أون إسلام.نت

استشارات :

محمد عمارة.. مفكر تجاوز الثنائيات

أرسل لصديقك طباعة
(3 تصويتات, متوسط 5.00 من 5)
محمد عمارة.. مفكر تجاوز الثنائيات
محمد عمارة_22_09_2010
بلال مؤمن
هو المفكر الإسلامي الكبير الدكتور محمد عمارة مصطفى عمارة، ولد في الثامن من ديسمبر عام 1931 بإحدى قرى مركز قلين محافظة كفر الشيخ حيث حفظ القرآن وجوده في كتاب القرية، حصل على ليسانس اللغة العربية والعلوم الإسلامية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة عام 1965، ثم حصل على درجة الماجستير في الفلسفة الإسلامية من نفس الجامعة عام1970م، ثم حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية عام1975م.
حصل على العديد من الجوائز والأوسمة والشهادات التقديرية والدروع، منها جائزة جمعية أصدقاء الكتاب عام 1972م، وجائزة الدولة التشجيعية عام 1976م، وهو عضو مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة، وعضو المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
كان لولادة عمارة في فترة من أحرج مراحل التاريخ الإسلامي على وجه العموم والتاريخ المصري بوجه خاص دورها في تشكل وتكوين أفقه الفكري والمعرفي، فهذا التاريخ عالميا هو فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية،وما ارتبط بذلك من أحداث على ساحة السياسة العالمية مثل طرح ما عرف بوعد بلفور ليهود أوروبا بإقامة دولة لليهود في الأراضي الفلسطينية وسقوط دولة الخلافة الإسلامية، وظهور العديد من الفلسفات الشمولية كالشيوعية في بلاد الروس والفاشية في إيطاليا والنازية في ألمانيا.
أما عن الشأن الداخلي فهي مرحلة من التاريخ المصري شهدت زخما سياسيا غير اعتيادي، دار حول الاحتلال الإنجليزي ومطالب الاستقلال والصراع مع القصر الملكي، وظهور العديد من التيارات والأحزاب السياسية ذات التوجهات الأيدلوجية المختلفة.
كان هذا كله عاملا حاسما أثر في نشأة عمارة، وتشكل دائرة اهتمامه، لذلك نجد أن نتاجه الفكري الأول كان عبارة عن مقالة له نشرتها صحيفة "مصر الفتاة" بعنوان "جهاد عن فلسطين"، ويحكي لنا عمارة قصة تكوينه فيقول بأنه دخل المعهد الأزهري سنة خمس وأربعين ميلاديا وقد بدأت عيناه تتفتحان على الحركة الوطنية ومطالب التحرر والاستقلال، وأنه في عام 1946م شارك في المظاهرات ضد معاهدة صدقي مع إنجلترا، وقد فتح العمل السياسي عينه على أهمية القراءة وأهمية تنوعها، فانضم إلى حزب مصر الفتاة، وبدأ في قراءة الفكر الغربي.
يعرف عن عمارة أنه بدأ حياته الفكرية ماركسيا تستهويه نظريتا المادية الجدلية والمادية التاريخية في تفسير التاريخ ورصد حركة التحولات الاجتماعية في المجتمعات، وربما كان تركيز الماركسية على فكرة العدالة الاجتماعية وتلاقيها مع الفكر الإسلامي بالإضافة إلى ما كان يشعر به عمارة من حالة الظلم والفساد الاجتماعي بطبيعة حال الفترة التي نتحدث عنها هو ما استمال عمارة للتأثر بالفكر الماركسي.
التكون الثقافي والمعرفي
ربما يكون العامل الحاسم في تكون عمارة المعرفي هو ما جمعه في شخصيته ونسيجه الفكري بين الثقافة الإسلامية الأصولية التي ترتبت على نشأته الريفية البسيطة وحفظه القرآن في كتاب القرية ثم تعليمه الأزهري، والثقافة الغربية التي نشأت عن احتكاكه بالنظريات الفكرية الوافدة من بلاد الغرب كالماركسية أثناء اشتغاله بالعمل السياسي ثم في بعثته-كما يحلو له أن يسميها إلى تيارات الفكر اليساري ربما لأن العود عنها كان في نظره حتميا.
