عبد الحميد أبو سليمان.. مشروع النهضة يبدأ من العقل
جوهر الأزمة أن المسلمين لا ينظرون للدين وتعاليمه نظرة كلية
سبب الاغتراب عن الدين ذلك الانشطار بين ثقافتين: مدنية أجنبية مستلبة وثقافة دينية منبتة
أ.د. عبد الحميد أبو سليمان
هو عبد الحميد أحمد أبو سليمان رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ولد بمكة المكرمة في ديسمبر 1936، وحصل على تعليمه الإبتدائي والثانوي بها، ثم حصل على البكالوريوس في العلوم السياسية عام 1959، وأتبعها بدرجة الماجستير عام 1963 من كلية التجارة بجامعة القاهرة. وفي عام 1973؛ حصل على درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية، واتجه لتدريس العلوم السياسية بكلية العلوم الإدارية بجامعة الملك سعود، ثم ترأس قسم العلوم السياسية بها في الفترة ما بين عامي 1964 – 1988م.
* القراءة المبكرة كونت لديه الوعي بوجود أزمة في الأمة تحتاج علاجا. * بنى أبو سليمان مخطط حياته في إطار سعيه للإجابة على سؤال سبب تراجعنا وتقدم غيرنا. * اكتشف أن جوهر الأزمة أن المسلمين لا ينظرون للدين نظرة كلية، ويبتعدون عن تطبيق تعاليمه. * كان سبب الابتعاد عن الدين كإطار حضاري أن العالم الإسلامي منشطر بين ثقافتين: مدنية أجنبية مستلبة، وثقافة دينية منبتة. * بنظره؛ كان لابد من التوفيق بين الثقافة المدنية الحديثة والموروث الديني في إطار المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية. | |
أزمة الأمة الحضارية وموطن الداء
نشأ في بيئة وفرت له كل أسباب القراءة والاطلاع على كل ألوان المعرفة الدينية والإسلامية والعربية المعاصرة، وخلصت به قراءاته لتكريس انشغاله بأزمة الأمة الحضارية منذ طفولته، فكان يرى بعينيه كيف يتوافد على بيت الله أناس من مختلف الجنسيات والألسنة والألوان وكان يتساءل دائما كيف وصل بنا الحال إلى ما نحن عليه الآن؟ ولماذا تغيرت أحوالنا عن أصل هذه الأمة وما نعرفه عنها؟ وحين التحق بالمدرسة قام برغم حداثة عمره بصنع صحيفة ورقية مدرسية كانت كلمة التحرير فيها عبارة عن صورة وعليها إنسان مريض، وكان تعليقه عليها: "أما آن لهذا الشعب أن يستيقظ؟"
كان يدرك أن الأمة تتوفر لها الإمكانات الحضارية التي تدفعها للنهضة والتقدم، وكان عقله يبحث منذ طفولته عن السبب الذي يحول بين الأمة وبين تحقيق هذه النهضة، وكان ذلك البحث أساسا في كل نهج نهجه في حياته، فعلى أساسه اختار الكلية التي يلتحق بها، والدراسة التي يتعمق فيها، وتأسيسا عليه أيضا بنى رحلته الفكرية.
من يديم طرق الباب يوشك أن يفتح له، وذلك ما حدث للدكتور عبد الحميد أبو سليمان، حيث تكشف له موضع الداء. فالمسلمون لا ينظرون للدين نظرة كلية، وللأسف؛ يبتعدون عن تطبيق ما يؤمنون به في كثير من الأحيان، وهو ما يرجع إلى تطور الثقافة ومشكلة العقل المسلم، فقد أصبح الإنسان المسلم في النهاية يكاد يكون النقيض لكل ما هو مثال في ثقافته. يقول أبو سليمان: "إذا قلنا بالوحدة نجد أننا مفككون، وإذا رمزنا للمحبة نجدنا متنازعين، وإذا أمرنا بالإتقان فنحن لا نتقن". وتحول أبو سليمان باحثا عن إجابة سؤاله الجديد، ولم يكن عسيرا أن يجد التفسير بعد أن عرف الداء.
