أون إسلام.نت

استشارات :

استشرافا: 3 مسارات لأداء القوى الإسلامية

أرسل لصديقك طباعة
(1 تصويت, متوسط 5.00 من 5)
استشرافا: 3 مسارات لأداء القوى الإسلامية
الحلقة الخامسة من تقييم الأداء السياسي للقوى الإسلاسلامية
العلاقة بين الميدان والبرلمان لابد وأن تظل قائمة ومتكاملة
نادية مصطفى06_01_2011
أ.د. نادية مصطفى
أ.د. نادية مصطفى
بعد عامٍ من الثورة: خلاصة القول –وعشية افتتاح البرلمان، وفي أثناء انتظارنا 25يناير2012- علينا أن نفكر في أداء القوى إسلامية وغيرها على ثلاثة مسارات، هي: المسار الآني، والمسار الوسيط، والمسار البعيد (مراحل استكمال بناء المؤسسات، واستكمال اقتلاع جذور النظام السابق، وإدارة الأزمة الحالية، والتخطيط الاستراتيجي لتغيير حضاري).
أولا: المسار الآني (2012)
1-    العلاقة مع الميدان، وخاصةً مطالب القصاص ممن أفسدوا مصر وممن أوقعوا الشهداء والمصابين.
2-    العلاقة مع الأهل، حيث كيفية الاستجابة لثورة التوقعات من البرلمان وإنجازه المأمول والسريع من أجل تحسين أحوال الناس، في ظل المتوافر من الإمكانيات والموارد، (إدارة الأزمة الأمنية والاقتصادية الراهنة).
3-    اختيار اللجنة التأسيسية لوضع الدستور وموضع المجلس العسكري من هذا الدستور بل ومضمون هذا الدستور كله.
4-    قانون انتخابات الرئاسة ومطالب التبكير بهذه الانتخابات قبل أو بالتزامن مع الدستور.
وإذا كانت المرحلة الانتقالية حتى الآن، قد بينت أن القوى الإسلامية: هي قوى ثورية وطنية ومستقلة وديمقراطية، وربما على نحوٍ أكثر مما تدعيه لنفسها بعض روافد العلمانية المغالية والمتطرفة والمتشددة والاختزالية في فهمها للديمقراطية، فسيظل على القوى الإسلامية المتجددة وبتفاعل مع الروافد الليبرالية واليسارية الوطنية مسئولية تقديم مشروع نهوض حضاري يرتكز على مفاهيم عمرانية للعدالة الاجتماعية والحرية والاستقلال الوطني مقارنة بمفاهيم اليسار والليبرالية التقليدية الوافدة من الخارج، التي لم تثبت فعاليتها في إدارة شئون مصر طيلة نصف قرن على التوالي.
ثانيا: المسار الوسيط
الخبرة السياسية والمجتمعية للمرحلة الانتقالية ستكتمل بانتخابات الرئاسة ووضع الدستور بإذن الله، ولابد وأن تقود هذه الخبرة إلى مراجعاتٍ فكرية ومؤسسية وحركية لدى جميع القوى الإسلامية، نتاج تفاعلها مع خبرات القوى الأخرى. كما أن القوى العلمانية بدورها في حاجة لمراجعة أزمة الليبرالية وأزمة اليسار بشقيها الاقتصادي والسياسي، وذلك في وقتٍ يمر به العالم بأزمة للنظام الرأسمالي العالمي، وللديمقراطية الليبرالية التمثيلية، بعد أن مر النظام الشيوعي بأزمته أيضًا.
ألم تكن أزمة ليبرالي مصر ويساريها انعكاسًا لهذه الأزمة على مستوى العالم؟ ألا يستدعي هذا الوضع المتأزم داخليًا ودوليًا مراجعة جادة للأسس الفكرية والخبرة العملية لتصبح التجربة القادمة لليبراليين واليساريين أكثر التصاقًا بالواقع الوطني؟
وفي المقابل، فإن الممارسة القادمة أمام القوى الإسلامية لا يجب أن تنخدع بأسباب الفوز في الانتخابات، فإن متطلبات الحكم والإدارة ليست هي متطلبات العملية السياسية كقوة معارضة وليست هي متطلبات العملية السياسية كقوة في السلطة.