هذا التنوع في الموارد المعرفية هو ما مكنه من أن يكون مثقفا موضوعيا منهجيا يملك زمام أدواته ولا يبهره ما يضفيه بعض دعاة التغريب حول نظريات الفكر الغربي من هالات، وهو ما كفل له الحفظ من أن يكون المثقف الذي يلم بتراثه الإسلامي إلماما تاما فإذا ما ذكرت له بعض رؤى الثقافة الغربية لا يستطيع أن ينبس بكلمة ولا أن يدفع عن دينه تهمة، ولا بالمستغرب الذي يحصي تراث الغرب إحصاء ثم لا يعرف عن ثقافته وتراث أمته المعرفي شيئا، فكلاهما في نظر عمارة مذموم ومعيب.
ويذكر عمارة أنه عندما شعر بأهمية القراءة وأهمية الكتاب بدأ في تكوين مكتبته الخاصة، حتى أصبحت مكتبته تضم أربعة آلاف مجلد شملت ضمن ما شملت مجلة "الأزهر" كاملة ومجلة "العروة الوثقى" من النسخة الأصلية التي أصدرها الأفغاني ومحمد عبده، ومجلة "الرسالة" والكثير من عيون الفكر الإسلامي شعرا وأدبا وتاريخا وفقها وحديثا...إلخ؛ وحفظ العديد من دواوين الشعراء كالمتنبي، وسقط الزند للمعري، وغير ذلك من الرسائل والكتب.
معالم المشروع عند عمارة
آلى عمارة على نفسه أن يهب وقته وجهده لمشروعه الفكري فلم يشأ أن يلتحق بسلك التدريس في الوظائف والجامعات، وإنما أوقف نفسه على إقامة مشروعه، أما فحوى هذا المشروع فيخبرنا عمارة بأن هاجسه تكوين عقل عربي ومسلم أصولي، بالمعنى الأصلي لكلمة "أصولي"؛ أي العودة إلى المنابع النقية والجوهرية لهذا الدين ولهذه الأمة.. عقلٌ يفقه الأحكام ويفقه الواقع، ويعقد القران بينهما.. فعمارة يعتقد أن مشكلة أمتنا الإسلامية أننا لدينا من يفقه الأحكام لكنهم لا يفقهون واقعهم، ولدينا من يفقهون واقعهم لكنهم لا يفقهون تراثهم ولا يفقهون تراث أمتهم ولا يفقهون دينهم، ولدينا من يفصلون بين فقه الواقع وفقه الأحكام.
ومن هنا كان اهتمام عمارة الأول في مشروعه الفكري أن يبعث تراث علماء وقادة ورواد اليقظة الإسلامية الحديثة، وأن يختار من تراثنا القديم النصوص والشخصيات التي قدمت عطاء لا يزال صالحا للبناء عليه في العصر الحاضر بحيث يمثل نقطة انطلاق للنهضة الإسلامية المنشودة، فكل ما يأمله عمارة أن يزيل هذا الفصام وتلك القطيعة بين أصولنا الحضارية والواقع الذي نحياه والمستقبل الذي نأمله.
ليس عمارة من الذين يتبنون ثقافة الإقصاء، وإنما كان دائما محاورا أصيلا يضمن لخصمه حق البقاء والاختلاف، وهو لا يرى في ذلك تفردا وإبداعا منه أو خلقا على غير مثال، وإنما هي في نظره منهجية إسلامية أصيلة وتقليد لمنهجية القرآن في استدعاء ما لدى الآخر من الآراء، ويؤاخذهم بالحجة ويطالبهم بالبرهان "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" ثم لا يجتز القرآن أقوالهم من نصوصه بل تبقى أقوالهم قرآنا نتعبد به، وإذا كانت الأوساط الفكرية والاجتماعية العربية والإسلامية تزخر الآن بالعديد من التيارات الفكرية ذات المرجعيات غير الإسلامية فسبيلنا ليس أن نقصيها أو ننفيها وإنما أن نحاورها ونحاول رؤيتها في ضوء القرآن، وأن نرى القرآن في ضوئها.
فبين المدارس الإسلامية المتعددة ينتمي عمارة إلى المدرسة الوسطية ويعرفها بأنها الوسطية التي تجمع بين عناصر العدل والحق من الجبهات المتقابلة فتجمع حسناتهم وتتجاوز أخطاءهم في مركب جديد يتجاوز الثنائيات، ولا يزال ما يميز مشروع عمارة هو دفاعه القوي عن وحدة الصف الإسلامي، والدفاع عن المنظومة الدينية سواء على مستوى الشريعة أو العقيدة ومحاولة تجديد الخطاب الفقهي والديني، وتدعيم شرعية الدين الإسلامي كفلسفة للحياة ضد من يحاولون سلبه تلك المشروعية من اتجاهات علمانية معاصرة، فأهمية الوسطية تنبع في نظر عمارة من أنها تدفع صاحبها دائما إلى أن يحارب في جبهتين جبهة الغلو الديني وجبهة الغلو اللاديني، لأن الوسطية تنفي الغلو بمختلف أشكاله.
