أون إسلام.نت

استشارات :

بسكال... أول من اخترع الحساب بالآلة

أرسل لصديقك طباعة
(0 تصويتات, متوسط 0 من 5)
بسكال... أول من اخترع الحساب بالآلة
حامد عبد الرحيم

كانت الفكرة الأساسية في هذا العلم هي دراسة الوظائف التي يقوم بها الجهاز العصبي للإنسان، والتي تبيح للإنسان أن يعدل أفعاله ويعيد توجيهها وفقًا للمواقف المختلفة، ويكون جهازًا متكاملاً يقوم بإصدار الأوامر لنفسه وتنفيذها واختبار نتائجها في الوقت ذاته، وعلى أساس هذه الدراسات يمكن تطبيق المبادئ المستخلصة منها على الآلات، هذا النوع الجديد من الآلات، الذي يتميز بأنه تخلص من ثنائية (الآلة - الإنسان) وجعل الآلة مكتفية بنفسها اكتفاء شبه تام في أداء عملها هو الذي أتاح لأول مرة في تاريخ البشرية، استخدم الآلات استخداماً ذهنيًّا أو عقليًّا، بعد أن كانت تقتصر على توفير الجهد البدني والعضلي للإنسان، فهي تقوم بدلاً منه بكثير من العمليات التي لم يكن أحد يتصور أنه من الممكن أداؤها إلا بواسطة العقل البشري وحده. وهكذا ظهرت تلك الحواسب الإلكترونية Computers التي تُعَدُّ انقلابًا حاسمًا في تاريخ العلوم والتكنولوجيا.

وكلمة Computer الإنجليزية لها عدة مترادفات عربية هي الحاسب الإلكتروني والعقل الإلكتروني والمخ الإلكتروني، ولعل الكلمة الأولى (حاسب) هي أكثر تلك المرادفات صحة من الناحية اللفظية، ذلك أن فعل compute المشتقة منه الكلمة في اللغة الإنجليزية يعني حسب وأحصى، واستعمال عبارة الإلكتروني مضللة؛ لأن هذه الآلة مقيدة بما يدخلها من معلومات، والعقل أبعد ما يكون عن الآلية، وفي هذه التسمية مهانة للعقل البشري، وسيكون الالتزام بلفظ الحواسب بحسب طريقة عملها إلى مجموعتين رئيسيتين:

  • الحواسب التناظرية: التي تعمل بطريقة مستمرة، وتعتبر المسطرة الحاسبة مثالاً كلاسيكيًّا وبُدائيًّا لهذا النوع من الحواسب، وهي تبين العلاقات الحاسبية بواسطة حواصل طولية تدل على علاقات عديدة معينة، تتميز هذه المجموعة من الحواسب بسرعتها الكبيرة في العمل، إلا أن عيبها الرئيسي يكمن في أن دقتها الحسابية محدودة، كما أنها متخصصة بمعنى أنها ليست عمومية.

  • الحواسب الرقمية العددية: التي تعمل بطريقة غير متواصلة، وتقوم بتنفيذ الأعمال الحاسبية المختلفة عن طريق تحويل الأعداد المقدمة لها إلى مجموعة من النبضات الميكانيكية أو الكهربائية، تقوم بعد ذلك أجهزة الحاسب الرئيسية بتسجيل هذه النبضات وتحليلها وحسابها.

  • وأغلب الحواسب الإلكترونية المنتشرة في العالم الآن هي من هذا النوع الأخير.

نشأة الحواسب الإلكترونية

يقال: إن الحاجة أمُّ الاختراع، ولعل ذلك ينطبق تمام الانطباق على اختراع وتطوير الحاسبات الإلكترونية، فالإنسان منذ فجر التاريخ يتطلع إلى تطوير أدوات الإنتاج التي يمكنها أن تخفف عنه أعباء العمل الجسمي والفكري أيضاً.

ولقد مرَّ تاريخ صنع الآلات الحاسبة الإلكترونية بسلسلة متلاحقة من التطورات والتحسينات بدءاً من ابتكار أول آلة في التاريخ للجمع والطرح تعطي النتائج آليًّا التي اخترعها باسكال Pascal في سنة 1643م وكان عمره حينئذ 18 عامًا؛ إذ اخترع أول آلة تستطيع جمع عددين كل عدد مكون من عدة أرقام: آحاد، عشرات، مئات بشكل آلي.