فالعالم الإسلامي منشطر بين ثقافتين "مدنية أجنبية مستلبة، وثقافة دينية منبتة"؛ فأصبح بين اتجاهين، أحدهما يفرِّط تمام التفريط في البعد الديني الذي لا يمكن تجاهله، وآخر ينحو باتجاه التقليد وينزع لغلق باب الاجتهاد في كل شيء، ويرفض كل ما أتت به المدنية وثقافتها على العالم الإسلامي وهو ما لا يمكن التقدم به. يقول: "مشكلة العالم الإسلامي أنه يعيش في التاريخ، ويضع القيود والكوابح التي لا تسمح له بالتغير ولا التطور".
بداية مشروع إسلامية المعرفة
كان لابد من التوفيق بين الثقافة المدنية الحديثة والموروث الديني في إطار المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية، وهو مشروع عبد الحميد أبو سليمان الفكري الذي بدأه – بحكم دراسته بكلية التجارة - بأول مؤلف له عن النظرية الاقتصادية في الإسلام عام 1960م.
فحين كان أبو سليمان يجهز لأطروحة الماجستير في جامعة القاهرة؛ عرض عليه أحد أصدقائه كتابا عن الاقتصاد في الإسلام، وتضمن بعض الأحاديث التي لم تكن تتفق مع ما لديه من خليفة دينية؛ رغم ثقة صديقه الشيخ الأزهري بصحة هذه الأحاديث وتأكيده لذلك، فاستنكر ذهنه تجاهل علماء الفقه لها، مما دفعه إلى تجميع الأحاديث الخاصة بالاقتصاد الإسلامي جميعها وتفنيدها، فتبنى في كتابه هذا رؤية في العلاقة الاقتصادية وعلاقة الموارد بالإنسان المسلم، ورجع فيها إلى صديقه الأزهري؛ وهو رجل شريعة ودين ولغة؛ فرأى أنها من الناحية الشرعية سليمة تماما، وكانت رؤية أبو سليمان للاقتصاد الإسلامي تنظر إليه وتحلله وتمنهجه في إطار المقاصد الكلية للشريعة، وهو المنهج الذي سار عليه من حينها حتى وقتنا هذا في كافة دراساته ومؤلفاته.
وبعد ذلك انتقل عبد الحميد أبو سليمان إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك حصل على درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة بنسلفانيا، حيث سلك في رسالته نفس المنهج السابق الذي سلكه في رؤيته لنظريات الاقتصاد الإسلامي، وكانت أطروحته تحمل عنوان "نظرية العلاقات الدولية في الإسلام"، حيث أوضح فيها القيم الإسلامية الأساسية وغايتها وأثرها في العلاقات الإنسانية مع الذات ومع الآخرين. كما تناولت دراسته واقع العلاقات الدولية في التاريخ الإسلامي، وكيف يمكن أن تكون في واقعنا المعاصر. ويقول عنها أبو سليمان: "برهنت فيها أن الإسلام هو الفلسفة الوحيدة التي تعتبر فلسفة سلام، كما برهنت على أن الفلسفة الغربية بشقيها الليبرالي والماركسي هي فلسفة صراع كما هو معروف في علم السياسة، وبينت كيف أن بناء الدول على أساس الترويض هو غاية أوروبية غربية".
وتناول أبو سليمان في أطروحته أيضا الإصلاحات المنهجية الضرورية التي تستلزم لإصلاح الفكر الإسلامي من وجهة نظره، وكيفية الخروج من أزمة التقليد المطلق أو الاحتكام المطلق إلى الثقافة المدنية الحديثة، ودعا من خلالها إلى العودة في الدراسات الإسلامية إلى القرآن الكريم والسنة النبوية والمقاصد الشرعية فيما يختص بالشئون الحياتية، وهو ما نتج عنه بعد ذلك تلك الحصيلة التي قدمها المعهد العالمي للفكر الإسلامي في إصلاح هذا الفكر.
