دليل الحاج
الرفيق في الرحلة إلى البيت العتيق
 

1- مقدمة.
2- تعريف الحج والعمرة.
3- حكمة مشروعية الحج والعمرة.
4- فضائل الحج والعمرة.
5- أنواع تأدية الحج والعمرة
6- حكم الحج والعمرة.
7- شروط الوجوب.
8- شروط الصحة.
9- أركان الحج.
10- واجبات الحج.
11- سنن الحج.
12- المحظورات.
13- المبطلات (مفسدات الحج).
14- الكفارات.
15- من آداب الرحلة.
16- بيان مناسك الحج على وجه التفصيل.
      1-  الإحرام من الميقات.
      2- دخول مكة.
      3- السعي بين الصفا والمروة.
      4- يوم التروية.
      5- يوم عرفة (يوم الحج الأكبر).
      6- المسير إلى المزدلفة.
      7- الوقوف بالمشعر الحرام.
      8- رمي جمرة العقبة الكبرى.
      9- ذبح الهدي، والحلق أو التقصير.
      10- التحلل الأصغر.
      11- طواف الإفاضة.
      12- رمي الجمار أيام التشريق.
      13- طواف الوداع.
 
 

بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد ...
    فإن الله تعالى يقول في كتابه الكريم: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (1). ويقول سبحانه: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (2).
    ويقول رسول الله : «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (3).
    سنتعرف خلال هذه الوريقات اللطيفة على ركن عظيم من أركان الإسلام، هو رحلة الأنوار والأسرار والنفحات والرحمات وتبييض الصحائف والقلوب، حيث بيت الله الحرام وأرض الحرمين المقدسة، حيث مكة المباركة والمدينة المنورة، حيث نشأ نبينا محمد ، وحيث استقر جسده الشريف، ويا طيب مُبتدَئٍ منه ومـُختـتمِ .. معًا لنتنسم عبير المسك وريحان الإيمان في حديثنا عن رحلة العمر التي ما إن ينتهي منها الإنسان إلا ويبدأ عُمرًا جديدًا محيت منه خطاياه القبيحة والسيئات.

تعريف الحج والعمرة:
    الحج لغة: القصد، أو كثرة القصد إلى معظَّم، بمعنى طلبه والإتيان إليه.
    وشرعًا: قصد الكعبة في وقت مخصوص لفعل مناسك مخصوصة، والمراد بالوقت المخصوص أشهر الحج الثلاثة (شوال، وذو القعدة، وذو الحجة), والمناسك المخصوصة هي أفعال الحج الآتي ذكرها.
    والعمرة لغة: الزيارة، أو زيارة مكان عامر.
    وشرعًا: قصد الكعبة لفعل مناسك مخصوصة، والمراد بها أفعال العمرة الآتي ذكرها.

حكمة مشروعية الحج والعمرة:
    لا شك أن حِكَمَ مشروعية الحج والعمرة جليلة وكثيرة لا حصر لها، فنذكر منها ما يلي:
1- صلاح القلب: إن في رحلة الحج والعمرة ما يرسخ في قلب الإنسان معاني الفرار إلى الله واللُّواذ بالجناب الإلهي، قال تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} (4)، وهذا الفرار وإن كان قلبيًّا معنويًّا إلا أنه يترسخ بالأفعال الحسية، فالحاج يترك دياره وأهله وزينته وشهواته وما يملكه وراء ظهره، ويبذل من ماله وجهده متحمِّلا مشقة السفر والاغتراب، قاصدًا بيت الله الحرام الذي قال الله عنه: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا}(5). وهذا الحاج قصد الفرار إلى الله ليؤمنه في الدنيا والآخرة من عاقبة ذنوبه وتقصيره في عمره الذي فات، ويمنحه فرصة جديدة ليبدأ صفحة بيضاء من عمره وكأن أمه لم تلده ولم يرتكب ما ارتكب، عسى أن يكتبه الله مع أولئك السعداء المقبولين الذين رضي عنهم {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (6).

2- تاريخ وحضارة: إن في زيارة بيت الله الحرام لتأكيدًا على ارتباط المسلم بحضارته وتاريخه، وسيره على نهج أنبياء الله ورسله {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} (7). فالكعبة المشرفة هي أول بيت وضع لهداية الناس إلى التوحيد وعبادة الله، وصَفَه عزَّ وجلَّ بقوله: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (8)، وقد كان الأنبياء هم أولئك الهداة إلى توحيد الله وعبادته وشد الرحال إلى المواضع التي خصَّها الله تعالى بالطهارة والتقديس {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (9). فشد الرحال إلى هذا البيت الحرام هو توثيق لعرى الرابطة بين الإنسان والأنبياء لا سيما خاتمهم الأعظم عليهم جميعًا الصلاة والسلام، وفي الحديث النبوي الشريف: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ فَقَالَ: أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الْأَزْرَقِ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَقَالَ: أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ وَهُوَ يُلَبِّي» (10). وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لَقَدْ مَرَّ بِالصَّخْرَةِ مِنَ الرَّوْحَاءِ سَبْعُونَ نَبِيًّا حُفَاةً عَلَيْهِمُ الْعَبَاءُ، يَؤُمُّونَ بَيْتَ اللَّهِ الْعَتِيقَ، مِنْهُمْ مُوسَى نَبِيُّ اللَّهِ » (11).

