أون إسلام.نت

استشارات :

التنشئة الدينية وأثرها في الصحة النفسية

أرسل لصديقك طباعة
(4 تصويتات, متوسط 3.00 من 5)
التنشئة الدينية وأثرها في الصحة النفسية
طفلة جميلة تصلي
د. حنان طقش

تلعب الأسرة دورا هاما في تحقيق الأطفال معايير الصحة النفسية بصفتها مؤسسة الرعاية الأولى للطفل، أهما ذلك الدور الوقائي من الاضطرابات النفسية على نحو يضمن توفير جو أسري آمن، وعلاقات يسودها الود والوئام، تتطلب جميعها إتقان الوالدان مهارات الرعاية الوالدية. ولا شك في أن ذلك يتطلب استخدام مهارات التنشئة الاجتماعية الصحيحة للطفل حسب عمره وحالته الصحية والعقلية. كما أن للأسرة دورا أساسيا آخر في علاج مشكلات الأطفال ويشمل تحديد وتقييم مشكلات الطفل، بالإضافة إلى المشاركة الفعالة في برامج الإرشاد والعلاج النفسي التي تتطلبها خطط المعالجة النفسية أو السلوكية للطفل. فالصحة النفسية للطفل هي نتيجة شراكة بين المؤسسات المتعددة المتعاملة مع الطفل والمؤثرة فيه.( حمدي وآخرون،2004،42).

في تعريف الصحة النفسية

قدم المختصون تعريفات مختلفة للصحة النفسية. ويرى عبد الغفار(2007، 25) أن مفهوم الصحة النفسية يتطور بتطور الحياة؛ ذلك لأنه نسبي ومرتبط بالثقافة التي تحدد متطلبات الحياة وطرق الاستجابة لها. وللخروج من الاختلاف إلى المتفق عليه نعتمد تعريف منظمة الصحة العالمية (2005) للصحة النفسية بأنها "حالة من العافية التي يحقق فيها الفرد قدراته، وتمكنه من أن يتغلب على الإجهادات العادية في الحياة، ويمكن أن يعمل بإنتاجية مثمرة، ويكون قادرا على المساهمة في مجتمعه". وتتحقق الصحة النفسية من خلال التعليم والتربية كما ترى منظمة الصحة العالمية التي ركزت على أهمية بعد الوقاية النفسية لتجنب المشكلات النفسية مثل الإدمان والانتحار والاكتئاب لما تكلفه للمجتمعات من أعباء مالية واجتماعية"( تقرير منظمة الصحة العالمية،2005،14-15).

إطلالة على أهمية الصحة النفسية

يعرض اضطراب الصحة النفسية الصحة الجسدية للخطر. فكما يشير حجازي(2005) أن الخوف والقلق والتوتر من مسببات بعض الأمراض العضوية والتي قد تحدث تلفا عضويا في الأجهزة الخاضعة للجهاز العصبي مثل الجهاز الهضمي والتنفسي والدورة الدموية والقلب. ويعتبر العلاج النفسي من الضروريات لمعالجة تلك الأمراض. وتظهر بعض الأمراض الجسدية بشكل أوسع مع بعض الأمزجة المعينة أكثر منها نتيجة الجراثيم والالتهابات والعدوى والسموم ( حجازي،2005 ، 49، 51، 127).

ويعتبر وصول الفرد إلى مستوى مناسب من الصحة النفسية السليمة هدف التربية الأساسي بل أنها غاية المجتمع (عبد الغفار، 2008، 192). وتهدف الصحة النفسية إلى بناء شخصية سوية قادرة على التعامل مع صعوبات الحياة، وتمثل الوقاية أول مراحل تحقيق هذا الهدف ويقصد بها توظيف ما لدينا من معرفة في تحصين الأفراد ضد الضغوط النفسية والإدمان والإحباطات والصراعات لنحفظهم من الاضطراب أو اكتشاف الاضطرابات مبكرا وتقديم المساعدة والتخفيف من نتائجها السلبية. (سرحان، 2009، 12).

