أون إسلام.نت

استشارات :

الانتخابات العراقية.. السنة العرب بين مشاركة ومقاطعة

أرسل لصديقك طباعة
(0 تصويتات, متوسط 0 من 5)
الانتخابات العراقية.. السنة العرب بين مشاركة ومقاطعة
2155
عبد الكريم العلوجي
لم يتنكر الاحتلال الأمريكي لوعوده الزائفة بالديمقراطية فحسب، بل قام بإنشاء نواة طبقة جديدة من المتعاونين معه. ولعب هذا الاحتلال على خلق كيانات طائفية وعرقية أدت إلى بروز كيانات وتجمعات رفعت شعارات طائفية وعرقية؛ وهو ما أثر على الكثير من شرائح المجتمع العراقي، وأدى إلى بروز حركات دينية وكيانات طائفية طغت على ما عداها من اعتبارات. 

تكريس الطائفية بالعراق

وقد كرست قوات الاحتلال هذه الطائفية والعرقية من خلال قراراتها بتوزيع المراكز الوظائفية على الأسس الطائفية؛ الأمر الذي تسبب في بروز تيارات سياسية ذات صبغة دينية خاضت الانتخابات السابقة وتخوض الانتخابات الحالية مثل "قائمة الائتلاف العراقي الموحد" الشيعية، والتي دعمت من قبل المرجعية الشيعية ومن السيد "علي السيستاني" بالرغم من نفي بعض المقربين له. وهذا الأمر هو خطأ من المرجعيات الدينية بتدخلها في السياسة بدعم مجموعة معينة، وهو ما أفقدها حيادها.

من هنا فليس بالغريب أن يصبح المشهد العراقي الحالي وكأنه متكئ على عالم غيبي في كل شيء. فالعراق اليوم يمسي على حال ويصبح على حال آخر بسبب الصراعات بين طوائفه السياسية والدينية والعرقية. ومن المؤلم أن مراكز القوى الحالية في العراق معظمها تقول شيئا وتخفي غير ذلك، وتفعل شيئا وتبتغي غير ما تعلن. والوطن يترنح بين مكامن التخريب الاقتصادي والأمني والفساد الإداري والفوضى السياسية حتى ترسخت تقريبا -إن لم نقل تأكيدا- لدى العامة وهم الأغلبية.

إن جردة حساب بسيطة لما يقرب من ثلاث سنوات من الاحتلال تؤكد أن من ساهموا في وضع العراق الحالي الجديد هم من المرتبطين بجهات خارجية يميلون لمصلحتها حتى إننا صرنا أمام حكومة لا تعلم بما يحدث في وزاراتها ومؤسساتها، والوزارات لا تعلم ما يجري في أغلب دوائرها. فالجميع يدعو نفسه الحكومة.. الميلشيات حكومة.. والأحزاب حكومة.. والأكراد حكومة.. والحقيقة هي أن الحكومة المنصبة في بغداد ضاعت بين الجميع، ويتيه العراق بين كل هذه الصور المقلوبة.

ولم يكن غريبا أن يفرز هذا الواقع العراقي تيارات دينية لها برامجها الدينية والسياسية على الساحة العراقية تكون لها ارتباطات خارجية مع دول الجوار من ناحية المذهب. ولا بد من تحليل هذا الارتباط نظرا لتأثيره على مستقبل العراق خاصة في ضوء التدخل الإيراني الواضح في الشأن العراقي منذ سقوط بغداد.

فمسيرة العراق تتجه نحو تكريس الطائفية والعرقية ليس من خلال القتل المتعمد للعلماء السنة والشيعة على التساوي، وتفجير مساجد الشيعة والسنة والكنائس، وإنما في سعي الأكراد لخلق وضعية خاصة بهم بعيدا عن السلطة المركزية، وحديث بعض الأطراف الشيعية عن إقليم شيعي بالجنوب وحديث آخر عن إقليم سني في الغرب ليذهب الأمر -وبيد العراقيين- إلى أكثر مما كانت تبغيه قوات الاحتلال الأمريكي ذاتها.