3- إخاء وسلام: ففي هذه الرحلة المباركة تأكيد على وحدة المسلمين وترابطهم باجتماعهم في مكان واحد وزمان واحد، متوجهين إلى رب واحد وقبلة واحدة، وقد صار البيت الحرام وطنًا أكبر للجميع ومثابة للناس وأمنًا، وصارت مكة هي أم القرى كما سماها الله تعالى، فلا التفات هناك إلى اختلاف الأعراق والبلدان واللغات والألوان والثقافات، ولا فرق بين غني وفقير، فالكل سواء في الفقر والحاجة إلى الله سبحانه، ويظل هذا المشهد الحضاري مصداقًا لقول الحق تبارك وتعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (12)، وهناك لا يعم السلام على الإنسان فحسب بل يتسع ليشمل الحيوان والنبات والجماد، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ، وَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا، فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخِرَ» (13).

4- إعمار للأرض: إن في حث الشريعة على الحج والعمرة وترغيبها فيهما لدعوةً صريحةً إلى ابتغاء الرزق الطيِّب والاكتساب، وذلك بالمشاركة في العمل والإنتاج والتنمية الاقتصادية وخدمة المجتمعات الإنسانية، فمن المعلوم أن تكاليف هذه الرحلة ليست بالشيء القليل، فكما يحتاج المسلم إلى زاد يكفيه في سفره للحج يحتاج أيضًا لتوفير زاد آخر يكفي أهله وعياله حتى يعود، فأولئك الذين أرادوا صلاح آخرتهم وطمعوا فيما يترتب على الحج والعمرة من ثواب عظيم تدعوهم شريعة الإسلام أولا إلى العمل الطيب وإعمار البلاد والسعي في الأرض بما ينفع الناس، وليس هذا فحسب بل وتحثهم على الإخلاص والإتقان والإبداع في العمل، بهذا السبيل يتمكن المسلم من تحصيل نفقات الحج والعمرة، فيصلح في دنياه من حيث يطلب صلاح آخرته، بالإضافة إلى ما ينتفع به الفقراء والمساكين من الأضحيات التي تقدم لهم في نهاية موسم الحج، وإلى هذه المعاني يشير قول الله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} (14).

5- شجاعة وتضحية: قال الله عزَّ وجلَّ: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} (15). إن المسلم الذي فارق وطنه وبلاده وقصد البيت الحرام لهو إنسان وطَّن نفسه على الشجاعة، وبرهن على استعداده للتضحية بحياته في سبيل تلبيته نداء مولاه سبحانه، فقد كانت رحلة الحج والعمرة قديمًا محاطة بالكثير من المشقة والمخاطرة التي قد تودي بحياة الإنسان، ورغم هذا لم ينقطع المسلمون عن زيارة البيت العتيق، فتعلق قلوبهم بهذه البقعة المباركة وحبهم لطاعة الله وعبادته كانا سببين كافيين لتوكيد خلق الشجاعة والتضحية في نفوس المسلمين، وإن نفوسًا لم تأبه للخطر واستعدت للتضحية في سبيل هدف أسمى لهي نفوس قادرة على اتخاذ القرارات المصيرية وإقامة الحضارات العريقة إذا ما تهيأت لها الأسباب واتضحت لها الأهداف.

6- عبادة العمر: لما كانت هناك عبادة فردية بين العبد وربه (الصوم)، وعبادة جماعية على مستوى محلة السكن (الصلاة)، وأخرى على مستوى البلدة والقرية (الزكاة)، كان (الحج) عبادة جماعية على مستوى العالم أجمع، ولأجل هذا كانت هي العبادة المتممة والمشتملة على معاني العبادات التي تمثل أركان الإسلام، ففيها التلبية بتوحيد الله الذي هو أحد ركني الشهادة، وفيها أخذ المناسك عن النبي مما يعني الإقرار برسالته، وهو الركن الثاني من الشهادة، وفيها الطواف والدعاء الذي هو روح الصلاة، وفيه بذل المال وإطعام الفقراء الذي هو لب الزكاة، وفيه ضبط النفس وإمساكها عن الرفث والفسوق والجدال بما يمثل جوهر عبادة الصوم، مع ما في تلك العبادة من مشقة السفر والتعرض لمخاطره لأجل تمجيد الله وتوحيده فأشبه الغزو والجهاد في سبيل الله، وعبادةٌ هذا شأنها لهي عبادة عظيمة جليلة.
    ولسماحة الإسلام ورفعه الحرج عن المكلفين لم تُفرض هذه العبادة إلا مرة واحدة في العمر على المستطيعين، فالحج يمثل الأنموذج الكامل للتعبد والتسليم والفناء في طاعة الله والتقرب إليه بكل سبيل، لذا كان ثوابه هو الثواب الكامل كما قال رسول الله : «الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» (16).

