أون إسلام.نت

استشارات :

تبدد الواقع وتبدد الشخصية.. محاولة للفهم

أرسل لصديقك طباعة
تفاصيل الإستشارة
محمود

تحية طيبة إلى كل من يعمل فى هذا الموقع.. حقيقة أرجو منكم معلومات عن مرض Derealization وDepersonalization فأنا مصاب بهم منذ فترة طويلة، ولم اكتشف ذلك إلا قبل فترة قصيرة عندما كنت اقرأ عن النفس البشرية باللغة الإنكليزية على الإنترنت، فتفاجأت أن أحد أسباب هذا المرض هو صدمة على الرأس trauma وأنا منذ أن تعرضت لصدمة على أذنى اليسرى وفقدت السمع بها لمدة يومين، وبسبب الخوف لم أراجع الطبيب ولم أخبر أهلى، فبعدما عاد سمعى ظننت أن المشكلة قد زالت، رغم أننى أصبح لدى اختلال بسيط فى التوازن، حيث أنى عندما أمشى أميل أحيانا إلى اليسار كأننى اسقط.

المهم بعد علمى بذلك راجعت الطبيب المختص، وأعطانى دواء: Stugeron وNeurorubine.. ولكن السؤال هل يمكن أن تشفى أذنى بعد ثمان سنوات من الإهمال؟!! وهل هناك علاج فعال لمرض derealization لأننى قرأت أنه ليس له علاج حقيقى لا دوائى ولا سلوكى؟

فماذا افعل أرجوكم فأنا تائه ويائس، فأنا عانيت كثيرا فى مسألة التواصل مع الناس خلال كل هذه الفترة، ونبضات قلبى تتسارع قبل ذهابى إلى الدوام كأننى ذاهب لأقاتل مع أحدهم!

أرجوكم لا تهملوا رسالتى وجزاكم الله خيراً
أميرة بدران
2011-01-17
الاجابه

أخي الكريم العلاج الذي وصفه لك الطبيب هو في حقيقة الأمر يعالج أثر تلك الصدمة التي حدثت لك فأثرت على أذنك ، وهي تعمل على تقوية الدورة الدموية في المخ وزيادة الانتباه، ولكن ما شخصه الطبيب بDerealization يعني باللغة العربية تبدل "الواقع"، أما المقصود ب Depersonalization هو تبدد"الشخصية" أو يُقصد به "اختلال الإنية"، وهو مصطلح في الطب النفسي يعني ببساطة شديدة عبارة عن تغير مزعج في إدراك الإنسان بنفسه أي: كيانه النفسي الواعي، أو ببساطة أكثر لا يتمكن الشخص أن يصل لنفسه كما كان يعرفها بشكل بسيط وسهل بصورة جزئية أو كلية؛ فيجد نفسه وكأنه بعيد عن نفسه جداَ، وسلوكه وحركاته لا تشبهه، فيشعر أن ما يقوم به كأنه "تمثيل"، وكثيرا ما جاء على لسان مرضى هذا الاختلال رغم الصعوبة الشديدة التي يجدونها ليتمكنوا من التعبير عن مشاعرهم المرضية بقول:"أشعر كأنني أصبحت كالإنسان الآلي" أو "أصبحت مختلفا عن أي إنسان" أو "أصبحت مفصولا عن نفسي" أو "أصبحت كأني أراقب نفسي" وبعضهم يقول: "أشعر أني نصف نائم أو دائما بين النوم واليقظة"، أو "أشعر كأن رأسي أصبح وعاءً مملوءًا بالقطن" وعادة ما يصاحب تلك الشكاوى أيضًا "...لا أستطيع أن أركز" في ما يحدث حولي،

