أون إسلام.نت

استشارات :

50 خطوة لفهم ودعم المغتصبة

أرسل لصديقك طباعة
(0 تصويتات, متوسط 0 من 5)
50 خطوة لفهم ودعم المغتصبة
36861
د.محمد المهدي
تتعرض المغتصبة لمواجهة عنيفة مع شخص أو أكثر ترى في عيونهم الرغبة الحيوانية الجامحة، وتقع في لحظات بين أيديهم وتكون فاقدة للقدرة على المواجهة وربما يتم تهديدها بسلاح أو تكميم فمها أو تقييد أطرافها، وربما يهددها الجاني أو الجناة بالقتل، وكثيرا ما يتناوبون الاعتداء عليها، وبعد انتهاء الجريمة تكون عرضة للقتل في بعض الحالات حتى يخفي الجناة جريمتهم.
إذن فالمغتصبة قد واجهت لحظات رعب زلزلت كيانها النفسي وأحدثت تهتكات وشروخا نفسية هائلة، وواجهت الموت، وانتهكت كرامتها وانتهك شرفها.

هذا التوصيف نضعه في المقدمة حتى نستطيع إدراك ما تعرضت له ضحية الاغتصاب وبالتالي نتصور ما تحتاجه من رعاية نفسية واجتماعية ودينية وروحية، وهذا ما سنحاول أن نتعامل معه في خطوات ترسم بداية الحالة النفسية للمغتصبة، مما يحيلنا بالتالي لكيفية التعامل معها وتقديم العون الصحيح لها آخذين في الاعتبار تجنب الأخطاء الشائعة التي تودي بحقوقها القانونية.

الحالة النفسية للمغتصبة

 طالع:
نادي ضحايا الاغتصاب
بعد الاعتداء عليها مباشرة يظهر على المغتصبة بعض المشاهدات التي تلخص معاناتها الشديدة والتي يجب فهمها وأخذها في الاعتبار كالتالي:

- حين نراها بعد الجريمة مباشرة تكون في حالة من التشويش والشرود والذهول.
- ربما لا تستطيع التحدث بشكل منتظم، وإنما يصدر عنها كلمات متقطعة أو مبهمة.
- حين تستعيد هدوءها بعض الشيء يساورها شعور بالخجل والعار والإهانة والقلق.
- أحيانا تنفجر غاضبة ثم تهدأ وأحيانا تدخل في نوبات من البكاء، وربما تحاول الانتحار.
- تنظر لمن حولها بشك وتوجس، وإذا التقت عيناها بمن تحب من أقاربها فهي تنظر للحظات إليه (أو إليها) ثم ترتمي في أحضانه (أو أحضانها) طالبة الأمان أو طالبة السماح.

- حين تعود لرشدها أكثر وأكثر ربما تبدأ في الشعور بالذنب وتلوم نفسها على أنها تسببت في حدوث ما حدث.
- تتساءل عما إذا كانت شاركت فيما حدث أو سكتت عنه ولم تقاوم بشكل كاف، أو أنها أغرت الجاني بها أو تواجدت في مكان لم يكن يجب أن تتواجد فيه، أو أنها ارتكبت ذنوبا وخطايا يعاقبها الله عليها بما حدث منها.

- نتيجة لهذه الاضطرابات الانفعالية العديدة تكون المريضة في حالة إعياء شديد، وأرق وفقد الشهية للطعام، وعدم التركيز.
- على المدى الطويل تصاب المغتصبة بما يسمى "كرب ما بعد الصدمة" حيث تتكون لديها ذاكرة مرضية للحدث تؤثر في حياتها النفسية، حيث تعاودها صورة الحدث في أحلام اليقظة وفي أحلام النوم بشكل متكرر وملح.
- كلما رأت أو سمعت أو عايشت أي شيء يذكرها بالحدث فإنها تصاب بحالة من القلق الشديد والخوف وتسارع ضربات القلب والعرق، ولذلك فهي تحاول تفادي أي مؤثرات تذكرها بالحدث أو تمت له بصلة.

