في شهر مارس الماضي التقيت به لأول مرة، منزله بسيط جدًا، يقطن في الدور الأرضي. أصيب وقتها بخرطوش أطلقه أحد الضباط أو الجنود في منطقة الكيت كات يوم 28 يناير، فأفقده ذلك قدرته على البصر.
أذهلني وقتها رضاه بقضاء الله وقدره، وصبره وتحمله لما حدث، ورأيت في عينيه التي لم يكن يرى بها، شعورًا بالفخر أنه كان من المطالبين بحقوقه وحقوق أبنائه في هذه الثورة، والتي اغتصبها نظام فاسد كان على رأسه صم بكم عمي لا يعقلون.
صورته بعد الإصابة مباشرة في المستشفى كانت صورة مروعة بكل ما تعنيه الكلمة، فوجهه مليء بالخدوش وعلامات الإصابة وعينه متورمة. ولكن زوجته المصرية الأصيلة حمدت الله أن يسر لهم أولاد الحلال في المستشفى والذين اهتموا بزوجها خاصة تلك الطبيبة (طيبة القلب) على حسب وصف الزوجة.
فقد الرجل وظيفته ومصدر دخله، وأصبح عليه الآن أن يسعى إلى البحث عن مصادر لتوفير مصاريف بيته المكون من ستة أفراد، والذي يعوله هو وابنه الأكبر وعمره 23 عاما، ولديه ابنتان في سن الزهور، وشاب مبتلى بضمور في المخ ويحتاج لتوفير 600 شهريًا لشراء دواء له.
منذ أيام، شعرت بتقصيري تجاهه بعد أن تذكرته؛ فتواصلي مع ابنه الكبير كان متقطعًا في الفترة السابقة؛ فقررت زيارته مرة أخرى لأسأله عن أحواله، قص لي تفاصيل مقابلاته مع أولي الأمر.
أعطته الحكومة منذ فترة خمسة عشر ألف جنيه تعويضًا عن إصابته، ولكنه سألهم حينها عن المعاشات، فكانت الإجابة أن بعضًا من مصابي حرب أكتوبر لم يحصلوا على معاشات، وأن هذا الباب مغلق!
كما ذكَّره المسئول بطه حسين الذي فقد بصره، وأنار الله بصيرته، واستطاع أن يبدع ويعمل! قال للمسئول ضع نفسك مكاني؟ أنا لا أطلب صدقة أو إحسانًا! ولكن هذا حقي لأن إصابتي كانت على يد موظف في الدولة أفقدني بصري، فوعدوه بأنهم سيوفرون له بعد عدة شهور محلًا صغيرًا (كشك) حتى يدبر أموره، فأخبرهم أنه فاقد البصر وأن ذلك لن يسهم في حل مشكلته، ومع ذلك لم يحصل على شيء.
سألني أثناء لقائنا، ألا تستطيع الحكومة أن تحل مشكلة أربعة آلاف مصاب؟ هل من الصعب دراسة حالاتهم ونسب العجز وتوفير معاشات لمن منهم أصيب إصابة تمنعه من العمل؟ هل على من هم مثلنا أن يبحثوا عمن يسدد عنهم فواتير المياه والكهرباء والغاز؟ هل من العدل أن يكون مبارك في مستشفى خمسة نجوم، ويتم نقله إلى المحكمة بالطائرة ذهابًا و إيابًا وهو متهم بمسئوليته السياسية وتورطه في إصابتي التي فقدت بها عينيي؟ حتى التكريم الذي كرموه لنا كان أشبه بالإهانة، ذهبنا لنكرم فانتظرنا المحافظ لعدة ساعات، ثم جاءوا لنا بميدالية تكلفتها لا تزيد عن عشرة جنيهات، ووضعوها في كيس بلاستيك صغير!
زاد على الهم همًا، اعتذار زوجته لي، كان بودها أن تعزمني على طعام الغداء، ولكن الأنبوبة قد نفدت في بيتهم، وبسبب أزمة الأنابيب فلا يجدون أنبوبة إلا بشق الأنفس، وأن آخر أنبوبة اشتروها كانت بثلاثين جنيهًا!
إن على مجلس الشعب القادم مسئولية سياسية يجب أن توضع في أولويات عملهم، وعلينا جميعًا مسئولية اجتماعية، أن نأتي بحق هذا المواطن الشريف، وأن يتم تكريمه بما يليق به وبحجم تضحيته، وألا يشعر أبناءه بأننا تركنا أباهم وحيدًا يعاني.
ملحوظة: ما رأيته منه من عزة نفس وكرامة جعلني أقرر ألا أكتب اسمه، ولعل ذلك خيرًا؛ فما يحدث معه ليس مختلف عما حدث لكثير من المصابين وأهالي الشهداء.
الثورة مستمرة.












إن فاتك العلامة الدكتور سلمان العودة كعالم تتربى على يديه، فلا يفوتك هذا الملف الذي يتيح لك فرصة أن تتعلم من كلماته التالية التي وضعناها بين يديك.

ملف يسعى إلى الإجابة على كافة الأسئلة التي تدور في أذهان أولياء الأمور قبل بدء الدراسة من أول الاستعدادات لروتين اليوم الدراسي، وكيفية تقبل الالتزام به، ووسائل التغلب على ضعف التركيز والانتباه، وأفضل ...