وهناك أيضًا من يشتكي بقوله "كأنني لم أعد من كان" أو "أشعر بأنني تغيرت ولا أعرف أقول كيف؟" أو "أشعر كأن شيئا ما يحول بيني وبين نفسي" أو أنا لا أعرف نفسي "أقف أمام المرآة فلا أرى نفسي.. أرى إنسان آخر"أو "أسمع صوتي وأنا أتكلم فأحس أنه شخص آخر يتكلم! وليس أنا" كذلك يمكن أن نجد شكاوى من نقص الوعي بالجسد كلا أو جزءًا فتقل أو تنعدم المشاعر الجسدية فنسمع من يقول: "كأنني أصبحت شبحا لا أحس بجسدي" أو "كأن يداي لم تعودا جزءًا مني" وهناك من يصر على تغير إحساسه بالجوع أو العطش بل وحتى الألم أحيانا،... إلخ، أما  في تبدل الواقع يشعر فيه  الشخص وكأن كل ما حوله ليس حقيقي وأن كل ما يتم حوله مثل الآليات تعمل بشكل مختلف عن الطبيعي الذي يعرفه، أو أن كل ما حوله غير حقيقي أو بعيد، ومعظم تعبيرات من يعانون من تبدل الواقع تدور حول: التغير الغريب والمُهَدِّد في إدراك الواقع فمثلا "يبدو كل شيء حولي زائفا أو غير حقيقي" أو "كأن كل ما حولي صناعي كأنه عالم من الكرتون لا حياة فيه" وأحيانا نجد من يقول: "تبدو الأشياء في عيني وقد فقدت بعدها الثالث ليس لها عمق كأنها كلها صور!" أو "يبدو كل شيء حولي وكأنه تمثيل وأنا أتفرج" وحتى في الحالات التي يبدو الواقع فيها حقيقيا فإننا نجد من يقول: "تبدو الأشياء أقل حيوية مما كانت"..... إلخ .
ومن أكثر الشكاوى التي تصاحب العرض الخاص بالفصل عن الوجدان أن الشخص يشعر إما بتغير أو عدم وجود مشاعره أو استجاباته الانفعالية المعتادة "مشاعري ماتت لا شيء أتفاعل معه لا شيء يؤثر فيّ" أو "أنا أشعر بالعجز عن استشعار شعوري تجاه كل شيء مشاعري لم تعد كما كانت ولا أدري كيف" أو من يقول: "مشاعري لم تعد بطبيعتها وتلقائيتها المعتادة وكثيرا ما أظهر ما لا أحسه حقيقة" أو من تقول لطبيبها النفساني بعد سنوات من المحاولات العلاجية غير الناجحة: "لا أشعر بأي شيء: لا اكتئاب، لا قلق، لا وجع، لا سعادة إطلاقا لا أشعر!".... إلخ. والحقيقة أن وصف هذه المشاعر تكون صعبة على المريض نفسه جداَ، ولقد تم تشخيص حالتك بأن لديك" متلازمة" تبدد الشخصية(اختلال الإنية)-تبدل الواقع،  وفي تصنيف المتلازمة وفقا لمنظمة الصحة العالمية العاشر أنه يمكن تشخيص هذا الاضطراب تبعا لشكوى المريض بتبدل واقعه دون اشتراط شكوى المريض من تغير وعيه بكيانه النفسي فجاءت المحددات فيها كالآتي:

 

(1) أعراض اختلال الآنية (تبدد الشخصية) أي أن الشخص يشعر بأن مشاعره الخاصة أو خبراته مفصولة أو بعيدة أو ليست ملكه أو مفقودة، أو ضائعة...الخ؛
(2) أعراض تبدل الواقع : أي أن الأشياء أو الناس أو المحيط تبدو غير حقيقية أو بعيدة أو اصطناعية أو فاقدة للون أو فاقدة للحياة، الخ؛
(3) القبول بأن هذا التغير تغير شخصاني تلقائي وليس مفروضا من قوى خارجية أو من أشخاص آخرين (أي سلامة الاستبصار Intact Insight )
(4) حدوث ذلك في حالة من صفاء الوعي حيث يكون الإحساس كاملا ولا توجد حالة تخليط تسمميه أو صرع.