وتعد الوقاية النفسية أحد مناهج تحقيق الصحة النفسية. وتعرفها سهير كامل (2003، 9) بأنها الطريقة التي يسلكها الفرد مع نفسه ومع الآخرين حتى يقي نفسه والآخرين من الوقوع في حالة اضطراب نفسي.

ويدمج البعض بين المنهج الإنمائي والمنهج الوقائي لاشتراكهما في السعي لمنع وقوع الاضطرابات النفسية، ويرى زهران(1980، 38) بأن الإجراءات الوقائية النفسية تتضمن رعاية النمو النفسي، ونمو المهارات الأساسية والمساندة أثناء الفترات الحرجة والتنشئة الاجتماعية السليمة.

ولا يمكن أن تنجح البرامج الوقائية دون تعاون الوالدين فهما المسئولان عن تنشئة الطفل قبل سن المدرسة وحتى بعد دخول المدرسة يبقى للوالدين تأثير كبير إلى جانب باقي المؤسسات( زهران، 1980، 479).

ويصف زهران(1997) الشخص السوي نفسيا بأنه المحقق لمعايير الصحة النفسية ومن أمثلتها:

•    القدرة على حب الآخرين والرضا عن الذات.

•    القدرة على تبني وتنفيذ القيم الأخلاقية والروحية.

•    القدرة على مواجهة متطلبات الحياة.

•    قدرا مناسبا من المبادأة.

•    النجاح في إقامة علاقات اجتماعية فعالة مع الآخرين.

أما إبراهيم (1994، 15،16) فيرى أن أهم ما يميز المتمتع بالصحية النفسية فهي القدرة على تبني فلسفة عامة في الحياة؛ تسمح له بأن يتصرف بكفاءة ونجاح يتناسبان مع إمكانياته: أي يكون لدى الفرد مجموعة من التصورات والقيم والاتجاهات والمعتقدات الشخصية التي تساعد على حب الحياة والناس والذات وتحقيق السعادة والحياة الاجتماعية الفعالة.

وحذرت منظمة الصحة العالمية من ارتفاع معدلات الانتحار بين الشباب والمراهقين بين سكان العالم، وأكدت على ضرورة العمل للحدّ من ظاهرة الانتحار التي تودي بحياة نحو مليون منتحر في العالم سنوياً، وتتوقع المنظمة ارتفاع معدلات الانتحار بحلول 2020 بنسبة 50%، لتصل أعداد المنتحرين إلى مليون ونصف المليون سنوياً(موقع منظمة الصحة العالمية). ولن تنحسر هذه الظاهرة سوى من خلال تنشيط برامج الوقاية النفسية.

الوقاية النفسية.. مدخل

يعتمد التغلب على الإجهاد أو التعامل معه coping على مجموعة من المهارات والسلوكيات التي يتعلمها الفرد من الأسرة والخبرة الشخصية، ويبدأ الأطفال مبكرا محاولات التوافق مع البيئة رغم اختلاف الأساليب التي يستخدمونها عبر المراحل العمرية المختلفة. ويرى ألدوين (Aldwin) أن التحدي الحقيقي في مجال التعامل لا يكمن فقط في تحديد الطرق الصحية للتعامل الفعال وحل المشكلات بل أن المهمة الأفضل والأصعب هي الوصول لتحقيق بعد الوقاية ومنع حدوث المشكلات (Aldwin 1994، 230، 271).