فضائل الحج والعمرة:
    جاء في فضائل الحج والعمرة الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة والتي نختار منها ما ندرجه تحت العناوين التالية:
1- أفضل الجهاد: فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: لَا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ» (17).
2- وجهاد من عجز عن الجهاد: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله قال: «جِهَادُ الْكَبِيرِ وَالضَّعِيفِ وَالْمَرْأَةِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» (18).
3- ومولد إيماني جديد: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله يقول: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (19).
4- يهدم ما كان من السيئات: ففي حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله قال: «... أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» (20).
5- والجنة هي الجزاء: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» (21).
6- والعتق من النار أرجى هناك: عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله قال: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» (22).
7- حين يخزي الله الشيطان فينزل على عباده جليل الرحمات: عن طلحة بن عبيد الله أن رسول الله قال: «مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ، قِيلَ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ» (23).
8- وحين يباهي الخالق سبحانه بعباده ملائكة السماء: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله قال: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي مَلَائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا» (24).
9- حيث الدعاء المستجاب والربُّ الكريم: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ إِنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ وَإِنِ اسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ» (25).
10- حيث خير العمل في خير البقاع في خير أيام الدنيا: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» (26).
11- حتى الخطوات لها أجر عظيم: عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع النبي يقول: «مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا -أي سبعًا- فَأَحْصَاهُ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ» وسمعته يقول: «لَا يَضَعُ قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ خَطِيئَةً وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً» (27).
12- وصلاة هنالك تعدل آلاف الصلوات: فعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله قال: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ» (28).
13- ومن العمرة ما يعدل حجة: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي» (29).
14- ويوم لا تكلم نفس إلا بإذنه ترى من يبعث ملبيا: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا أوقصته راحلته وهو محرم فمات، فقال رسول الله : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تُحَنِّطُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (30).

أنواع تأدية الحج والعمرة:
    للحج والعمرة ثلاثة أوجه في تأديتهما:
1- (الإفراد): وله صور، منها: أن يُحْرِم فيه بالحج أولا، ثم بعد الفراغ منه يخرج من حرم مكة إلى أدنى الحل -كالتنعيم- فيُحْرِم بالعمرة في نفس سنة حجه أي ما تبقى من شهر ذي الحجة.
    ومنها: أن يأتي بالحج وحده في سنته.
    ومنها أن يعتمر قبل أشهر الحج ثم يحج من الميقات.

2- (التمتع): يُحْرِم فيه بالعمرة أولا في أشهر الحج، ثم بعد الفراغ منها والتحلل يُحْرِم بالحج من حرم مكة، على عكس الإفراد حيث يقدِّم فيه الحج على العمرة ويُحْرِم من أدنى الحل. وسمي بالتمتع لتمتع صاحبه بإحلال محظورات الإحرام له في فترة ما بين تحلله من العمرة وإحرامه بالحج، وقيل: لتمتعه بسقوط العود إلى الميقات ليحرم بالحج، وقيل: لهما معًا.

3- (القِران): يُقْرِن فيه بين الحج والعمرة أي يُحْرِم بهما معًا في أشهر الحج، أو يُحْرِم بالعمرة -ولو قبل أشهر الحج- ثم قبل الشروع في طوافها يُحْرِم بالحج، فإنه يصح إحرامه ويصير قارنًا، وتدخل أعمال العمرة في أعمال الحج فيكفي طواف واحد وسعي واحد وحلق واحد لقوله : «مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ عَنْهُمَا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» (31).

    (ملاحظة أولى): الصحيح عند الشافعية أن أفضل هذه الوجوه (الإفراد)، ثم (التمتع)، ثم (القران).
    (ملاحظة ثانية): الصحيح عند الشافعية أن النبي كان قد أحرم أولا بالحج مُفْرِدًا، ثم أحرم بعد ذلك بالعمرة وأدخلها على الحج فصار قارنًا، والأصل ألا تدخل العمرة على الحج، لكن النبي خصَّ بجواز ذلك في تلك السنة للحاجة إلى تأكيد جواز العمرة في أشهر الحج بمحضر جمع عظيم من الناس، وذلك على خلاف ما كان يعتقد في الجاهلية من أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض.
    (ملاحظة ثالثة): يجب على كل من القارن والمتمتع هدي –أي: ذبح شاة أو ما يقوم مقامها- شكرًا لله تعالى حيث وفَّقه للإتيان بالعمرة والحج في أشهر الحج وفي سفر واحد، فإن لم يجد لزمه صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله لقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (32)، فإن عجز عن الصيام أطعم عن كل يوم مسكينا لقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} (33).
    أما المُفْرِد فيجب عليه الهدي في حالة ما إذا لم يخرج إلى الحل بعد حجه فأحرم بالعمرة من حرم مكة.
    (ملاحظة رابعة): المفرد يأتي بعملين -عمل للحج وآخر للعمرة- ويُحْرِم من ميقاتين، والمتمتع يأتي بعملين ويُحْرِم من ميقات واحد، والقارن يأتي بعمل واحد -عن العبادتين- ويُحْرِم من ميقات واحد.