الموقف السني

د. صالح المطلك رئيس الجبهة العراقية للحوار الوطنى 

من هنا جاءت وتيرة الصراع بين القوى السياسية والطوائف والقوميات العراقية حول صياغة النظام السياسي العراقي الذي يُهيأ له الآن من خلال الانتخابات التي تجرى الخميس 15 ديسمبر 2005؛ إذ تحاول كل من هذه الجماعات أن تجعلها ملائمة لتحقيق أقصى قدر ممكن لمصالحها. الشيعة يطالبون ويضغطون من أجل أن تكون الانتخابات هي السبيل لاختيار أعضاء مجلس التشريع والحكومة. والأكراد يسعون للاستفادة من المرحلة الحالية لتثبيت أوضاع تنسجم ومصالحهم بحيث يكون من الصعب على أي سلطة عراقية مقبلة تجاهلها أو إلغاؤها.

أما الواقع السني، فلا يخفى على المراقب السياسي ما يعيشه العرب السنة في العراق من ارتباك وتشتت منذ تنفيذ الاستحقاق الانتخابي في كانون الثاني/ يناير 2005. وقد تبدى ذلك من خلال العدد الكبير من المؤتمرات واللقاءات التي عقدوها بهدف تنسيق المواقف فيما يتعلق بالعملية السياسية.

وقد رأى كثير من المراقبين أن ما جرى من لقاءات هو مؤشر على حيوية سياسية تعيشها هذه الجماعة بعد مقاطعة الانتخابات، إلا أن التدقيق في واقع الجماعة وفي حقيقة ما يجري على الأرض سيؤكد أننا أمام حالة من الارتباك والتعارض في المواقف أكثر مما هي دليل على حيوية سياسية، وأن الرأي السائد في أوساط الشارع العربي السني هو الاعتقاد أن المقاومة كانت ولا تزال مصدر القوة الوحيد الذي يمتلكونه. ولعل ذلك هو سر الالتفاف حولها رغم ما تسببه لهم من عنت وما تكلفهم من تضحيات -زادت عن عشرات الآلاف من الشهداء والأسرى- ومطاردات ومدى الدماء التي أصابت مناطقهم ومدنهم.

هنا يأتي دور خطاب هيئة علماء المسلمين وهو الأكثر نضوجا على الساحة العربية السنية وذلك لإصراره على جدولة انسحاب قوات الاحتلال كمسار وحيد لوقف المقاومة ووضع العملية السياسية بتوافق كل العراقيين. وفي هذه الحال لن تكون ثمة مشكلة في أن يحصل أي طرف على حصته الحقيقية بالعدل والطرق المشروعة.

وقد حدث بالشارع السني ارتباك بسبب انحياز عدد من القوى السياسية في الساحة السنية إلى الخيار الآخر الذي ترفضه هيئة علماء المسلمين، وحدث أيضا اختراق داخل الهيئة عبر توظيف أسماء من داخلها من أجل القول بأنها ممثلة في تلك اللقاءات فضلا عن شن حملة منظمة لإقناع الشارع العربي السني بأن مقاطعة الانتخابات وعدم المشاركة في العملية السياسية الجارية الآن خطأ تسببت به قيادة الهيئة ومعها مجموعات المقاومة التي لا تدرك تعقيدات اللعبة السياسية.

لكن لو دققنا النظر في واقع المشهد العربي السني -حيث لا تزال هيئة علماء المسلمين الممثل الأهم للشارع العربي السني بدليل ذلك الفشل الذي منيت به حملة التشكيك بأن مشاركة العرب السنة في الانتخابات عامل مهم لمصداقية وشرعية هذه الانتخابات- لوجدنا الهيئة ترفض المشاركة ولها عدد من الشروط، أهمها: جدولة انسحاب القوات المحتلة من العراق، ووضع جدول زمني لها بإشراف الأمم المتحدة وبوجود مراقبين دوليين يراقبون الجدول الزمني للانسحاب، ثم تشكيل حكومة عراقية تكنوقراطية مستقلة مهمتها السعي إلى إجراء انتخابات تحت إشراف دولي تنبثق عنها حكومة عراقية تأخذ دورها في العمل على إعادة إعمار العراق، وإعادة مؤسسات الدولة خاصة الجيش العراقي الذي حل بعد تصفية العناصر التي أساءت للعراقيين.