وجاء من بعد باسكال جوتفريدف لايبنتز Leibnitz الألماني عام 1670م ليطور آلة باسكال ويصنع آلة تستطيع القيام بالعمليات الحسابية الأربع وهي (الجمع والطرح والضرب والقسمة علاوة على استخراج الجذور، ولكن لم يلْقَ اختراعه أي ترحيب. وفي سنة 1730م تمكن الميكانيكي جاكارد مبتكر نول الجاكار من تصور إمكانية استخدام البطاقات المثقوبة لتشغيل أجزاء الآلات بطريقة آلية، وبعد ذلك بقرن كامل صمم الإنجليزي (تشارلز بابدج (charles babbages عام 1814م أستاذ الرياضيات في جامعة كامبردج آلة تحليلية تتكون من عدة وحدات للتغذية والتخزين واستخراج النتائج، ولكنه لم يتمكن من إخراجها للوجود نظراً لعدم توفر المال اللازم لذلك وللإمكانيات الفنية المتواضعة في حينه. ويعتبر بابدج بحق المصمم الأول للآلة الحاسبة بمفهومها المتطور، فلقد سبق عصره في هذا المجال بأكثر من مائة عام.

إلا أن القفزة الرئيسية في صناعة الحواسب قد تمت في أواخر القرن الماضي وبالتحديد في عام 1887م، وذلك للحاجة الملحة لآلات سريعة ذات أغراض متعددة تفي بمطالب التعداد الأمريكية التي أجرت تعداداً عامًا للسكان في سنة 1880م، وسخرت كل أجهزتها وإمكانياتها لإخراج هذا التعداد بالسرعة المطلوبة، إلا أنها لم تتمكن من ذلك رغم مرور عدة سنوات على انتهاء عملية التعداد فضلاً عن الأخطاء الكثيرة التي لم يمكن تلافيها، ووجدت الحكومة نفسها شبه عاجزة عن إعلان نتائج هذه التعداد السكاني، وقدرت بأنه استمر السنوات العشر التالية وسيأتي موعد التعداد التالي والنتائج لم تزل في أدراج الموظفين.

في هذا الوقت بالذات، وجدت فكرة بابدج السابقة الاهتمام الكافي وتبناها الإحصائي الأمريكي هرمان هوليرث Herman Hollerith عام 1890م، المسئول عن دائرة الإحصاء الأمريكية، وطوَّرها بحيث أمكن تمثيل حجم كبير من المعلومات على شرائح ورقية على شكل ثقوب مجاورة تمرر هذه الشرائح بعد تثقيبها على آلة خاصة لها إمكانية الإحساس بالثقوب وفهم معانيها ومعالجتها وإعطاء النتائج في نصف الوقت المعتاد. وسميت (الآلة الإحصائية) وتمكن مكتب الإحصاء الأمريكي بمساعدة هذه الطريقة من استخراج نتائج الإحصاء السكاني لعام 1890م خلال ثلاث سنوات فقط.

تطور البطاقات المثقبة

كوَّن هذا الإحصائي الأمريكي في سنة 1896م شركة خاصة له من أجل تنفيذ وتسويق اختراعه لأغراض تجارية، وتوسعت هذه الشركة فيما بعد عن طريق دمجها بعدة شركات أخرى، وظهرت بذلك أعرق مؤسسة في ميدان صناعة الحواسب الإلكترونية، وخلال سنوات تالية تطورت هذه الآلة الإحصائية والشريحة الورقية، وتحسنت طريقة تثقيب البيانات ومعالجتها واستخراج النتائج النهائية بمساعدة مجموعة من الآلات صُمِّمَت خصيصًا لذلك وهي:

  • آلة تثقيب البطاقات التي كانت في أول عهدها يدوية ثم أصبحت ميكانيكية.

  • وآلة مراجعة وتدقيق البطاقات المثقبة.

  • آلة فرز وتصنيف البطاقات.