حكم الحج والعمرة:
    أما (الحج): فقد قال الله عز وجل: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}(34)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ ... »(35)، وقد أجمع المسلمون على أن الحج فرض عين على كل مستطيع لمرة واحدة في العمر.
وهل يجب الحج على الفور أم على التراخي؟
    اختلف العلماء فذهب الإمام أبو حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم إلى الوجوب على الفور، وذهب الإمام الشافعي وأبو يوسف وغيرهما إلى الوجوب على التراخي ما لم يغلب على الظن فواته إن تأخر، وهو المختار.

    أما (العمرة): فقد اختلف العلماء في حكمها فقيل: مستحبة، وقيل: واجبة، وللإمام الشافعي فيها قولان أصحهما أنها واجبة وهو المختار؛ لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}(36)، أي اجعلوهما تامَّيْن، والأمر بتمام الشيء يقتضي الأمر بالشيء ذاته؛ لأن التمام صفة للشيء، والأمر بالصفة يستلزم الأمر بالموصوف لاستحالة الإتيان بها منفصلة عنه، كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}(37)، أي اجعلوا الصلاة قائمة، وقيامها معناه الإتيان بها مستوفاة لشروطها وأركانها، فدل هذا على وجوب الصلاة، وكذلك الأمر بإتمام الحج والعمرة؛ لأنه يعني الإتيان بهما تامين مستوفيين للشروط والأركان، فيدل على وجوب الحج والعمرة.
    وكذا حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ»(38)، فهذا يدل على وجوب العمرة للتعبير بكلمة (عليهن).
    وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي في سؤال جبرائيل عليه السلام إياه عن الإسلام فقال: «الإِسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَأَنْ تُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَحُجَّ وَتَعْتَمِرَ، وَتَغْتَسِلَ مِنَ الجَنَابَةِ، وَأَنْ تُتِمَّ الوُضُوءَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَنَا مُسْلِمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: صَدَقْتَ»(39)، والشاهد: ذكر العمرة بعد السؤال عن فرائض الإسلام.
 

شروط الوجوب:
    يجب الحج والعمرة على الإنسان إذا توفرت فيه شرائط خمسة:
1- الإسلام.
2- العقل.
3- البلوغ.
4- الحرية.
5- الاستطاعة.

والاستطاعة نوعان:
أ- (استطاعة أداء بالذات).
ب- (استطاعة أداء بالغير).
تحصل (الاستطاعة بالذات) بخمسة شروط:
1- [الحياة]: فلا يجب الأداء بالنفس على الميت لانتهاء تكليفه، لكن من وجب عليه الحج فأخَّره ومرَّ عليه موسم من مواسم الحج أو أكثر فمات دون أن يحج ويعتمر وجب أن يُخرَج من تركته ما يكفي ليحج ويعتمر عنه غيره؛ لأن العبادة صارت دينًا لله مستقرًّا في ذمته، فوجب أن يُقْضَى من تركته كسائر الديون، وهذا إذا لم يتطوع أحد بالحج نيابة عنه، أما من مات قبل أن يمر عليه الموسم فلا شيء عليه؛ لأن الوجوب لم يستقر في ذمته.
2- [الصحة]: فلا يجب على المريض مرضًا يتعذر معه السفر وأداء المناسك إذا كان المرض يُرْجَى زواله، أما إذا كان المرض لا يرجى زواله عادة كإعاقة مثلا فإذا استطاع أن يوكل غيره ليحج عنه ويعتمر صار مكلفًا بالعبادة.
3- [المال]: فلا يجب على من لم يملك مالا يكفي لنفقته ذهابًا وإيابًا، ويكفي لنفقة أهله حتى يعود إليهم، ويكون المال فاضلا عن حوائجه الأصلية.
4- [إمكان الوصول]: فلا يجب الأداء بالنفس على من لا يمكنه الوصول إلى البيت الحرام لمانع ما، كمكره وسجين وتائه في البحر أو الصحراء، وكذا من لم يجد راحلة تنقله أو لا يثبت عليها، والإمكان يتعلق بالمكان كما سبق، ويتعلق أيضًا بالزمان، فمن ضاق عليه الوقت فغلب على ظنه وصوله بعد فوات الحج لم يجب عليه المسير ولا الحج في هذا العام.
5- [الأمان]: فلا يجب على من غلب على ظنه لحاق ضرر به أو مشقة غير محتملة إذا سعى لمباشرة المناسك بنفسه، ويدخل في هذا الشرط بالنسبة للمرأة أن يكون لها زوج أو مَحْرَم يسافر معها، فإن لم يكن لها زوج أو محرم يسافر معها لكنها وجدت رفقة آمنة من النسوة الثقات تعلق بها الوجوب، وما لم تجد شيئًا من هذا لم يجب عليها الحج والعمرة لفقدانها شرط الأمان.
وتحصل (الاستطاعة بالغير) بخمسة شروط:
1- [العجز عن الأداء بالنفس]: وذلك لأن الأصل هو أداء العبادات البدنية بالنفس، واستنابة الغير إنما شرعت للضرورة، فمن كان في استطاعته الأداء بنفسه لا يكون في استطاعته الأداء بغيره.
2- [المال]: فمن عجز عن الأداء بذاته عجزًا لا يرجى زواله عادة وتوفر له من المال الفائض عن الحاجة ما يمكنه من توكيل غيره ليؤدي المناسك عنه وجب عليه الحج والعمرة لتمكنه من تحصيلهما بغيره، ويشترط في الوكيل الشروط التالي ذكرها، لكن إذا لم يكن لديه المال ووجد من يتطوع بالإنابة بلا أجر كان مستطيعًا بالغير.
3- [وكيل صحيح الأداء]: أي لا بد أن يجد شخصًا توفرت فيه شروط صحة الأداء يأتي ذكرها بإذن الله تعالى.
4- [وكيل مؤدٍ للفرض]: فيشترط أيضًا أن يكون الشخص الموكَّل قد أدى فريضتي الحج والعمرة عن نفسه أولا.
5- [وكيل يَقْبَل الوكالة]: أي لا بد أن يقبل هذا الشخص الوكالة عن من يُراد أداء الفرض عنه (سواء كان قبوله تطوعًا منه أو بأجرة، لكن لو طلب أكثر من أجرة المثل لا يجب توكيله) وما لم يوجد من يقبل الوكالة انتفت الاستطاعة بالغير.
 