ويفرض الحديث عن الصحة والوقاية النفسية اهتماما بأسباب الاضطرابات النفسية. ويرى سرحان(2009) أنه يصعب في الاضطرابات النفسية تحديد سبب واحد لحدوثها؛ لأن هناك تفاعلا معقدا بين عوالم بيولوجية ونفسية، بالاضافة الى الاستعداد الشخصي وكذلك الصراعات المبكرة التي تبدأ في الطفولة وتستمر إلى الرشد، فضلا عن الضغوط البيئية التي قد تفجر اضطرابا شديد. ورغم تعقد الأسباب إلا أنه من المتفق عليه أن الوقاية الفاعلة في الطفولة تؤدي إلى صحة أفضل في الحياة البالغة وأن التدخلات الإنسانية تأتي بنتائج إيجابية( سرحان، 2009، 463).

وتفيد برامج الوقاية النفسية في الحد من أثر الأسباب النفسية للاضطرابات التي يلخصها زهران (1997، 115-121) بأنها الصراع، والإحباط، والحرمان، وفشل حيل الدفاع النفسي، والخبرات الصادمة، والعادات غير الصحية، والإعداد غير الكافي للمراهقة والشباب والشيخوخة، والضغوط النفسية، والإطار المرجعي الخاطئ، ومفهوم الذات السالب.

وإن كنا لا نستطيع التحكم في - ولا ضبط - عوامل الوراثة والأزمات؛ يبقى علينا التركيز على أساليب التنشئة الصحيحة وتعليم أساليب التعامل مع الأزمات؛ لنقي الأفراد من الاضطرابات النفسية.

الأسرة والتنشئة والدين كإطار وقائي

وتنشئة الأطفال مهمة مناط بالأسرة القيام بها. وينبغي عليها الحرص أن تشمل الجوانب المادية والنفسية والاجتماعية للطفل. والتنشئة الدينية أحد أبعاد هذه المهمة وعلى الأسرة أن تدرك أهمية هذا البعد في تربيتها للنشء، وأن تعمل على تفعيل عناصر الدين، فلا تنقل لهم مجموعة من العبادات أو الطقوس تنفذ دون معنى أو روح، ساعية الأسرة في ذلك لأن تعلم أبنائها طرقا وأساليب وقناعات تساعدهم على تجنب ومقاومة أسباب الاضطرابات النفسية، وعلى تحقيق معايير الصحة النفسية. ذلك أن العاجز عن حل صراعاته أو تحمل احباطات الحياة وصدماتها، وغير القادر على إيجاد بدائل في مواجهتها ستكون فرص عطاءه للمجتمع محدودة.

ويشير الشريفين(2010، 16) إلى وجهة نظر خليل، عماد الدين( 1983) بأن علم النفس والمعرفة الإنسانية بشكل عام ليست سوى علما احتماليا ينطوي على الخطأ والصواب والحق والباطل، ولن ينقذها من هذا المصير سوى جعلها تصدر عن مصدر يقيني. والتأصيل الإسلامي لعلم النفس يجعل هذا العلم يصدر عن مصدر يقيني ويقدم علما يقينا وليس احتماليا.

ويولي المرشدون اهتماما كبيرا إلى دور الوقاية الدينية من الاضطراب النفسي أو ما يطلق عليه التحصين النفسي الديني. ويخلص زهران( 1998 ) إلى أن الدين وسيلة لتحقيق الإيمان والأمان والسلام النفسي، وهو هبة من الله لخير الإنسان؛ يعينه على الحياة السوية. والإرشاد النفسي الديني يحقق الهدف المطلوب وهو النفس المطمئنة التي توافق بين النفس الأمارة بالسوء وبين النفس اللوامة وتنمية البصيرة (زهران، 1998 ، 363).

وقد توصل شاتير(Chatters, 2000) بعد دراسته لدور القناعات الدينية كعامل وقاية إلى أن المؤسسات الدينية تقدم عادة تقييما إيجابيا للنفس البشرية والذات، كما تقدم وسيلة لتشكيل سلوكيات وقائية تقلل من المخاطر الصحية. ويضيف بأن حضور الاجتماعات الدينية والقناعة الدينية والعبادات تؤدي إلى تغيير إدراك تحديات الحياة، وإلى تقوية التوافق النفسي والشعور بالرضا.