- قد يكون من تداعيات هذه الحالة ومضاعفاتها نوع من الاكتئاب المتوسط أو الشديد مصحوبا بأعراض قلق ووساوس (خاصة وساوس النظافة والطهارة)، وهذا قد يعوق المريضة عن ممارسة حياتها بشكل طبيعي.
- حادث الاغتصاب (أو حتى هتك العرض أو التحرش) يؤثر على رؤية المغتصبة للجنس الآخر، فقد ترى الرجل على أنه حيوان يريد افتراس جسدها وترى العلاقة الجنسية على أنها علاقة حيوانية عدوانية قذرة.
- قد يؤثر هذا في قرارها بالزواج فترفض خوفا من العلاقة الجنسية التي عايشتها في صورة مخيفة، وإذا تزوجت فقد تواجه مشكلات في علاقتها الجنسية بزوجها لنفس السبب.

الرعاية العاجلة

- تقدم الرعاية العاجلة في اللحظات المبكرة لاكتشاف حالة الاغتصاب، حين تظهر الضحية أو تكتشف.
-  يستوجب إشعارها بالأمان وإحاطتها بكل وسائل الرعاية الصحية والنفسية، وتجنب لومها أو تأنيبها أو الضغط عليها بأي شكل من الأشكال.
- على المعالجة (أو المعالج) أن تكون مدعمة وإيجابية نحو الضحية وأن تتجنب الموقف القيمي تجاه المغتصبة.
- يجب طمأنتها على توفير فرص العلاج والرعاية وعلى إتاحة الفرصة لنيل حقها القانوني، وإرشادها إلى المراكز التي تقوم برعايتها رعاية متكاملة.

حفاظا على حقوقها

- يجب إبلاغ الشرطة فورا ويجب إبقاء كل العلامات الدالة على الجريمة حتى تنتدب الشرطة طبيبا شرعيا يقوم بفحص الحالة.
- التحفظ على عينات الدم والشعر والملابس وأي سوائل أخرى على جسد المجني عليها لأن هذه الأشياء سيكون لها أهمية قصوى في التعرف على الجاني وإثبات إدانته.
- من الأخطاء الشائعة أن يقوم المحيطون بالضحية بتغيير ملابسها ويطلبون منها أن تأخذ حماما لتتخلص من آثار الاغتصاب، وهم يظنون أن ذلك يريحها جسديا ونفسيا، ولكن ذلك يضيع حقها حيث سيخفي معالم الجريمة.. (يمكن دمجها بسابقتها).
- على الأطباء حديثي التخرج والذين يستقبلون مثل هؤلاء الضحايا في المستشفيات أن ينتبهوا جيدا وأن يتعلموا كيف يتصرفون في مثل هذه الحالات من الناحية الطبية ومن الناحية القانونية.

- إذا لم يكن لدى الطبيب خبرة بما يجب عمله في مثل هذه الحالات عليه بالاتصال فورا بمن هم أكثر خبرة من الفريق الطبي والإداري بالمستشفى.
- يستحسن أن تتعامل طبيبة واختصاصية نفسية مع الحالة في المستشفى، حيث إن الضحية ربما لا تحتمل في ذلك الوقت أن يقترب منها طبيب للكشف عليها أو يسألها أسئلة جارحة لأنوثتها، وهي لتوها خارجة من مواجهة مؤلمة ومهددة لحياتها مع رجل.

- إذا لم تكن هناك طبيبة متاحة فعلى الأقل يتواجد مع المريضة ممرضة أو أكثر كي تشعر بالأمان في وجود بنات جنسها.
- تقوم الطبيبة بتقييم حالة المغتصبة من الناحية الجسدية والنفسية طبقا للقواعد الطبية المعروفة.
- يجب أن يتم هذا التقييم في مكان يتسم بالخصوصية والهدوء والراحة، وأن تتاح للضحية فرص الاتصال بذويها أو بمحاميها.

- من الضروري جمع أكبر قدر من التفاصيل حول ظروف الحادث وتوثيق ذلك في ملف المريضة.
- إذا لم تستطع الإدلاء بالتفاصيل في جلسة واحدة يجب أن لا نثقل عليها فوق احتمالها فنؤجل ذلك لوقت آخر قريب، وربما نحتاج لأكثر من جلسة لإتمام التقييم الطبي والنفسي، ويلي ذلك جلسات للعلاج النفسي التدعيمي.
- استدعاء أفراد أسرة المغتصبة في أقرب وقت متاح كي يكونوا بجوارها فيبعثوا الطمأنينة والإحساس بالأمان في نفسها، وهم أنفسهم سيكونون أيضا محل رعاية واهتمام من جانب فريق الرعاية الطبية والنفسية.