ومن ثم، فإن القوى الإسلامية في حاجة أيضًا لمراجعة جادة على صفوف كل تيار منها وعن العلاقات بينها: وذلك من أجل دمقرطة هياكلها الداخلية وتجديد منظومات اجتهاداتها السياسية والمجتمعية. ولذا؛ على الجميع أن يشجع هذه المراجعات وهذه الحوارات على صعيد كل تيار وفيما بينها، وحذار أن تقع هذه المراجعات أسيرة أهواء المتحولين المهرولين لأية قوة تصل إلى السلطة والحكم.
ومن ناحية أخرى:
وعلى هذا المستوى الوسيط هناك حاجة لرد الاعتبار لمفهوم جديد للسياسة يتجه أكثر للناس والمدني والشعبي، ويخرج من إسار السياسي العلوي النخبوي الذي سيطر على المرحلة الانتقالية على حساب مصالح الناس واحتياجاتهم. وإذا كانت القوى الإسلامية قد فازت في الانتخابات بالناس، وإذا كان الثوار الذين فجروا ثورة 25 يناير قد حققوا أول مطالبهم بتحاضن الناس والأهل معهم، فعلى الجميع أن يدير الرؤوس جهة الناس، وكفى أما توظيف للناس في الانتخابات والمليونيات، أو كفى اتهام لهم بأنهم حزب الكنبة أو أصحاب المصالح الفئوية أو من قوى الثورة المضادة. فلقد آن الأوان لمصر الثورة أن تحرر "الناس" سواء بمرجعية ليبرالية أو يسارية أو إسلامية، أو فلنقل مرجعية وطنية حضارية تمثل جميع هذه التيارات روافد لها.
إن هذه المراجعات -على المسار الوسيط- ضرورية لتدعيم تيار الجماعة الوطنية الرئيسية الذي سيقود الثورة نحو إستراتيجية للتغيير الحضاري، بعد أن تكتمل مرحلة بناء المؤسسات الجديدة وإدارة الأزمة المستحكمة الحالية.
لذا؛ فإن المشهد السياسي الراهن في حاجة لمفهوم جديد للسياسة ولمفهوم جديد للديمقراطية، يجد جذوره في المرجعية الإسلامية للسياسة أي مفهوم القيام على الأمر لإصلاح الأمر، ومفهوم الديمقراطية التشاركية التداولية وليس مجرد الديمقراطية التمثيلية، مما يعنى الحاجة إلى دعم مدنية المجتمع وتمكينه من جهة وتحكيم منظومة قيم لتحديد الصالح، وكيفية تنفيذه من جهةٍ أخرى. فإذا كان الناس قد اختبروا أنفسهم في أول انتخابات، فإن الانتخابات ليست نهاية المطاف. وإذا كان الناس قد اختاروا القوى الإسلامية أملا في استقرار وأمن وكرامة وعدالة (وهي من قيم الإسلام)، فإن الأحزاب الإسلامية ستدخل اختبارًا ليس سهلا وهي تشارك في السلطة كأغلبية لا يرتهن الأمر بها بمفردها أو بقدر تعاون الآخرين معها من القوى السياسية فالأهم هم الناس والأهل وشباب الثورة.
