أون إسلام.نت

استشارات :

حضرة الدكتور البوطي .. أرجوكَ كفى ! (مقال)

أرسل لصديقك طباعة
(20 تصويتات, متوسط 3.95 من 5)
حضرة الدكتور البوطي .. أرجوكَ كفى ! (مقال)
cxvgxdfvdfgdfsgd
الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
علاء فاضل

كشفت الأحداث الأخيرة التي عصفت بالمنطقة العربية مأساوية الواقع الذي يعيشه الإنسان العربي. هذا الإنسان الذي حمل لواء الحضارة لقرون طويلة والذي خرج أجداده ذات يومٍ مجيدٍ من أيام التاريخ من قلب الصحراء حاملين رسالة التوحيد والعزّة للعالم أجمع، والذي كان غارقاً في ظلمات الاستبداد والظلم، بين مطرقة الملوك الطغاة وبين سندان الكهنوت سدنة الاستبداد. 

ولكن بعد أن دارت عجلة التاريخ انقلبت الأدوار والمواقع التاريخية فانطلق إنساننا باحثاً عن حريته وعدله في الوقت الذي ابتلي فيه إنسان المنطقة بهجمة استبدادية شرسة قلّ مثيلها في التاريخ بعد أن عانى لفتراتٍ طويلةٍ من قهر الاستعمار وتكالب الأمم . فما أن تخلص من استعماره الخارجي إلا و بدأت محنته الأصعب مع الطغاة ومع بعض من يشرعن وجودهم ممن يسمّون علماء دين، وهم في حقيقة الأمر علماء في تخدير الشعوب وتنويمها حتى تستريح فوقها جثة الاستبداد !

ولأن التاريخ يقوم على مبدأ قرآني تُقرّه الآية (وتلك الأيام نداولها بين الناس)، ولأن لهذه الأمة ثقلها التاريخي وإرثها الحضاري الذي ضمنته وستضمنه رسالة الإسلام الخالدة التي اختارها الله لتكون أول من ينطلق بهذه الرسالة، فإن هذه الأمة اليوم تنهض من بين ركام اليأس والقهر، لتعلن بالصوت العالي أنها لاتزال قادرة على المسك بمقود التاريخ، وها هي اليوم تنطلق برحلتها الجديدة من تونس لتمر عبر مصر واليمن و ليبيا و سورية ، ولا يعلم إلا الله أين ستحط رحالها، وهي في نهضتها هذه تخوض معركة مركبة وشديدة التعقيد مع رؤوس الاستبداد وبعض المشايخ الذين أضحت رهبنتهم السياسية عبئاً على مشروع الجماهير .

وأكثر ما يلفت انتباه المهتم المتابع لما يجري على أرض الواقع تشابه أساليب الطغاة إلى حد التطابق وتشابه مراحل سقوطهم إلى حدٍ بعيد، وكذلك تشابه مواقف بعض المشايخ والعلماء أيضاً. وسأقتصر في مقالتي هذه على الحديث عن موقف المشايخ لما له من دلالات شديدة التأثير في وعي كل إنسانٍ فينا، وهي دلالات قد تفسر إلى حد بعيد سبب تخلفنا عن الأمم الأخرى وسباتنا الطويل .

وسأحدد كلامي أكثر من خلال مناقشة ما صدر عن الدكتور البوطي لموقع الرجل بين علماء بلاد الشام ولمركزية الحدث السوري اليوم في الساحة العربية، ليس لأنه الحدث الأكبر من حيث زخم حالة الانتفاضة، ولكنه الحدث الذي أظهر أكبر سوية تنكيل وبطش ورد فعل عنيف غير متناسب مع حجم التظاهر السلمي إذا ما قورن بالبلدان الأخرى التي شهدت نفس الأحداث، فرد فعل النظام السوري كان الأشد والأعنف حقيقةً إذا ما قورن ببداية الثورات الأخرى حتى بالمقارنة مع الثورة الليبية !