ولم تكن هذه المطالب هي مطالب السنة العرب فقط، بل مطالب كل القوى العراقية الوطنية المختلفة الرافضة للاحتلال. ولكنْ للعرب السنة دور مهم حيث إنهم أول من رفض التعامل مع الاحتلال؛ لذلك كانت الضربات الأمريكية توجه إلى مناطقهم، ولكن هذا لا يعني أن المدن العربية السنية فقط هي التي تعرضت للعدوان الأمريكي، بل كانت النجف والمعركة الشهيرة التي وقعت بين القوات الأمريكية وقوات جيش المهدي، ونفس الحال كان في مناطق أخرى في العراق، خاصة تلك المدن التي تقاوم وترفض الاحتلال والتعاون معه.

السنة بين مشاركة ومقاطعة

ولا ينفى ذلك الموقف السني المحدد من الاحتلال أن جميع السنة العرب قاطعوا الانتخابات بل إن هناك قوى سياسية مثل: الحزب الإسلامي، ومؤتمر أهل السنة، والوقف السني، وغيرها من التجمعات الدينية والسياسية، اشتركت في الانتخابات الأخيرة وشاركت في الاستفتاء على الدستور. ورشحت في الانتخابات المقبلة. وهناك قوى عربية سنية لم ترفض ولم تشارك بل تركت ذلك للمواطنين خاصة هيئة علماء المسلمين التي اتخذت موقفا محددا معروفا هو عدم الاشتراك في اللعبة السياسية مادام الاحتلال موجودا وأنها تريد الاشتراك في هذا العمل السياسي بعد تحرير العراق من قوات الاحتلال.

إن المطلوب من جميع العراقيين الآن أن يتغلب بينهم العقل على العواطف، والتعامل مع الواقع بحكمة، ونفض غبار اللامبالاة، وعدم ترك العراق أمام هذه الفوضى الدموية والارتباك السياسي والطائفي والعرقي من العصابات والميلشيات والتدخلات الأجنبية في شئونه.

وعند هذه النقطة كان لا بد أن يكون للعرب السنة دور في قيادة العراق -لأنهم جزء من هذا الوطن- وليس التهميش كما أريد لهم؛ لأن المقاطعة أدت إلى ما آلت إليه الأوضاع الآن، واستمرار المقاطعة يعني ازديادا في تدهور الوضع الأمني. ولأن مقاطعة السنة من قبل أدت إلى انبثاق حكومة طائفية جاءت وهي تحمل مشروعها الطائفي والانفصالي حيث فشلت في تحقيق أي أمن واستقرار بل زادت الأمور سوءا أكثر؛ لذلك لا بد من مشاركة الجميع في العملية الانتخابية بناء على قواعد عملية جديدة ،أهمها وضع جدول زمني لرحيل القوات الأمريكية.

ولهذا، ورغم أن مقاطعة العرب السنة للانتخابات السابقة ليست مقاطعة لحق دستوري مشروع ولكنها بسبب وجود الاحتلال، وأنه لا يمكن أن تجرى انتخابات يشرف عليها الاحتلال بنفسه، فإن المقاطعة اليوم تحمل نفس المضمون. ومن جانب آخر فإن المشاركة أيضا هي لمنع وصول حكومة طائفية أخرى تمارس الاغتيالات والاعتقالات وتكرس مزيدا من الطائفية، وهي كذلك مشاركة ليس غرضها زرع الديمقراطية على الطريقة الأمريكية في ظل وجود الاحتلال، بل هي مشاركة لرفض هذا الاحتلال والعمل على خروجه، والحرص على الوحدة العراقية التي حافظت على ذاتها رغم ما مر بالعراق من تجارب سابقة.

تابع في الموضوع:

 اقرأ أيضًا:

الدكتور عدنان الدليمي الأمين العام لمؤتمر أهل العراق وعضو قائمة جبهة التوافق العراقية
الإعلانات