ويضيف ماينراد وآخرون ((Maynard et al. 2001 أن مفهوم الله الذي يتكون من خلال التعليم والتدريب والخبرات الشخصية مؤثر في اختيار واستخدام الأفراد لاستراتجيات التعامل. ويؤكد بارجمنت وآخرون (et al. 1998 Pargament) أن استخدام إستراتيجات التعامل الديني الإيجابية مثل طلب المساندة الروحية، والتسامح، والصلاة ارتبطت بتراجع الشكاوى السيكوسوماتية وزيادة النمو النفسي والروحي.

ويعتبر العلاج بالصلاة والدعاء مفيدا في تقليل التوتر عند يقينك بوجود قوة قادرة على تحقيق الشفاء (حجازي،2005 ، 127).

ومن الاضطرابات النفسية المنتشرة والمؤثرة على المجتمعات في الوقت الحالي القلق والاكتئاب. وهما من الأمراض التي أظهرت الدراسات الأثر الإيجابي للدين والتدين في التعامل معها. ويورد حامد زهران(1999) عرضا لمراحل النمو الديني وتطبيقات مناسبة لتحقيق نموا سليما.

التربية الإسلامية هي التصرفات العملية أو القولية المستضيئة بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة؛ والاجتهاد في ضوئهما؛ لتحقيق الغايات التي حددها الإسلام لنمو وسعادة المسلم وغيره في الحياة الدنيا والآخرة ( حجازي، 2008، 24).

التنشئة الاجتماعية في الإسلام نظام متكامل شمل جميع جوانب الفرد الإيمانية والجمسية والاجتماعية والعقلية والنفسية والأخلاقية بصورة متوازنة بحيث لا يطغى جانب على آخر لتحقيق سعادة الإنسان ( علي، 2009، 156،152).

ويوضح جراجرة (1988) أسبقية الإسلام على العلوم المعاصرة في الاهتمام بالطفل وتفهم سكيولوجيته قبل علماء العصور الحديثة وضرورة رعايته نفسيا وجسديا ومراعاة خصوصية مراحل نموه.

ويتضمن الدين الإسلامي مصادر هامة للتنشئة الاجتماعية تهدف إلى تعديل الاتجاهات وغرس القيم الفاضلة. ومما لا شك فيه أن لهذه القيم أثر كبير في حياة الفرد لأنها تنظم حياته وتمده بمجموعة من المعايير توجه سلوكه الشخصي والاجتماعي. كما أنها تزوده بطاقات وجدانية تساعده على تقبل صعوبات الحياة والخروج من أزماتها (علي، 2009، 198).

الأساليب التي تتجه إلى تعديل قيمنا وأساليبنا الفكرية والمعرفية الخاطئة تفيد أكبر فائدة في الاضطرابات التي تكون الأعراض فيها متجهة نحو الذات مثل الاكتئاب. ويمكن بذل المزيد من الجهد لتعليم الوالدين أساليب مناسبة للتنشئة وخلق مناخ وقائي يؤدي إلى التخفف من الضغوط المرتبطة بجو العمل عن طريق الإرشاد والتوجيه ونشر الثقافة (ابراهيم، 1994، 103، 104).

وتساعد الوقاية في التعامل مع مشكلات عدم الشعور بالأمن التي تشمل الخوف والقلق ونقص الثقة بالنفس والاكتئاب والحساسية الزائدة للنقد والخجل. وتساعد المواجهة المبكرة والتربية في جعل الأطفال يألفون المواقف التي قد تتحول إلى مخيفة، وهناك أدلة أن بإمكان الأهل مع قليل من التوجيه من المختصين حل العديد من مشكلات أبنائهم السلوكية بنجاح (حمدي وداوود 2008، 17، 116).