المعهد العالمي للفكر الإسلامي
بدأ د.عبد الحميد أبو سليمان مع مجموعة من الطلاب المسلمين في تكوين اتحاد للطلبة المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية، كان هدفه إلقاء الضوء على هوية الإنسان المسلم بغض النظر عن الخلافات السياسية والنزاعات المذهبية. وأعقب ذلك بإنشاء جمعية علماء الاجتماعيات المسلمين، وكان الهدف منها أن يبدأ طلاب الدراسات العليا الاجتماعية أصحاب التوجه المنتمي للإسلام تقديم دراسات علمية في إطار الفكر الإسلامي، ومع مرور الوقت واجه أبو سليمان ورفاقه الواقع الذي اقتضى بأن اجتماع الجمعية مرة واحدة لا يكفي، وكذلك لفت نظرهم إلى دور الإمكانات المادية في استقرار المشروعات الفكرية؛ فقرروا إنشاء مؤسسة متخصصة لخدمة الفكر الإسلامي، وعادوا للعمل في بلادهم حتى يكونوا رأس المال اللازم لهذه المؤسسة كي لا تخضع لأي توجه سوى هدفها العلمي والفكري. واستمر العمل لمدة خمس سنوات تقريبا حتى كونوا رأس المال المطلوب.
وبالفعل تم إنشاء المعهد العالمي للفكر الإسلامي عام في ضاحية "هيرندون" بولاية واشنطن الأمريكية عام 1981م، وكان أبو سليمان أول رئيس للمعهد، وأنشأ صندوقا ليحمل نفقات المعهد بشكل دائم ويوفر له الاستقرار المادي.
وكان الهدف من إنشاء المعهد الوصول في النهاية إلى تطوير العلوم الاجتماعية من منظور إسلامي؛ بحيث تخدم أهداف الرؤية الإسلامية في عمومها. ولأن الهدف من إنشاء المعهد كان تحقيق التواصل والتكامل بين أطراف الأمة الإسلامية وعلمائها، ولأن الجمهور الذي يستهدفه المعهد في الأساس يقطن في بلاد العالم الإسلامي المترامية الأطراف، تم فتح عدة فروع في بلاد العالم الإسلامي. وفي عام 1985 دشن المعهد "المجلة الأمريكية للعلوم الاجتماعية الإسلامية"، وووضع د إسماعيل الفاروقي الخطة التي تمثل رؤية المعهد، وقام بتطويرها د. أبو سليمان بإضافة مكون التربية لها باعتبارها ضرورة لاستكمال المعرفة العلمية في إطارها الشرعي الإسلامي.
انشغل عبد الحميد أبو سليمان في تلك الفترة بقضية أزمة العقل المسلم، وكيف أن الإسلام جاء لتجديد الحضارة الإنسانية بينما المسلمون مغيبون، وطرح الدكتور في كتاباته علاجا لهذه الأزمة، ووضع حلا منهجيا لأزمة العقل المسلم وسبيلا لتعاد له منهجيته وتطوره انطلاقا من مبدأ توظيف العلوم والمعارف والحقائق العلمية لخدمة رؤية العدل والسلام والإخاء التي تنادي بها الشريعة الإسلامية؛ وليس بالمفهوم المادي الذي تتسم به الحضارة الغربية.
وفي عام 1988م، ذهب أبو سليمان إلى ماليزيا لتطبيق رؤية المعهد على الجامعة الإسلامية التي تم إنشاؤها هناك منذ عام 1983، وتولى إدارتها منذ ذلك الحين حتى عام 1999.
وقد تحدث عن هذه التجربة في كتابه "الإصلاح الإسلامي المعاصر" تحت عنوان قضية إعداد الكوادر اللازمة لنهضة الأمة، وطرح المشروع المتكامل للجامعة الإسلامية ليكون نموذجا يحتذى به في تطوير التعليم الجامعي في العالم الإسلامي؛ ليقوم بدوره في النهوض بالأمة. وقد كان البرنامج يسهم في قضيتين أساسيتين تتعلقان بأزمة المسلم أيضا بشكل أو بآخر كما يراها أبو سليمان باعتبار التعليم قضية معرفية، وهما:
- قضية أزمة الفكر.
