرد على "جماعته" وذلك من خلال الاستخدام الأمثل للموارد الذاتية داخل "الجماعة" للوصول بالفرد إلى مستوى متقدم من حيث التنمية والتأهيل. كما أن الفاعلية تقتضى بأن تتسق هذه المخرجات مع الرؤية العامة لـ"الجماعة".
وهكذا، فإن مدخل التطوير الذى ينبغي أن تستلهمه الجماعات الدعوية بعد ثورة يناير هو "المدخل الإنساني" الذي يهتم بتطوير "الفرد" وذلك من أجل بناء الشخصية التي تتمكن من حمل رسالة الإسلام ومواجهة التحديات التي تعترض مساره.
كما أن ثورة يناير فرضت تحدياً آخر نحو معالجة تغول "الجماعة" على حساب "الفرد" بما له من آثار كارثية على القدرات الإبداعية الابتكارية وذلك من خلال تأسيس علاقة جديدة بين الطرفين قوم على التمكين لهذا الفرد.
سمير العركي: كاتب وباحث إسلامي مصري.
الجماعة الإسلامية_الحركة الإسلامية_التجديد












إن فاتك العلامة الدكتور سلمان العودة كعالم تتربى على يديه، فلا يفوتك هذا الملف الذي يتيح لك فرصة أن تتعلم من كلماته التالية التي وضعناها بين يديك.

ملف يسعى إلى الإجابة على كافة الأسئلة التي تدور في أذهان أولياء الأمور قبل بدء الدراسة من أول الاستعدادات لروتين اليوم الدراسي، وكيفية تقبل الالتزام به، ووسائل التغلب على ضعف التركيز والانتباه، وأفضل ...