ومن بين المعرفة المتوفرة وغير المفعلة في أساليب التنشئة البرنامج المشروح في القرآن الكريم في سورة لقمان والذي يشمل النواحي المعرفية والسلوكية ضمن أبعاد محددة هي توحيد الله تعالى، وبر الوالدين، وأهمية العبادة، والإيجابية، وفهم حقيقة الدنيا، والذوق والأدب، والتخطيط للحياة.

يعتمد الدين الإسلامي على مجموعة من الثوابت؛ منها أركان الإيمان: وهي الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره. ونجد في رحاب كل منها تربية نفسية إن أحسن شرح هدفها والتدريب عليها. ويؤدي الالتزام بها إلى تشكيل فلسفة عامة تقينا الاضطرابات النفسية. وتطبيق هذه القناعات يزيد الصلابة النفسية كما تؤكد النظرية المعرفية التي تقوم على أساس أن السلوك تابع للأفكار؛ حيث تؤثر أفكارنا تجاه الأحداث على مشاعرنا العالم الخارجي وتغير سلوكنا (Ellis,2001).

يساعد البرنامج المقترح في تدبر أركان الإيمان في الوقاية من بعض أسباب الاضطرابات النفسية؛ مثل: الصراع: وهو تعرض الفرد لقوى متساوية تدفعه في وجهات متعددة بحيث يصبح عاجزا عن اختيار وجهة معينة. ويشعر الفرد في مثل هذا الموقف بالضيق والتوتر لعجزه عن الاختيار ( عبدالغفار، 90، 99، 74)، والإحباط: الذي هو حالة انفعالية تشمل التوتر والقلق تنتج عن مواجهة الفرد عائقا أو عقبة تحول بينه وبين إشباع دافع أو أكثر، والقلق والذي هو خبرة انفعالية غير سارة يعاني منها الفرد عندما يشعر بخوف أو تهديد من شيء دون أن يستطيع تحديده تحديدا واضحا.

وفي حين تؤيد البحوث نجاح وأثر النظرية المعرفية في التخلص من الاضطرابات النفسية يسبق القرآن المعرفة البشرية بإعلائه قيمة العقل وتمييز أهله عن غيرهم؛ حين قصر سبحانه وتعالى الانتفاع بالذكر والموعظة على أصحاب العقول، فقال عز وجل: {وما يذكر إلا أولوا الألباب} [البقرة: 269]. ‏وقال عز وجل: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} [يوسف: 111] وغيرها من الآيات.

أركان الإيمان كما ورد ذكرها في القرآن الكريم هي:

•    ما ورد في سورة النساء الآية 136 " يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ۚ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا"

•    ما ورد في سورة البقرة الأية 283" آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ"

•    ما ورد في سورة البقرة الآية 177" ‏ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ". ‎‎ ‎‎

•    وقوله عليه الصلاة والسلام حين سئل ما الإيمان" أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره . ‏

وفيما يلي شرح وتوظيف لكل ركن من أركان الإيمان:

الإيمان بالله وأثره النفسي:

للإنسان حاجة أساسية للانتماء والشعور بالأمن والطمأنينة ويمثل الإيمان وسيلة لإشباعها ولذلك نرى تعدد القناعات الدينية وثبات وجودها وتأثيرها في الناس.

وصيغة الإيمان بالله في الإسلام هي أشهد أن لا إله إلا الله فهو إيمان بوحدانية الله المطلقة. يؤكد هذا الإيمان أن الإنسان ليس عبدا لكائن مادي ولا يوجد شركاء ولا شفعاء ولا وسطاء بين العبد وخالقه وهو أمر يبعث راحة في النفس ويحررها من عبء القلق. الإيمان بالله يقوي في النفس مراقبته وتتولد لديه الإرداة الذاتية في السيطرة على النفس ونزعات الهوى فينصلح الفرد من داخله ويقيم لأموره ميزانا من عقديته وضميره فلا يضل ولا ينحرف ولا يشقى لاعتقاده الجازم بأن عين الله ترقبه وتراه.