- قضية الإرادة والوجدان.
فهو يرى أن أزمة الفكر هي قضية العقل والمعرفة. ولكن الفعل لا يعتمد فقط على المعرفة، وإنما أيضا على الصفات النفسية والشخصية التي تؤهل صاحبها للقيام بهذا الفعل.
واستمرت جهود الدكتور أبو سليمان في تأصيل العلوم الاجتماعية من منظور إسلامي أثناء رئاسته للمعهد العالمي للفكر الإسلامي. وخلال هذه الفترة صب د. أبو سليمان اهتمامه بالتربية وبناء الطفولة، وكان يرى أن القضية ليست مشكلة نصوص يتم حفظها وتدريسها للأبناء بقدر ما يجب تفعيلها في بناء شخصية المسلم بحيث تكون آلية لدفعه للتغير والتقدم، وكانت رؤيته أن "لا يكفي مثلا أن تعرف بل يجب أن يؤمن وجدانك وعقلك بهذه المعرفة".
فالتربية الوجدانية ضرورة لبناء الشخصية المسلمة، فدائما ما أكد الدكتور عبد الحميد أبو سليمان على أن الطفولة والتربية هما العمودان الأساسيان في بناء شخصية المسلم بناءاً إسلامياً صحيحاً، فيجب أن يطال الإصلاح الإنسان المسلم منذ طفولته حتى يصلح بناؤه النفسي لصنع النهضة.
أزمة الأمة تحتاج إلى إرادة التغيير
لم يقصر عبد الحميد أبو سليمان رؤيته لأزمة الأمة الإسلامية على الجانب الفكري فقط نافيا تأثير سواه على تأخر الأمة وتدهور حالها، ولكنه رأي أن الجانب الفكري والوجداني هو الجوهر والأساس في صناعة الأمة وتحديد مصيرها؛ سواء كان في حال تقدمها أو تأخرها. ورغم أن هناك عوامل أخرى إلا أن الجانب الفكري يبقى العامل الأخطر، فحركة إسلامية المعرفة هي إضافة لاستكمال جهود الإصلاح الأخرى في شتى المجالات؛ حيث تسعى للقضاء على الانفصام بين الفكر وحركة المجتمع والقضاء على الأوهام والخرافات، وبناء أساس معرفي إسلامي قوي يجعل الأمة قادرة على استعادة مكانتها التي فقدتها.
ويرى د. عبد الحميد أبو سليمان أن "الأزمة الكبرى التي تعاني منها الأمة أزمة داخلية كامنة في ذاتها وضعف إرادتها وتشتيت طاقتها، وأن الانشغال بالمعارك الجانبية ربما يكون استنزافا للإمكانيات وهدرا للطاقات". وتساءل: "هل تستطيع الأمة أن تعيد بناء إستراتيجية عملها بحيث تعطي الأولوية لجهود الإصلاح الفكري والوجداني للأمة؟ وهل يمكنها أن توظف طاقتها في العمل الجاد لبناء المؤسسات وتنمية الكوادر المؤهلة للعمل والبناء برؤية إسلامية حضارية أصيلة؟".
المعهد العالمي للفكر الإسلامي_إسلامية المعرفة











إن فاتك العلامة الدكتور سلمان العودة كعالم تتربى على يديه، فلا يفوتك هذا الملف الذي يتيح لك فرصة أن تتعلم من كلماته التالية التي وضعناها بين يديك.

ملف يسعى إلى الإجابة على كافة الأسئلة التي تدور في أذهان أولياء الأمور قبل بدء الدراسة من أول الاستعدادات لروتين اليوم الدراسي، وكيفية تقبل الالتزام به، ووسائل التغلب على ضعف التركيز والانتباه، وأفضل ...