  • آلة تبويب البيانات والنتائج النهائية.

  • هذا بالإضافة إلى مجموعة من الآلات المساعدة الأخرى كآلة المطابقة وآلة النسخ وآلة الترجمة وغيرها.

وهكذا ظهرت للوجود البطاقات المعروفة حاليا وأنظمة معالجة البيانات أوتوماتيكيًّا التي استمر العمل بهما في أوروبا وأمريكا مع بعض التحسينات الطفيفة حتى عام 1937م، حيث عكف البروفيسور هاوارد أكن عام 1939م من جامعة هارفارد مع مهندس من شركة IBM على اختراع حاسبة عددية نصف إلكترونية عرفت باسم (مارك 1 (Mark-1، وقد تم لهم ذلك فعلاً في سنة 1944، أما أول حاسب إلكتروني على المستوى العالمي فقد صُمِّم في وقت الحرب العالمية الثانية، وبقى سرًّا طيلة مدة الحرب، نفذه فريق من العلماء الأمريكيين في جامعة بنسلفانيا برئاسة جون موكلي J. Mouchly وظهر في سنة 1945م تحت اسم (إنياك ENIAC)

وقد صُمِّم هذا الحاسب ليقوم بحساب محرك القنابل والقذائف، وكان ضخما جدًّا، فقد حوى 18ألف صمام و1500 حاكمة ميكانيكية، ووصلت سرعة الجمع والطرح به إلى 5000 عدد في الثانية، ومنذ ذلك التاريخ دخلت صناعة الحاسبات الإلكترونية سباقاً مع الزمن.

وقد تمكنت الشركة الأمريكية IBM من بناء أول حاسبة عمومية في العالم من طراز IBM-701 تحتوي على 4000 صمام وتشغل مساحة 100م3 وتتطلب طاقة 80 كيلو واط لتشغيلها و60 كيلو واط لتبريدها أثناء العمل.

وأنتجت نفس الشركة آلة معدلة عن سابقتها تتميز بسرعتها وقلة وزنها من أجل حساب الهوائيات ودلائل الأمواج والتأثير الشعاعي الذي تحدثه التفجيرات الذرية، وكذلك أنشطة الطائرات والصواريخ الموجهة، وتصل طاقة هذه الآلة إلى 4000 عملية جمع وطرح في الثانية، وقد استخدمت هذه الحاسبة لإجراء الحسابات المطلوبة لاختبار الصاروخ الأمريكي (ثورن) في سنة 1958م، ولأغراض اقتصادية قامت شركة IBM ببناء حاسبة أخرى صنعت بأكملها من عناصر نصف ناقلة وتستطيع القيام بـ 16600 عملية جمع وطرح في الثانية وبنفس هذا الزمان تنفذ 860 عملية ضرب و 330 عملية قسمة.

وفي الاتحاد السوفييتي بدأ عهد استخدام الحواسب الإلكترونية في عام 1950م، حيث تمَّ صنع أول حاسبة إلكترونية من طراز (M.A.S.M) في معهد الرياضيات التابع لأكاديمية العلوم الأوكرانية لاستخدامها لنقل الطاقة الكهربائية بين مدينتي كوبيشيف وموسكو. وبعد ذلك بقليل تمَّ في موسكو صنع أسرع حاسبة إلكترونية في أوروبا في ذلك الوقت عام 1953م، وقد صممت هذه الآلة لحل المسائل الحسابية في مختلف المجالات العلمية والتكنيكية. والخاصة المميزة لها هي عموميتها الكبيرة، فقد أمكن بواسطتها الترجمة من لغة إلى أخرى، ولعب الشطرنج، وحل أعقد المسائل الرياضية وإجراء كافة العمليات الحسابية. ومنذ ذلك التاريخ دخلت ميدان السباق الإلكتروني دول أوربية عديدة، إضافة لليابان التي أخذت شركاتها تنافس أعرق الشركات الأمريكية في هذا الميدان.