والصغار قابلون للتلقين لذا يجب البدء بتلقينهم وحدانية الله والشهادة ثم التوصل معهم لتأكيد هذا الإيمان بالعقل من خلال تدبر أنواع الخلق التي يراها الطفل كالزهرة والسماء والأرض وغيرها من المخلوقات ليستنتج ذهنيا ويستدل عقليا على الخالق الله سبحانه (علوان، 1994، 647، 642).

اهتم الإسلام بالتربية الوجدانية والانفعالية للفرد ودعاه للتخلص من التعلق بغير الله خالق كل شيء أو الخضوع لغيره بجعله المعبود واحد لا إله إلا هو، كما اهتم الإسلام بإشباع الحاجة للآمان؛ حيث يقول تعالى: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" }سورة الرعد، 28{ والحاجة للانتماء والولاء بقوله تعالى: "الله ولي الذين أمنوا" }سورة البقرة، 257{ وقوله تعالى: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض" }سورة التوبة، 71{ (الفندي، 2003، 143).

تتفق الدراسات على حاجة الأطفال لتكوين علاقة ارتباط وثيقة بمصدر رعاية ثابت فإن نجحت تشكل لديهم الارتباط الآمن الذي يمهد لتكوين شخصية سوية بعيدة عن القلق والخوف والعدوان بينما يؤدي غياب هذا الارتباط الآمن إلى الاضطرابات، وليس من بديل أفضل لإشباع هذه الحاجة من التعلق بالله والاعتماد على وجوده الدائم.

الإيمان بالملائكة:

أما الإيمان بالملائكة فهو يضفي علينا شعورا بالأمان كما في سورة الأنعام، الآية: 16: "وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ". فأنت لست وحدك بل خاضع لقدرة الله عليك وهناك من يرعاك بأمر الله.

والتدريب على الإيمان بالغيبات يعين الإنسان في تقبل حدود قدراته. فهو من البداية أقر بتواضع أدوات معرفته، واقتصار تحصيلها على النواحي المادية. وقبوله واعترافه بوجود حالات لا يستطيع التعامل معها كباقي الأمور المادية يعلمه خلق التواضع ويتجنب بذلك الوقوع في براثن الاحباط كلما واجه طريقا مسدودا لا يستطيع النفاذ خلاله كما اعتاد في باقي حالاته ومجريات حياته.

واستباق المعرفة بحدود القدرة يعدنا لقبولها. وقد دربنا رب العالمين على هذا من خلال فرض ضرورة الإيمان بوجود خلق لا ندركه وهم الملائكة وصفهم لنا كمخلوقات نورانية، واكتفى بذكر بعض صفاتهم بأنهم أولو أجنحة، ولا يعصون الله، ولهم وظائف منها حمل العرش، ورسل النصر حفظة النفوس والكتبة والموكلون بقبض الأوراح ومنهم الموكلون بأمر الجنة والنار وعاد فأكد في كتابه الكريم في الآية: 85 من سورة الإسراء: "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا".

الإيمان بالرسل والكتب:

وهذا الدرب من دروب الإيمان يخدم هدفان نفسيان؛ الأول هو: التحقق من رعاية الله للبشر منذ خلقهم وإن تعددت الرسل والكتب. أما الأمر الثاني فهو: تعلم احترام الآخرين في الحياة ليتحقق الانسجام في المجتمعات وتتيسر قنوات الاتصال والدعوة إلى إتباع كلمة الله النهائية للبشر الموجودة في القرآن الكريم.

من عناصر التنشئة الدينية الهامة تعليم الصغار احترام معتقدات وقناعات الآخرين كما في الآية الكريمة: 46 من سورة العنكبوت: "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ".