 

"استنساخ" الموقف الرسمي

وسأركّز في كلامي هنا على حديث الدكتور البوطي إلى الفضائية السورية والذي بدا كنسخة مكررة للرواية الرسمية حول الأحداث الأخيرة في المسجد الأموي وفي أماكن أخرى من المحافظات السورية، مع ترديده لنفس التشكيكات الأمنية التي خرجت منه كما تخرج من مصدرها الرسمي مهزوزة تفتقر لأية عقلانية أو إحساس بما يجري على أرض الواقع، ولا أدري كيف لشخص طبيعي ناهيك أن يكون عالماً أن ينجرّ لمثل هذه الطريقة البدائية والخرفة في التحليل، فبعد أن بدأ فضيلته الحديث عن ما جرى في يوم الجمعة (18/3/2011) بعد إنهائه لخطبة وصلاة الجمعة في الجامع الأموي يقوم بتوجيه اتهامٍ خطيرٍ للذين تظاهروا في ذلك اليوم على شاكلة الاتهامات التي توجهها السلطة وهي النسخة المكررة لاتهامات المستبدين السابقين من بن علي ومبارك وأؤلئك الآخرين الذين أصدرت الجماهير مرسوم إقالتهم إلى مزبلة التاريخ وجاري التنفيذ . يتهمهم بأنهم يوظفون المسجد لأغراضهم الخاصة في الوقت الذي لا تعرف جباههم السجود ولا يعرف جزع الواحد منهم الركوع وموضوع الصلاة غائبٌ عنهم ووجودهم في المسجد شيء غريب ولا يصلّون ( والنقل هنا حرفي )، لقد سمح البوطي لنفسه بالشق عن صدور المتظاهرين وبالتشكيك في نواياهم وفي دينهم أيضاً فالحديث عن عدم معرفة جباههم السجود هو تشكيكٌ صريحٌ بدين هؤلاء المسالمين في الوقت الذي لم يشكك فيه الإمام علي بإخلاص الخوارج الذين ذبحوا وسفكوا الدماء وكفروه هو بالذات !

ولكن هذا ليس مستغرباً فالرواية الرسمية صدرت بأن من قاموا بالتظاهر " والتحريض " هم أشخاص كانوا خارج المسجد ولم يكونوا من المصلين، وما على البوطي إلا ترديدها دون وجه حق، أو نستطيع القول بأنها محض افتراء فالبوطي يقول بأنه ما إن أنهى الصلاة حتى بدأ الناس بترديد عبارة ( لا إله إلا الله ) وأن الأمر كان طبيعياً جداً وانتهى الإشكال ثم قال بوجود اندخال  لهتافات تحمل فتنة في الوقت الذي أظهر مقطع فيديو تسرب مؤخراً لحظة بدء الهتافات داخل المسجد وكانت واضحة بعبارة لا إله إلا الله ثم عبارة ( حرية-حرية ) مع صورة لشاب يحمل لافتة تقول لا للقمع مع رسم للصليب والهلال كرد على مزاعم التحريض الطائفي، فأين هي الشعارات التي سمعها فضيلته ومن أين رأى الفتنة، أم أنه يرى أن الحرية هي ما يمثل تلك الفتنة التي يخاف منها، كما يخاف منها الطغاة أيضاً. وبالمناسبة فإن التسجيل يظهر الهتافات بالتزامن مع لحظة انسلاله من بين الجموع، ربما خوفاً على نفسه من الفتنة !

ثم يقول بأنه ما إن خرج إلى الساحة الخارجية للمسجد حتى شاهد أناساً يجلسون بدون صلاة وينتظرون ساعة الإعلان عن أنفسهم . ترى كيف عرف الدكتور قدّس الله سرّه أن هؤلاء لم يصلوا وأنهم يتربصون لحظة " الفزعة " في الوقت الذي خرج فيه إليهم بعد إنهاء الصلاة ؟!

هل كان يفترض بهم أن يطيلوا السجود إلى أن يخرج شيخهم حتى يراهم ويختم على جباههم ختم الإيمان. هل هذا فتحٌ جديد من فتوح الشيخ الربانية أم هي حالة جديدة له تتراوح بين النوم واليقظة يستطيع أن يرى فيها ما لا يراه بشر، أم أن لديه قدرة حفظ وجوه جميع المصلين في الجامع الأموي بحيث يستطيع التمييز بين الأصيل والدخيل ؟!