شروط الصحة:
    تنقسم شروط الصحة إلى ثلاثة أقسام:
أ- (شروط صحة الثواب): يقصد بها الشروط التي ينبغي توافرها في الإنسان ليكتب له ثواب الحج والعمرة سواء باشر المناسك بنفسه أو ناب عنه غيره، وهي شرط واحد فقط: [الإسلام]، فيصح مباشرة الحج والعمرة نيابة عن الصبي ولو كان غير مميِّز إذا كان أحد أبويه من المسلمين، فيكتب للصبي ثواب حجة نافلة، ولكن لا تغنيه عن حجة الإسلام.

ب- (شروط صحة المباشرة): ويقصد بها الشروط التي لا بد من توافرها لتصح مباشرة الإنسان لمناسك الحج والعمرة، وهي شرطان فقط: [الإسلام] و[التمييز]، فلا تصح مباشرة الكافر والمجنون والصبي غير المميِّز، بينما تصح من العبد والصبي المميِّز.
جـ- (شروط صحة حجة الإسلام): ويقصد بها الشروط التي إن توفرت في الإنسان الذي أدَّى العبادة بنفسه أو بغيره يكون قد أدَّى حجة الإسلام وعمرته حتى لو لم يكن الوجوب متعلقًا به في الحال، كالفقير وفاقد أمان الطريق، وهي ثلاثة شروط: [الإسلام]، و[التكليف]، و[الحرية] سواء باشر بنفسه أو ناب عنه غيره في حالة عجزه عن الأداء بالنفس، ويشترط في الوكيل أو النائب أن تتوفر فيه شروط صحة المباشرة السابقة، وأن يكون قد أدَّى حجة الإسلام وعمرته عن نفسه.
    فالفقير إذا تكلَّف وتحمل عناء السفر بلا نفقة فحج سقطت عنه حجة الإسلام، وكذلك الغني الذي لا يأمن خطر الطريق إذا غامر بنفسه فحج سقط عنه الفرض.
    (ملاحظة): فاقد الاستطاعة بالنفس إذا تغيَّر حاله وأصبح مستطيعًا بعد أن استناب غيره وحج عنه يتبين أن حجه بالنيابة قد وقع نافلة له، ولم تَسْقُط عنه حجة الإسلام وعمرته، فإن مات قبل فوات موسم الحج لا يُحَج عنه من تركته، وإن مات بعد فواته الموسم وهو متمكن من الأداء قُضِي عنه الحج والعمرة من تركته؛ لاستقرار الوجوب في ذمته.
 

أركان الحج:
    أركان الحج ستة: (وهي ما لا يوجد الحج إلا بها، ولا تُجْبَر بفِدْية)
1- الإحرام أي نية الدخول في النُسُك.
2- الوقوف بعرفة.
3- طواف الإفاضة.
4- السعي بين الصفا والمروة.
5- الحَلْق أو التقصير.
6- الترتيب بين معظم هذه الأركان.
    وسيأتي إن شاء الله تعالى في الكفارات ذكر ما يترتب على الإخلال بركن من أركان الحج.
    وأركان العمرة هي أركان الحج عدا الوقوف بعرفة: فمَنْ أخلَّ بركن من أركان العمرة فقد فعل حرامًا، ويجب عليه الإتيان بما تركه، ولا تفوت عليه العمرة؛ لأنه ليس لأركانها وقت معيَّن.
 