فالمسلم المعاصر كما يوضح عمارة يتجاذبه اتجاهان متصارعان أولهما علماني بدعوى العقلانية، والآخر رجعي بدعوى الأصولية والسلفية، وليس للعقلانية عيب في ذاتها، كما ليس للأصولية والسلفية جرم في عينها، ولكن المسألة أننا أمة تميز موروثها الثقافي بعقلانية نابعة من النقل، فمعجزة الإسلام العقلية أنه جاء ليدفع الإنسانية للاحتكام إلى العقل وليس ليدهش العقل بالمعجزات المادية كما في الديانات السابقة.
يرى عمارة أن السلفية ليست عيبا في ذاتها، ولكنه يتساءل أية سلفية من التاريخ الإسلامي نستدعي، عصور العلم والحضارة أم سلفية عصور الانحطاط، فعيب هذه الاتجاهات أنها تستدعي سلفية عصور الانحطاط والجمود والتقليد.
وحين نبا إلى عمارة وصف الاتجاهات العلمانية له "بمنظر الحركة الإسلامية" أجاب في فطنة عرف بها "ذلك شرف لا أدعيه، وهم لا يقصدون منه المديح وإنما استعداء السلطات ضدي".
تجليات المشروع
بالنظر إلى مجرد عناوين أعماله تدرك تماما أن هذه الأعمال تأتي متناسقة مع مشروعه الفكري وتطبيقا عمليا له، حيث تشير كل مجموعة من أعمالة إلى ركن من أركان مشروعة الفكري، وقد بات من العسير حصر مؤلفاته التي تجاوزت المائتين بين التأليف والتحقيق، لكن نحاول أن نذكر الأطر العامة التي حكمت توجهات تلك الكتابات.
بين هذه الكتابات ما يحاول فيها الكشف عن مشروع فكري أو رؤية مستنيرة لأحد المفكرين المعاصرين يمكن أن تقوم على هداها ثقافة حية تساعد على خروج الأمة من كبوتها الحضارية كما يفعل في أعماله الكاملة عن جمال الدين الأفغاني والذي دافع فيه عن الأفغاني ضد ما أسماه أكاذيب لويس عوض، وكذلك أعماله عن رفاعة الطهطاوي، والأستاذ الإمام محمد عبده، ورشيد رضا، وشيخ القانونيين عبد الرزاق السنهوري باشا، والشيخ محمد الغزالي، والمودودي، وسيد قطب، وقاسم أمين، أو يستدعي من التاريخ الإسلامي نموذجا جماعيا عقلانيا يدفع به عن الإسلام شبهة التقليد كما فعل في كتابه عن "المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية".
ثم هناك من بين كتاباته ما يرصد فيها الأخطار التي تحدق بالمسلمين الآن سواء على مستوى الغزو الثقافي والمعرفي أو على صعيد الاقتحام الشامل كما يفعل في كتاباته عن "التفسير الماركسي للإسلام" والذي حلل فيه مقولات نصر أبو زيد عن تاريخية النص القرآني، وكتابه "نهضتنا الحديثة بين العلمانية والإسلام" و"الغارة الجديدة على الإسلام" و"القدس الشريف رمز الصراع وبوابة الانتصار".
بالإضافة إلى العديد من المؤلفات التي يتجاوز فيها محاولات التأريخ أو الاجترار إلى معارك فكرية وصراعات أيدلوجية فتجده يقدم أعمالا فكرية خالصة كحديثه عن "الإبداع الفكري والخصوصية الحضارية" و"معالم المنهج الإسلامي" و"هذا إسلامنا.. خلاصات الأفكار".
ويبقى محمد عمارة نموذجا للمفكر الإسلامي المستنير الذي ينهل من ثقافات متعددة ثم يصهرها جميعا ليخرج منها بمركب لا يتنافى مع ثوابت العقيدة الإسلامية، وإنما يصبح دليلا على عالمية الإسلام الدين والحضارة، ولعل قدرة عمارة على الجمع بين الفكرة ونقيضها والخروج بمركب ثالث يتجاوز الفكرتين (وهو الديالكتيك الهيجلي الشهير أو ما يسميه عمارة بالوسطية الإسلامية) خير دلالة على حسن توظيفه المقولات الفكرية المختلفة لخدمة قضايا الفكر الإسلامي، وربما أنها إرث الماركسية القديم.
محمد عمارة.. مدرسة الجمع بين المحافظة والتجديد
الإعلانات