ويوضح الإسلام حقوق غير المسلمين في المجتمع بأنها الوفاء له بالعهود واحترام ديانته وحسن معاملته ومعاشرته كما ورد في سورة الممتحنة آية: 8 "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ".

يضفي الإيمان بوجود الله وملائكته ورسله شعور بالآمان على الإنسان ويمثل إشباع حقيقي لحاجته للارتباط بمن يقدم له الرعاية والحماية فإن كان البشر يذهبون ويسيئون فإن الله رحمن رحيم كررها في كل سورة من سور القرآن الكريم، ومن أسمائه الحي القيوم.

ولإضفاء بعدا واقعيا للاتصال بالله بعث الله لنا الرسل من البشر ليسهل علينا التواصل معهم والاقتداء بهم. ففي سورة الأنعام آية: 8 و9 يقول تعالى: "وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ".

الإيمان باليوم الآخر:

أما الإيمان باليوم الآخر فهو يساعدنا في التعامل مع ما يواجهنا من ظلم وقصور وعجز في الوصول لأحلامنا ورغباتنا بأنها لن تنسى ولن تضيع الحقوق بل هناك يوما للحساب فلا تبتئس.

الإيمان بالقدر خيره وشره

والإيمان بالقدر خيره وشره يساعدنا في مواجهة الإحباط وتجاوزه دون الوقوع في فخ تدني مفهوم الذات أو الاكتئاب أو لوم الذات. فما يجري علينا في حياتنا هو جزء من أقدارنا، ولأننا لا نعرف ما هو مقدر؛ ينبغي علينا بذل كل طاقتنا والسعي ما استطعنا. ولكن إن لم تتحقق مطالبنا فليس لأننا لم نحاول أو لم نكن ايجابين ولكن لان ما نريد لم يكن قدرنا.

وتؤكد الدراسات أثر التوقعات المستقبلية في أساليب تعامل الأفراد مع هذه الصعوبات عند ظهورها كما تؤثر على نجاح التعامل معها انفعاليا واجتماعيا. (carver & cheier، 1999،(200، وهذا ما يضمنه بعد الإيمان بالقدر خيره وشره فهو يعد الإنسان نفسيا وانفعاليا لتوقع الصعوبات والاستعداد والتخطيط لكيفية التعامل معها.

وهكذا نرى أن أركان الإيمان هي أسس لتربية نفسية قوية سهلة وبسيطة في ذات الوقت وتقدم وقائة من الاضطرابات.

ويمكن تطبيق هذا النموذج من التعليم من قبل الوالدين أو المدرسين والمرشدين النفسيين، ويعتبر التعليم بالنموذج من أفضل الأساليب، وفي التربية الدينية والخلقية لنا نموذج نقتدي به وهو المربي الأول الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، وورد في سورة الأحزاب الآية: 21 "لقد كان لكم في رسول الله قدوة حسنة". وبالنسبة للطفل يمثل الوالدان أول نموذج يدركه. ويشير علوان (1994) إلى أن التراث الإسلامي يقدم نماذج للتربية بالقدوة والتربية بالموعظة والتربية بالعادة والتربية بالملاحظة، ويقدم العديد من أمثلة القرآن والسنة النبوية في تطبيق هذه الأساليب التربية (علوان، 1994، 606-690).

ويمكن أن تتناول واجبات القراءة في البرنامج الإطلاع على معاني أسماء الله الحسنى حيث تثبت العقيدة ويحسن التوكل عليه.