واجبات الحج:
    الواجب في الحج ما يوجد الحج بدونه، ويُجْبَر تركه بالفِدْية، فيأثم تاركه إن كان قاصدًا بغير عذر.
والواجبات أربعة أشياء:
1- الإحرام من الميقات.
2- المرور بمزدلفة.
3- رمي الجمار.
4- طواف الوداع.
 

سنن الحج:
    سنن الحج كثيرة، ونذكر منها على سبيل الإجمال ما يلي:
1- صلاة ركعتين قبل الإحرام، وكذا ركعتين بعد الطواف.
2- الاغتسال والتطيُّب قبل الإحرام.
3- التلبية، ورفع الصوت بها.
4- طواف القدوم.
5- المبيت بمزدلفة ليلة النحر حتى الصباح.
6- المبيت بمنى ليلة يوم عرفة.
 

المحظورات:
     يَحْرُم على المُحْرِم أشياء مخصوصة تسمى (المحظورات) هي ما يلي:
1- لبس المخيط؛ لقوله لما سئل عما يلبس المحرم: «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ، وَلَا وَرْسٌ»(40). وفي الحديث: «وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ»(41).
2- تغطية الرأس أو جزء منه بالنسبة للرجل.
3- تغطية الوجه أو جزء منه بالنسبة للمرأة، إلا ما يحتاج إليه لستر الرأس فلا يحرم تغطيته.
4- حَلْق الشعر أو دهنه.
5- استعمال الطِّيب في الثوب والبدن.
6- تقليم الأظافر.
7- قتل الصيد.
8- عقد النكاح لنفسه أو لغيره بولاية أو وكالة؛ لقوله : «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ وَلَا يَخْطُبُ»(42). أما الخِطْبة فتكره.
9- الوطء، وكذا مقدماته من اللمس بشهوة والتقبيل ونحوه.
10- ويَحْرُم على المُحْرِم وغيرِه قطعُ نبات الحرمين مما يَنْبُت بنفسه؛ لحديث: «إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ»(43).
 

المبطلات (مفسدات الحج):
     الحج لا يَفْسَد إلا بالجماع سواء في القبل أو الدبر، لقوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}(44)، والرفث الجماع، لكن لا يَخْرُج الشخص من أعمال الحج إذا فعل ذلك، بل عليه إكمال المناسك، وقضاء الحج والهدي في العام المقبل. والمضي في العبادة الفاسدة خاصٌ بالحج، أما غيره من العبادات فلا.
    أما مَنْ فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج؛ لقوله : «الْحَجُّ عَرَفَةُ»(45)، وله أن يتحلل بعمرة، لكن عليه القضاء والهدي في العام المقبل.
 