 

فيتم تشخيص الاضطراب لو وجد رقم(1) أو (2) أو كلاهما إضافة لرقم(3) و(4)

 

وأما التصنيف الأمريكي الرابع  (DSM-IV) فترد محددات تشخيص اختلال الآنية فيه كما يلي:
(1) شعور الشخص بالانفصال عن عملياته العقلية أو عن جسده
(2) سلامة استبصار الشخص بالواقع reality testing
(3) أن ينتج عن ذلك ضيق أو خلل وظيفي معتبر إكلينيكيا.
(4) ألا تمثل تلك الأعراض جزءًا من أعراض اضطراب نفسي آخر أو نتيجة لاستخدام أحد العقَّاقير نفسانية التأثير.

 

وبينما يصنف اختلال الآنية في تصنيف منظمة الصحة العالمية ضمن اضطرابات عصابية أخرى (other neurotic disorders) فإنه في التصنيف الأمريكي يصنف ضمن الاضطرابات الانشقاقية dissociative disorders والحقيقة أن فرقا جوهريا يوجد بين مرضى الاضطرابات الانشقاقية ومرضى اختلال الإنية، فبينما يعتبر عدم الوعي بحدوث تغيير أحد أهم علامات مرضى الانشقاق فإن ما يحرك مريض اختلال الإنية هو الوعي المزعج بالتغير، وبالتالي فإن التصنيف الأمريكي يجانب الصواب هنا، وعرض اختلال الإنية و/أو تبدل الواقع هو عرضٌ يصعب وصفه ورغم شيوعه إلا أنه مهمل، وما يزال علاج شكله الأولي صعبا..... وللتفريق بين الشكلين نقول أن لدينا نوعين من اختلال الإنية و/أو تبدل الواقع:

- اختلال الإنية و/أو تبدل الواقع الثانوي Secondary Deperonalisation-Derealization : وهو الذي يظهر كعرض مرحلي غالبا ضمن أعراض القلق أو الاكتئاب أو الخوف الشديد أو الكرب وغير ذلك من الاضطرابات النفسية والكروب الحياتية، ولأن وصف العرض صعب في ذاته أو يتم التعبير عنه بطريقة غير مفهومة فإن الاهتمام عادة ما ينصب على أعراض الاضطراب أو الحدث الحياتي الكربي، والعلاج في هذه الحالة هو علاج الاضطراب أو المشكلة الأولية والتي يعتبر اختلال الإنية و/أو تبدل الواقع عرضا ثانويا لها.

- اختلال الإنية و/أو تبدل الواقع الأولي Primary Deperonalisation-Derealization : وهي الحالة التي توجد فيها الأعراض دون أي علاقة باضطرابات نفسية سابقة عليها، وتبقى شكوى المريض الأساسية كلها في نطاق اختلال الإنية و/أو تبدل الواقع، وما تزال الفكرة الشائعة عنه أنه نادر حتى أنه يرد في كتاب دليل منظمة الصحة العالمية لتصنيف الاضطرابات النفسية: (وعدد المرضى الذين يعيشون هذا الاضطراب في شكله النقي أو المعزول قليل والأكثر شيوعا، هو أن تحدث ظاهرة تبدد الشخصية ـ تبدل إدراك الواقع في سياق أمراض اكتئابية والاضطراب الرهابي (الخوف المرضي)،والاضطراب الوسواسي القهري)

 