- فريق الرعاية الطبية والنفسية غالبا ما يتكون من طبيبة نفسية وممرضة، إضافة إلى أي تخصص طبي تحتاجه المغتصبة في حالة وجود إصابات جسدية تستدعي التدخل كالجروح والتهتكات والسحجات والكدمات والكسور إن وجدت.
- يجب ألاّ نثقل على الضحية بالأسئلة والاستفسارات الكثير بدون داع فهي تكون بحاجة إلى الراحة، ولا نسألها إلا فيما هو ضروري، أما إذا كانت هي راغبة في أن تتحدث وتحكي فيجب أن نساعدها على ذلك لأن في ذلك تفريغ للشحنات الانفعالية التي نتجت عن الحدث.
- حين تأتي الشرطة لمناظرة الحالة ومعاينة آثار الجريمة فيجب أيضا مراعاة الاقتراب برفق من الضحية ومراعاة مشاعرها.

- إذا توافرت شرطية أنثى يكون أفضل حتى لا تتأذى المغتصبة بالإفصاح عن تفاصيل الجريمة أمام ضابط رجل، وإذا ناظرها ضابط رجل فيجب أن يكون ذلك في وجود ممرضة أو اختصاصية نفسية حتى تشعر بالأمان.
- يقوم الطبيب الشرعي بأخذ عينات من الشعر والدم والسوائل الموجودة على جسد وملابس الضحية، وربما يقوم بتصوير الإصابات الموجودة في جسدها لتكون قرائن تسهل الوصول للجاني ومعاقبته، وهذا أمر هام جدا لأن النجاح في الوصول للجاني ومعاقبته هو جزء من متطلبات الالتئام النفسي لدى المغتصبة.

الرعاية اللاحقة

يجب أن تقدم للضحية رعاية لاحقة بعد خروجها من المستشفى، أو بعد تجاوزها للمرحلة الحادة في الأزمة، وتستمر لمدة عام كامل على الأقل، ويستحسن أن تكون الرعاية النفسية والاجتماعية والروحية في هذه المرحلة في أحد المراكز المتخصصة، وتقوم به الأسرة بالتوازي، وفيما يلي بعض الملاحظات والشروط لما يجب أن تقوم به تلك المراكز العلاجية:

- يجب أن تحتوي تلك المراكز على فريق متعدد التخصصات يحوي طبيبة نفسية واختصاصية نفسية واختصاصية اجتماعية، ومرشد ديني، ومستشار قانوني.
- يتلخص هدف الفريق في علاج حالة "كرب ما بعد الصدمة" ومساعدة المغتصبة على العودة لممارسة حياتها الطبيعية بعد التئام جراحها النفسية.
- وسائل المساعدة في المركز المتخصص تكون عبارة عن جلسات نفسية فردية أو جماعية أو كليهما، إضافة إلى جلسات إرشاد نفسي للمغتصبة وأسرتها.

- يضم المركز المتخصص أحيانا ما يعرف "بمجموعات المساعدة الذاتية" وهي مجموعات علاجية يقوم عليها ضحايا سابقات للاغتصاب، فتعطي المغتصبة القديمة خبرتها في التعافي للمغتصبة الحديثة ويتبادلن جميعا الخبرات ويدعمن بعضهن البعض، وتشعر المغتصبة وسطهن بأنها ليست وحدها التي تعرضت لهذه المحنة.

- أيا كانت الوسيلة العلاجية فإن الطريقة الأهم هي إعطاء الفرصة للمغتصبة أن تتحدث عن تجربتها دون خوف أو خجل أمام المعالجة أو المعالج، وهي بذلك تعيد معايشة الحدث في ظروف آمنة وبالتالي تعيد هضمه واستيعابه في منظومتها المعرفية بشكل أفضل.