الكفارات:
    المراد بالكفارات ما يترتب على فعل محظور من محظورات الحج، أو الإخلال بشيء من أركانه وواجباته، وتفصيل الكفارات كما يلي:
(1) الكفارة الواجبة بترك نُسُك: ونعني بالنُسُك العبادة، وذلك كترك الوقوف بعرفة، وترك رمي الجمار، وترك الإحرام من ميقات بلده.
    والواجب فيمن تَرَك ما ذُكر ذَبْحُ شاة أو ما يقوم مقامها، كسُبْع بدنة أو سُبْع بقرة، فإن لم يجد صام عشرة أيام: ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى وطنه، قال تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}(46).
    ويستحب للثلاثة التي في الحج أن تكون قبل يوم عرفة، فإن فاته صومها قبله وصام أيام التشريق صح منه وعليه دمٌ، فإن أخرَّها عن أيام التشريق عصى بذلك وصارت قضاءً.
    والحكم فيما سبق على الترتيب، فلا يجوز العدول عن الهدي إلى غيره إلا إذا عجز عنه، كأن يَعْدمه أو يَعْدم ثمنه، فينتقل حينئذ إلى الصوم.
(2)كفارة الإحصار: وهو طروء مانع يمنع المُحْرِم من إتمام نسكه بعد الشروع فيه، وذلك كمنع العدو المسلمين من الوصول إلى البيت الحرام، أو الحبس ظلمًا، أو دين حالٍّ لم يؤده وهو موسر يستطيع الأداء فمنعه الدائن من إتمام نسكه، أو مرض يزيد بالانتقال والحركة، أو ضياع النفقة، ونحو ذلك.
    والواجب فيمن أُحْصِر ذَبْح شاة أو ما يقوم مقامها كما مرَّ لقوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}(47)، فإن عجز أخرج طعامًا بقيمة الشاة، فإن عجز صام عن كل مُدٍّ(48) يومًا، وهذه الكفارة كسابقتها لا يَعْدِل عن الهدي إلى غيره إلا إذا عجز عن الهدي.
(3) كفارة ارتكاب المحظور: وهو الدم الواجب بارتكاب محظور من محظورات الإحرام -غير الوطء وعقد النكاح وقتل الصيد- كالحَلْق ولبس المخيط والتطيُّب وتقليم الأظافر، فالواجب فيه على التخيير ذَبْح شاة، أو التصدق بثلاثة آصع(49)، أو صوم ثلاثة أيام؛ لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}(50)، ولقوله لكعب بن عُجْرة حين رأى القمل يتساقط على وجهه: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَاحْلِقْ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةً أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً»(51).
(4) كفارة قتل الصيد: وليس المقصود قتله بالفعل، بل يَحْصُل ذلك بالإعانة على قتله بإشارة أو مناولة أو ما أشبه ذلك، فإن كان الصيد المقتول مما له مِثْل فيجب مِثْله، يذبحه ويوزعه على فقراء الحرم لقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}(52)، وله أن يُقَوِّم المِثْل ويشتري بقيمته طعامًا يفرَّق على مساكين الحرم وفقرائه، أو يصوم عن كل مُدٍّ يومًا؛ لقوله تعالى في الآية السابقة: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا}(53)، فالواجب فيه إذًا على التخيير، وإن كان الصيد مما لا مِثْل له أَخْرَج بقيمته طعامًا أو صام عن كل مُدٍّ يومًا.
(5) كفارة الوطء: وهو الدم الواجب بالجماع، فإذا جامع الرجل زوجته قبل التحلل الثاني فسد حجه، ويجب عليه ترتيبًا بدنة، وهي الإبل، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فسَبْعٌ من الغنم، فإن لم يجد قَوَّم البدنة واشترى بقيمتها طعامًا، فإن لم يجد صام عن كل مُدٍّ يومًا، وعليه فيما سبق إتمام أعمال الحج والقضاء من العام التالي.
    وأنت ترى أن الفِدْية فيما سبق قد تكون صومًا أو صدقة أو نُسُكًا، وذلك لقوله تعالى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}(54).
وإنما تجب الفِدْية لحالتين:
    أولاهما: أن يفعل المحظور بلا حاجة ولا عذر، فعليه الفدية مع المؤاخذة والإثم.
    والثانية: أن يفعله لحاجة، فعليه الفدية بلا إثم، قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ ...}(55)الآية.
    والمراد بالنُسُك في الآية السابقة الهَدْي، وهو اسم لما يُساق إلى الحرم تَقَرُّبًا، وإنما يجب كما ذكرنا بفعل محظور أو تَرْكِ واجب، وهو كأضحية العيد يشترط فيها أن لا يكون بها عيبٌ، أو مرضٌ، أو عورٌ وعرجٌ بيِّن.
    ولا يجوز الأكل من الهدي إن كان واجبًا عليه بفعل محظور أو ترك واجب، وكذا إن نذر الهدي، أما إن كان الهدي متطوعًا به كالأضحية فله الأكل منه.
    أما عن محل ذبح الهَدْي فالمُحْصَر يَذْبح في مكان إحصاره، وما عداه فالحرم كله محل للذبح.
 

من آداب الرحلة:
    الحج رحلة مباركة، لا تتكرر للإنسان غالبًا، وفيها من النفحات والعطايا الربانية ما يجعل الإنسان حريصًا على مراعاة آداب هذه الرحلة والالتزام بها، وكفى بغفران الذنب بعد أداء الحج المبرور من عطية، ففي الحديث: «وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» (56).
    فإذا عزم الإنسان على الحج فعليه صلاة ركعتين استخارة، فإذا استقر عزمه على السفر بدأ بالتوبة من المعاصي، وردِّ المظالم إلى أهلها، وقضاء دينه، فإذا أراد الخروج من بيته ودَّع أهله وجيرانه وأحباءه قائلًا: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم أعمالك، ويكتب وصيته، ويقرأ آية الكرسي، ويدعو بدعاء السفر، ففي الصحيح «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ ... » (57)، ثم يضرع إلى الله تعالى أن يوفِّقه في رحلته هذه، وينبغي أن يُحْسِنَ الصحبة، وأن يكون ماله ومَطْعَمه من حلال.
    ويجب على مريد الحج والعمرة تعلُّم مناسكه، حتى يشرع فيهما على بصيرة، ولا يأنف من سؤال أهل العلم، ولا بد أن يكون حريصًا على فعل المعروف، مكثرًا من تلاوة القرآن وأوراد الأذكار، متعاونًا مع إخوانه، غير غليظ ولا فظ.
    فإذا وفَّقه الله تعالى لفعل المناسك استحب له زيارة قبر النبي بالمدينة المنورة، وهي وإن لم تكن من المناسك إلا أنها من أعظم القربات، ففي فضل المدينة يقول النبي : «مَنْ صَبَرَ عَلَى لَأْوَائِهَا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (58)، وعن ابن عمر مرفوعًا: «مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» (59).
    ويستحب الاغتسال لدخول المدينة، والتطيُّب، فإن من أسمائها (طيبة) طيَّبها الله، وليكن الشخص متواضعًا خاشعًا، مستشعرًا أنه في أفضل بقاع الأرض، مَنْ حَوَتْ أفضل خلق الله ، فإذا دخل المسجد النبوي صلَّى ركعتي تحية المسجد، والأفضل صلاتها في الروضة الشريفة بين قبره ومنبره، فإذا فرغ من صلاته توجه إلى المواجهة الشريفة مستشعرًا عظم الموقف، وسلَّم على النبي ودعا بما شاء، ثم ينتقل خطوة نحو اليمين ويسلِّم على أبي بكر رضي الله عنه، وينتقل أخرى ليسلِّم على عمر رضي الله عنه.
    ويستحب زيارة البقيع فيسلِّم على أهله، ويدعو لهم، ثم يأتي المشاهد والمزارات الأخرى.
    فإذا أراد الرجوع إلى أهله فليدع الله عزَّ وجلَّ أن لا تكون آخر زيارة لهذه الأماكن المباركة، وإذا أشرف على بلده دعا بدعاء الرجوع من السفر، ففي الحديث «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» (60).
    ويستحب الدخول إلى مسجد بلده يصلي فيه ركعتين؛ فإن النبي كان إذا أقبل من سفر فعل ذلك، كما يستحب ملاقاة الحجاج وتهنئتهم بما تفضل الله عليهم به من العبادة، ففي حديث ابن عمر قال: قال رسول الله : «إِذَا لَقِيتَ الْحَاجَّ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَصَافِحْهُ وَمُرْهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ فَإِنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ» (61).
 