أرجو أن ترحم عقولنا يا فضيلة الشيخ فأنت حين خرجت من المسجد كما يظهر في التسجيل كان العشرات من المصلين يهتفون، وكانت التظاهرة قد بدأت فكيف تريد أن تشكك بأشخاص رأيتهم خارجاً بعد أن أنهى الجميع صلاتهم وكان داخل المسجد مشتعلاً بهتافات التوحيد والحرية، أم أن للفتوحات الربانية ارتباطات مع الرواية الرسمية !

ويضيف بأنه مسؤولٌ عن هذا الكلام، نعم يا سيدي أنت مسؤول ليس فقط أمام الله عزّ وجل، بل أمام الشعوب وأمام أولئك الذين اتهمتهم في ذمتهم ودينهم وولائهم ثم تركتهم يضربون بدون رحمة في ساحة الأموي الأمر الذي وثقته الصور ومقاطع الفيديو، شككت بهم دون أن تنبس ببنت شفة حول الضرب الهمجي حين كان يمسك بالشاب بأيدي خمس أو ست أشخاص ثم يضرب أمامك وأمام الآخرين، الأمر الذي لا يتكرر إلا في الأراضي الواقعة تحت الاحتلال . لقد صدقت بهذه أنت مسؤول وأرجو أن لا تنسى ذلك، كما نسيها بعض المشايخ الذين كانوا في صف الحاكم ثم أصبحوا بقدرة قادر أكثر الناس حرصاً على الجماهير والثورة ..

ثم يحدثنا الدكتور عن أن الإصلاح قد بدأ منذ شهر من خلال دعوة الرئيس لكبار العلماء والمفكرين لمناقشة مسألة الإصلاح، ثم يحدثنا بعد الكلام التنظيري عن خطوات تنفيذية تقوم بها الدولة ناسياً أو متناسياً أن هذه الدولة ليست وليدة اليوم أو البارحة وأن وعودها ليست جديدة فكل هذه الأمور مطروحة حبراً على ورق منذ سنوات طويلة ولم يرَ منها المواطن شيئاً، فلماذا المزايدة على آلام المواطنين ولماذا الحديث عن ضرورة الحوار بين المواطن والمسؤول وكأن المواطن متكبرٌ عن وضع يده بيد مسؤوله ويؤثر على ذلك افتراش الطرقات (حباً في البهدلة والجلوس على الأرض) ، ولا أدري حقيقةً لماذا لا يحترم الشيخ عقول مشاهديه فمنذ متى كان المسؤول في سوريا يتكلم عن الحوار واللقاء ومنذ متى كان الناس يرفضون هذا الأسلوب، هل يكلمنا الشيخ عن سوريا أم أنه يعيش في برجٍ عاجيٍ خاصٍ به ؟ ويتابع حديثه عن التدرج والمرحلية وخطأ الطريقة الثورية وكأن على الإنسان السوري أن يحيا ويموت على أنغام التدرج دون أن يرى لحظةً من الكرامة والحرية كغيره من البشر ..

ويزيد الطين بلّة حين يسأل المشاهدين أيهما الطريق الأجدى : هل هو التظاهر أم هو اللقاء والحوار مع المسؤولين ويجيب بنفسه أن كل عاقل يقول بأن الطريق الأجدى لا يتمثل في مظاهرات . ولكن الشعوب ترد عليه الآن بأن كل عاقل بات يعرف جيداً أن حقوق الشعوب لا تؤخذ بطريقة الاستجداء الذليل وإنما أثبتت الثورات العربية أن الحقوق تؤخذ بالإرادة والتصميم والعمل السلمي المدني فهذه هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الطغاة والتي تحصّل من خلالها الحقوق .