- تتخلص المغتصبة شيئا فشيئا من الذاكرة الصدمية التي تكونت بداخلها في لحظة الحدث، وبعبارة أخرى تتعافى من حالة "كرب ما بعد الصدمة".
- قد تشارك المغتصبة من خلال المركز في بعض المنتديات على الإنترنت والخاصة بدعم ورعاية المغتصبات.
- ربما تتجاوز المغتصبة محنتها، وبدلا من أن تشعر بأنها ضحية، تقوم بدور إيجابي في رعاية مغتصبات أخريات، بل ربما تقوم بدور كبير على مستوى المجتمع الأوسع للحد من جريمة الاغتصاب والجرائم ذات العلاقة مثل هتك العرض أو التحرش.

- نجاح المغتصبة بالقيام بدور إيجابي يساعدها على تجاوز محنتها، ويجعلها تتغلب على شعورها بقلة القيمة وبضعف القدرة والحيلة وبانعدام السيطرة على حياتها تلك الأفكار والمشاعر السلبية التي تكونت لحظة الاغتصاب.
- تقوم الأسرة بتوجيه من المركز العلاجي المتخصص بمساعدة المغتصبة على العودة إلى أنشطتها وعلاقاتها الأسرية والاجتماعية الطبيعية في أقرب وقت، والعودة إلى عملها وهواياتها واهتماماتها وأنشطتها الدينية.

- من المهم أن تواصل الضحية وأسرتها بذل الجهود على المستوى القانوني للوصول إلى الجاني وتقديمه للعدالة، حيث أن هذه الجهود تشعرها وتشعرهم بالإيجابية والراحة، كما أن القصاص العادل من الجاني يعطي راحة نفسية كبيرة للضحية ويساعد على التئام جراحها النفسية والاجتماعية.
- إذا أصيبت المغتصبة في أي مرحلة من المراحل بحالة من القلق أو الاكتئاب، أو كانت أعراض "كرب ما بعد الصدمة" شديدة فإن العلاج النفسي والإرشاد النفسي قد يصاحبه علاج دوائي لمثل هذه الاضطرابات النفسية.

- العلاج الديني له أهمية خاصة في مثل هذه الحالات، وقد يكون علاجا منفصلا يقوم به معالج نفسي (أو معالجة) له خلفية دينية جيدة، أو يقوم به واعظ ديني (أو واعظة) لديه خبرة بالأمور النفسية.
- قد يكون العلاج الديني جزءا من علاج معرفي سلوكي يساعد المغتصبة على تفهم الخبرة الصدمية وإعادة رؤيتها بشكل موضوعي، ووضعها في الخريطة المعرفية بشكل يجعلها محتملة في الجهاز النفسي.

مسار الحالة ومآلها

- إذا كانت شخصية المغتصبة متماسكة قبل الاغتصاب، وإذا لقيت دعما كافيا بعده فإنها قد تتعافى بشكل شبه كامل خلال عام من الحدث وتعود لحياتها الطبيعية كأي امرأة بما يتضمن حياة جنسية سوية مع زوجها.

- في بعض الحالات قد يكون هناك خوف مؤقت من العلاقة الجنسية (قد يصل إلى درجة الرهاب)، وقد يكون هناك نوع من التقلصات المهبلية تصعب عملية الجماع في بداية الزواج أو قد يكون هناك نوع من البرود الجنسي، وهذه الأشياء يمكن علاجها في حينها، ولكن من الأفضل أن نعالج المغتصبة مبكرا حتى نجنبها كل تلك التداعيات.

- يعتمد مسار الحالة ومآلها على شخصية المغتصبة قبل الاغتصاب، وعلى درجة وخطورة التهديد والعنف الذي واجهته أثناء الاغتصاب، وعلى مدى مقاومتها لفعل الاغتصاب، وعلى الرعاية التي قدمت لها بعد الحادث.

- وجد أن كثيرًا من الآثار السلبية الاغتصاب يمكن تلافيها بتقديم الرعاية النفسية والاجتماعية المناسبة والسريعة للمغتصبة، وتشجيع الضحية على أن تنفس عما بداخلها لأحد أقاربها المحبين والمتفهمين، وتقديم الخدمة النفسية بواسطة فريق طبي نفسي متعاطف، وتقديم المساعدة القانونية بواسطة محام أو مركز استشارات قانونية مثابر يساعد المغتصبة على نيل حقوقها، وإرشاد ديني يساعد على تقبل الحدث كابتلاء والصبر عليه والشعور بمساندة الله ومعيته.

 

الإعلانات