===

 

المراجع:

•    القرآن الكريم.
1-    ابراهيم، عبد الستار(1994). العلاج النفسي السلوكي المعرفي الحديث: أساليبه وميادين تطبيقه. القاهرة: دار الفجر.
2-    الجراجرة، عيسى(1988). ريادة الإسلام في تفهم خصوصية عالم الأطفال وفي تقرير وتطبيق حقوقهم الخاصة في الرعاية والتربية. عمان: دار ابن الرشد.
3-    حجازي، أحمد. (2009). المناعة النفسية العصبية: طب العقل والجسم. عمان: دار جليس الزمان.
4-    حجازي، عبد الرحمن(2008). التربية الإسلامية بين الأصالة والحداثة. بيروت: المكتبة العصرية.
5-    حمدي، نزيه، داود، نسيمة(2008). مشكلات الأطفال والمراهقين وأساليب المساعدة فيها. عمان: دار الفكر.
6-    زهران، حامد(1997). الصحة النفسية والعلاج النفسي. ط 3. القاهرة: عالم الكتب.
7-    زهران، حامد(1998). التوجيه والإرشاد النفسي. ط 3. القاهرة: عالم الكتب.
8-    سرحان، وليد(2009). الصحة النفسية. عمان: منشورات جامعة القدس المفتوحة.
9-    الشريفين، عماد(2010). نحو بناء نظرية إسلامية في النمو الإنساني. عمان: عماد الدين للنشر والتوزيع.
10-    صحيح مسلم http://www.al-eman.com/hadeeth/viewchp.asp?BID=1&CID=4&SW
11-    عبد الغفار، عبد السلام(2007).مقدمة في الصحة النفسية. عمان: دار الفكر.
12-    علوان، عبد الله( 1994). تربية الأولاد في الإسلام: ج 1، 2. ط 24، القاهرة: دار السلام.
13-    علي، منذر إبراهيم(2009).دراسات في ماهية التنشئة الاجتماعية. عمان: دار الفكر.
14-    الفندي، عبد السلام(2003). تربية الطفل في الإسلام: أطوارها، وأثارها، وثمارها. عمان: دار الرازي.
15-    كامل، سهير(2003). التوجيه والإرشاد النفسي للصغار. الإسكندرية: مركز الإسكندرية للكتاب.
16-    الكسواني، عبد الله.(2008). الموجز في شرح أركان الإسلام والإيمان. عمان: ورثة المؤلف.
17-    زهران حامد(1999). علم النفس النمو الطفولة والمراهقة. ط 5، القاهرة: عالم الكتب.
18-    منظمة الصحة العالمية(2005). تعزيز الصحة النفسية، تقرير منظمة الصحة النفسية وتعاطي العقاقير والمواد بالتعاون مع جامعة ملبورن ومؤسسة فكتوريا لتعزيز الصحة. المكتب الإقليمي لشرق المتوسط: القاهرة.

19-    Aldwin، Carolyn M. (1994). Stress،Coping and Development: An Integrative Perspective. New York، The Guilford Press.
20-    Carver، Charles،Scheier،Michael.(1999). Optimism in Coping the psychology of what works. Snyder،C., R. editor. Oxford: Oxford University press.
21-    Chatters, L. M. (2000). Religion and health: Public Health research and practice. Annual Review of Public Health, 21, 335–367.
22-    Ellis، Albert(2001). Overcoming Destructive Beliefs، Feelings، and Behaviours. New York: Prometheus Books.
23-    Maynard, E. A., Gorsuch, R. L., & Bjorck, J. P. (2001). Religious coping style, concept of God, and personal religious variables in threat, loss, and challenge situations. Journal for the Scientific Study of Religion,40, 65–74.
24-    Pargament, K. I., Smith, B. W., Koenig, H. G., & Perez, L. (1998). Patterns of positive and negative religious coping with major life stressors. Journal for the Scientific Study of Religion, 37, 71–724.

د. حنان محمود طقش: أستاذ مساعد الطب النفسي، بكلية الملكة رانيا للطفولة، بالجامعة الهاشمية، الأردن.
قدمت الكاتبة هذا البحث إلى مؤتمر الأديان، في محور: دور الأسرة في تنشئة الجيل الجديد من منظور ديني، بعنوان: التنشئة الدينية وأثرها في الصحة النفسية.. برنامج إرشاد نفسي مقترح.
الإعلانات