الحاسب الإلكتروني أهم منجزات العصر

يحق لنا أن نعتبر الحاسب الإلكتروني من أهم منجزات العصر وأكثر هذه المنجزات تحكمًا بغيرها وتشابكًا معها، ولو حاولنا وضع تعريف مقتضب لهذا الإبداع البشري الفذ لقلنا بأنه الإدارة التي زادت من تحكم الإنسان في البيئة المحيطة به والوسيلة التي وضعت في أيدي العلماء مفاتيح الاختراعات العظيمة والإنجازات العلمية الكبرى التي يزخر بها قرننا العشرون. وهو الجهاز الذي يحتوي على ثروات الأمم المعلوماتية في مختلف جوانب الحياة.

إن التقدير العلمي الرفيع لدور الحاسب الإلكتروني في حياتنا المعاصرة يعود بشكل رئيسي لمساهمته العلمية والعملية في حل كثير من مشاكل العصر المعقدة والشائكة بصورة متميزة وسريعة، وذلك نابع من خواص الحاسب نفسه، والتي من أهمها:

1- السرعة الفائقة في الأداء والتي قد تصل إلى أكثر من مليون عملية حسابية في الثانية الواحدة. وإذا ما قورن ذلك مع إمكانية الحاسبات العادية والآلاف المشابهة للآلة الكاتبة التقليدية، لظهر لنا بوضوح أهمية الحواسب الإلكترونية ومدى القفزة النوعية التي حققتها في ميدان آلية الحساب، إضافة إلى تنوع وتعقيد المسائل التي يجري حلها بواسطة الحاسب الإلكتروني. لقد استطاعت الآلة السوفييتية رازدان حل مجموعة من المعادلات الجبرية تحوي (800) من المجاهيل خلال أقل من (48) ساعة، ولو أعطيت هذه المعادلات لرياضي بمفرده لتطلب حلها منه بالطرق العادية حوالي 300 سنة عمل متواصلة.

2- الدقة المتناهية في استخراج النتائج، وهذه ميزة تنفرد بها الحاسبات العددية.

3- إمكانية حل مشاكل متعددة في ميدان عملية متنوعة بواسطة حاسبة واحدة. وهذه الميزة على جانب كبير من الأهمية؛ لأنه لو تطلب الأمر وجود آلات حاسبة بنفس عدد المسائل المطروحة للحل لما لاقت الحواسب الإلكترونية مثل هذا الانتشار الواسع.

4- ذاكرة Memory ذات مقدرة هائلة على التخزين إضافة لقابليتها للتوسع دائماً.

5- تشغيل ومعالجة بيانات لعملاء تفصلهم عن مكان وجود الحاسب مسافات بعيدة.

أما ميادين ومجالات استخدام هذا النوع من الآلات الإلكترونية فأكثر من أن تُعَد؛ إذ يندر أن تجد حقلاً من حقول العلم والمعرفة لم تُسدِ له هذه الآلات الإلكترونية مساهمة معينة في تطوير نظريته أو تطبيقاته العملية. وهل يمكن لإنسان أن يتصور إمكانية تحقيق الانتصارات الفضائية المتلاحقة وتحكم العلماء بإنزال مركباتهم الكونية على سطح الكواكب البعيدة وإعادتها إلى الأرض ثانية، لولا الخدمات الجليلة والمتنوعة التي قدمتها الحواسب الإلكترونية في هذا المجال، لا بل إن هذه الحواسب قد استعملت في مجالات لم يكن يخطر ببال أحد قبل عدة سنوات فقط أن تكون مثل هذه المجالات ميداناً لاستخدام الحاسبات الإلكترونية فيها مثل: الأعمال المصرفية، ومجال الطيران، والتنبؤ بتقلبات الطقس، وتشخيص الأمراض.. إلخ. وتعود سرعة تطور الحاسب إلى أسباب كثيرة، لعل من أهمها أنه آلة مهمتها مساعدة العقل البشري على التعامل مع المعلومات الحسابية فهمًا أو غير الحسابية، ولأن التعامل مع المعلومات هو مسألة مشتركة في شتى أمور الحياة العلمية منها بمجالاتها المختلفة أو الإدارية بأنواعها المتعددة حتى الشخصية، فقد وجد الحاسب من خلال ذلك الترحيب اللازم لتطوره واتسع نطاق استخدامه.

الإعلانات