ولكن أطرف ما يمكن أن نسمعه من الشيخ هو تركيزه على أن بعض الدعوات التي تداولتها مواقع الانترنت تصدر عن أشخاص مقنّعين لا يفصحون عن أسمائهم الحقيقية، ويطلب منهم التعريف عن أنفسهم . وأنا من هذا المنطلق أتمنى لو استطاع هؤلاء الظهور بأسمائهم الحقيقية ولكنني أسأله في الوقت نفسه بأنهم في حال فعلوا فهل سيذكرهم فضيلة الشيخ أو يطلب من السلطات إطلاقهم أو رفع الظلم عنهم حين سيتعرضون لما يتعرض له المعارضون الآخرون في سوريا؟ أم أنه سيقوم بالتشكيك بدينهم وتخوينهم كما فعل مع من رآهم أثناء انسلاله هارباً من بين جموع المتظاهرين في المسجد . أم أنه سيلتزم الصمت حيالهم كما فعل مع قضايا المعارضين الأحرار كهثم المالح والآخرين كطل الملوحي وغيرها التي لفقت لها قصة ستبقى وصمة عار على جبين المجتمع السوري، القصة ذكرها عبد الباري عطوان في مقالته الأخيرة بشيء كثير من الأسى والتهكم !

أم نُذّكر فضيلته بأطفال الابتدائي الذين اعتقلهم الأمن في مدينة درعا الأبيّة والذين كان اعتقالهم سبباً في اندلاع الانتفاضة الأخيرة، ثم الإفراج عن بعضهم في مرحلة متأخرة من الأحداث تحت الضغط الإعلامي والشعبي وعلى أجسادهم آثار التعذيب التي ستبقى كابوساً يطارد الوعي السوري لفترة طويلة . هل يحق لفضيلته أن يطلب من الناس تعريض حياتهم للخطر في الوقت الذي يلتزم فيه أسوأ أشكال السلبية والسكوت على من اعتقل أو قتل في درعا وغيرها. ثم لا داعي أيضاً لتضليل الرأي العام يا شيخنا فليست كل دعوات التظاهر مقنعة ومجهولة الهوية، فبعض الدعوات أتت من أشخاص معروفين في المجتمع السوري كسهير الأتاسي وغيرها ممن دعوا على موقع الانترنت لتوقيع الراغبين بالانضمام لأهالي المعتقلين السياسيين في تضامنهم أمام وزارة الداخلية والذين تم اعتقالهم في ذلك اليوم ولم نرَ الشيخ يشاركهم عملهم مع أنهم كانوا معروفين وواضحين كما لم نسمع منه أي تفاعل مع حدث ضربِهم ( رجالاً ونساءً ) واعتقالهم جراء دعوتهم للاعتصام أمام الداخلية !

أما بالنسبة للدعوات المجهولة الأخرى فأنا لا أتفق معها كلها ففيها الغث والسمين فبعضها يحمل فكراً خاطئاً تحريضياً، وبعضها الآخر يحمل فكراً تحررياً سليماً لا يضمر الكره لأحد ويحاول أصحاب هذه الدعوات متابعة أخبار المحاصرين والمعتقلين والتضامن مع قضاياهم ومن العدل أن نقف مع العدل أينما وجد . والحياة تكون في كثيرٍ من الأحيان كلمة !

لقد كنّا ننتظر من الدكتور البوطي أن يقف مع المستضعفين ومع قضايا شعبه في هذه المرحلة الحرجة، وأن يحاول المساعدة على تهدئة الأوضاع من خلال الضغط على السلطات لتحقيق هذه المطالب لا أن يكون منحازاً لطرف السلطة محاولاً تبرير التأخير والتسويف والمماطلة في عملية الإصلاح التي يبدو تعاني من عملية استعصاء مزمن .

لقد آن لهذه الأمة أن تنفض عن كاهلها عهود الاستبداد وآن لعلماء الاستبداد أن يكفّوا عن الكلام والدندنة على أنغام ملّتها الشعوب . فالعصر اليوم لم يعد عصر الجماهير المنقادة بل إنه عصر الجماهير التي تقود الطغاة وأتباعهم ، بل وستقود التاريخ أيضاً .

الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
الإعلانات