و يحدث اختلال الإنية كعرض في نسبة كبيرة من الأسوياء ذكرت بعض الأبحاث أنها تصل إلى 70% ولكنها تحدث بصورة عابرة ومؤقتة خاصة إذا كان الشخص مجهدا أو مسافرا إلى مكان غير مألوف, ثم سرعان ما يستعيد وعيه بذاته الأصلية مرة أخرى، كذلك فإنها يمكن أن تنتج تحت تأثير الكحول أو غيره من العقَّاقير المخدرة كالحشيش مثلا أو غيره من المهلوسات hallucinogens كالبانجو أو الكيتامين ketamine وتكون أيضًا عابرة في أغلب الأحيان (Noyes & Kletti, 1977) وتحدث في بعض الناس بشكل أكثر شدة وإيلاما ولفترة قد تصل إلى أسابيع أو شهور في صورة اضطراب انشقاقي نتيجة صدمة نفسية أو قلق أو اكتئاب أو حرمان حسي، كما يمكن أن تظهر بصورة مزمنة ومعيقة لفترة طويلة سواء في شكلها الثانوي كجزءٍ من اضطراب نفسي آخر كالوسواس القهري أو الاكتئاب أو صرع الفص الصدغي temporal lobe epilepsy أو كنسمة صرْعية أو مصاحبة لمرض الشقيقة -الصداع النصفي- Migraine headaches أو في شكلها الأولي والذي كان يعتبر أقل انتشارا (2005 ,Medford et al).....

والحقيقة أن الرأي السائد عن معدل انتشار هذا الاضطراب كان إلى عهد قريب هو: "أن عدد المصابين باختلال الإنية في صورته الأولية أو غير المصحوبة باضطرابات أخرى قليل، بينما هو شائع كعرض ضمن أعراض أخرى لاضطرابات نفسية متعددة"...... وأما حديثا فإن عددًا من الدراسات المسحية (Bebbingtonet al, 1997) و(Hunter et al, 2004) تستنج أن عرض اختلال الإنية المعتبر إكلينيكيا قد يحدث لما بين 1% و 2% من الناس العاديين، وليس هناك فرق بين الذكور والإناث في معدلات الإصابة به، وأما بين المرضى النفسيين فإن معدلات حدوث اختلال الإنية كعرض عالية بشكل مدهش فمثلا بينت إحدى الدراسات المسحية (Brauer et al, 1970) على المرضى النفسيين أن عرض اختلال الإنية حدث في 80% من عينة من المرضى النفسيين، وكان مزمنا ومعيقا في خمس هؤلاء الـ 80% وتوحي نتائج دراسات أخرى قديمة وحديثة (Simeon et al, 1997) بأن عرض اختلال الإنية قد يكون ثالث الأعراض النفسية انتشارا بعد القلق والاكتئاب، صحيح أنهم في بعض تلك الدراسات لا يفرقون بين اختلال الإنية الأولي والثانوي إلا أن من الواضح أن اختلال الإنية في شكله الأولي أكثر انتشارا مما هو شائع في اعتقاد كثيرين، وهو ما تشير إليه نتائج دراسات أحدث (Baker et al, 2003) و(Simeon et al, 2003b)!.

 

أخي الكريم أردت أن أحدثك بشكل توضيحي عن حقيقة تشخيصك وفعلت بفضل الله  سبحانه، وبالرجوع لمراجع طبية موثوق فيها ونقلت لك نقلاَ أحدث ما تم توصيفه وتحديده لهذا الاضطراب، وما جاء على لسان المرضى، بقي أن أقول لك أن السؤال الأهم ليس علاج أذنك والإهمال فيها، ولكن الأهم علاج ما مرضت به منذ سنوات متصوراَ أن لا علاج له، فستحتاج بشكل جاد وسريع للتواصل مع طبيب نفسي ماهر حيث ستتلقى العلاج الدوائي والمعرفي والسلوكي المناسب فاجتهد وابدأ، ولا تتوقف أو تمل لأن علاج هذا الاضطراب سيحتاج لوقت وجهد ولكنك ستتحسن كثيراَ إن شاء الله..هيا كفاك تأخيراَ.

إلى كل زوارنا.. شاركوا بآرائكم وتجاربكم حول نفس الموضوع عبر ميل صفحتنا:

[email protected]

الإعلانات