وهنا، تبرز قوة العلاقة بين الميدان والبرلمان، فهي لابد وأن تظل قائمة ومتكاملة؛ لأن الثورة لم تحقق بعد أهدافها كاملة. وسيظل الميدان مصدرًا مهمًا وحيويًا للضغط المنظم والمستمر، وليس على المجلس العسكري فقط حتى يكمل تسليم السلطة للمدنيين، ولكن أيضًا على البرلمان وهو أول مؤسسات الثورة، ليحقق أهداف الثورة. وهنا تتجلى علاقة خاصة بين البرلمان (قبل انعقاده) وأغلبيته الإسلامية وبين الميدان، حيث يبدو في بعض الأحيان، أن الأخير لن يضغط فقط على البرلمان، ولكن يرفض رافد من المتظاهرين ذلك البرلمان. فهل سيستطيع البرلمان تجاوز هوامش الميدان التي قد تدفع إلى فوضى باسم الخوف على الثورة؟
فرغمًا عن عدم انجرار الحرية والعدالة والإخوان، وكذلك حزب النور والسلفيين وراء مطالب النزول المتكررة للميدان ضد المجلس العسكري وخاصةً في نوفمبر وديسمبر 2011، ورغمًا عن توجه هؤلاء جميعًا، للحافظ على الاستقرار "ولو بدافع الانتخابات"، ورغمًا أيضًا عن تعرضهم لهجوم شباب الثورة بل واتهامهم بعدم الثورية. إلا أن الإسلاميين يدركون أن تحقيق أهداف محبي المشروع الإسلامي الذين انتخبوهم (من غير السلفيين والإخوان) لن يتحقق إلا بتحقيق أهداف الثورة ولو بطريقة إصلاحية وليس راديكالية كما يريد روافد من شباب الثورة، كما يدركون أن الثورة تلك بشبابها وشعبها، هي التي فتحت الطريق أمام الممارسة السياسية الحرة لكل القوى وخاصةً القوى الإسلامية، ولم تكن الانتخابات نتاجًا لهذه الثورة فقط، ولكن أيضًا كانت الانتخابات نتاج حماية الإسلاميين لانعقادها وعدم التفاف العلمانيين على مسار الإعلان الدستوري بالدعوة إلى تأجيلها.
ثالثا: المسار البعيد
رد الاعتبار للمرجعية الإسلامية باعتبارها مرجعية للنهوض الحضاري وليست مرجعية "رجعية" منغلقة مضادة لحقوق الإنسان تولد جذور الإرهاب، أو تمهد لبيئة الاستبداد واستمرار الظلم الاجتماعي كما يحلو لغلاة العلمانية –في الداخل والخارج- وصفها:
• وهو النهوض الحضاري الذي يفترض: تفكيك علاقات الظلم الاجتماعي والسياسي الداخلي.
• وهو النهوض الذي يفترض التضافر بين أبعاد النهوض: التربوية، الاجتماعية، الثقافية مع أبعاد الاقتصاد والمال والسياسة. وذلك في إطار رؤية كلية شاملة تستهدف إعادة بناء الإنسان وفق منظومة حضارية تستدعي القيم والمصالح في تناغم وليس تضاد وتستأصل منظومة الفساد والاستبداد التي أمسكت بزمام المجتمع المصري وشوهت شبكة علاقاته التي تميز بها دائمًا.
• وهو النهوض الحضاري المبني على رؤية إستراتيجية عمرانية جديدة، تقوم على حوار وطني خلاق في ظل مراجعات الليبرالية واليسارية والإسلامية لتوليد مشروع وطني للتغيير الحضاري.
إن النجاح في رد الاعتبار للمرجعية الإسلامية كمرجعية للنهوض الحضاري ليس مرهونًا بعملٍ داخلي فقط، ولكن يستلزم عمل خارجي أيضًا يعيد ترتيب أولويات دوائر السياسة الخارجية المصرية، ابتداءً من الوطن العربي والإسلامي دعمًا للقدرة الذاتية وتحقيقًا لاستقلال الإرادة في مواجهة دائرة الغرب أو القوى الكبرى ومشاركةً في خدمة الإنسانية العالمية.
إن الصعود الإسلامي في مصر ليس بالضرورة أن يكون معاديًا للغرب، ولكن يجب أن يكون معاديًا للتبعية وللسياسات الغربية الظالمة, ومقاومتها لن تتم إلا بشبكة علاقات قومية وإسلامية ابتداء، تقتضي إعادة تشكيل التحالفات القائمة بتدعيم محاور: تركيا-مصر، الخرطوم- ليبيا –مصر، مصر- تركيا- الخليج، تركيا- إيران- مصر، وجميعها محاور متحاضنة متراحمة وليست متصارعة وجميعها تستهدف تفادي واحتواء إسرائيل من ناحية، ومن ناحية أخرى مواجهة علاقات التبعية للغرب اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا وبناء شراكات حقيقية وليس شكلية.
مصر_الثورة المصرية_القوى الإسلامية_التيار الإسلامي
الإعلانات