بيان مناسك الحج على وجه التفصيل
    مرادنا من هذا العنوان بيانُ ما يفعله مريد الحج من حين البدء في المناسك إلى انتهائه منها، وحريٌّ أن نقول: إن العمرة تشارك الحج في كثير من الأعمال، بينما ينفرد الحج في بعض منها كالوقوف بعرفة، والرمي، والمبيت بمزدلفة ومنى وغير ذلك، كما أن العمرة يَحْرُم فيها ما يَحْرُم في الحج، ففي الحديث أن رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ ... فَقَالَ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ قَالَ: وَأُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ الْوَحْيُ ... فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ الْعُمْرَةِ؟ ... اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ». (62)
    فقد أمره النبي أن يصنع في العمرة مثل الذي يصنعه في حجه من اجتناب المحظورات، وفعل المناسك من الطواف والسعي وغير ذلك مما تشارك فيه العمرةُ الحج.

    وأعمال الحج تؤدى على مراحل نفصِّلها في النقاط الآتية:
1- الإحرام من الميقات:
    والإحرام هو نية الدخول في الحج، وهو ركن من الأركان، لا يصح الحج بدونه، على أنه لا إحرام على مَنْ لا يريد حجًّا أو عمرة.
ويستحب لمريد الإحرام أشياء:
* الاغتسال، ويستوي في ذلك الرجل والمرأة، حتى ولو كانت المرأة حائضًا أو نفساء، ففي حديث زيد بن ثابت «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ». (63) وعن ابن عباس مرفوعًا إلى النبي «أَنَّ النُّفَسَاءَ وَالْحَائِضَ تَغْتَسِلُ وَتُحْرِمُ وَتَقْضِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفَ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرَ». (64)
* تقليم الأظافر، وحَلْق العانة، ونتف الإبط، وترجيل الشَّعْر... إلخ.
* التطيُّب في بدنه وثوبه، ولا يضر بقاء أثر الطِّيب في الثوب أو البدن، ففي حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. (65) وكانت تقول: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ (66) الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ النَّبِيِّ وَهُوَ مُحْرِمٌ. (67)
* لبس الثوب الأبيض بعد تجرده من كل ثياب مخيطة، فينزع ما عليه من الملابس المعتادة من قميص وعمامة وسراويل وخُفٍّ، ويستحب لبس إزار ورداء ونعلين بشرط أن لا يغطي النعلان الكعبين -وهما العظمان الناتئان في منتهى الساق- ففي الصحيحين من حديث ابن عمر عن النبي أن رجلًا سأله ما يلبس المحرم؟ فقال: «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ أَوْ الزَّعْفَرَانُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ». أما المرأة فتلبس ما يستر عورتها، ولا تستر وجهها وكفيها.
* صلاة ركعتين بنية سنة الإحرام.
* التلبية بعد الإحرام إلى أن يدخل مكة، وبعد الطواف والسعي إلى أن يتحلل التحلل الأول، فيقطع التلبية، ويشتغل بالتكبير.
وصيغة التلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
    ومن المستحب أن يتلفظ الإنسان بما أهلَّ به من نُسُك، أي حجًّا أو عمرة، فعن أنس رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا. (68)
     والميقات نوعان: زماني (أي زمان أداء النُسُك)، ومكاني (أي المكان الذي يُحْرِم فيه مريد النُسُك، ولا يجوز أن يجاوزه بغير عذر دون أن يُحْرِم).
    فالميقات الزماني للحج شوال وذو القعدة والعشر الأُوَل من ذي الحجة، فلا يصح الإحرام بالحج في غير هذه الأزمنة، أما العمرة فليس لها ميقات زماني محدد.
    أما الميقات المكاني فلا يخلو مريد النسك إما أن يكون مكيًّا أو لا، والمقصود بالمكي مَنْ كان مستوطنًا أو نازلًا فيها، فإن كان مُفْرِدًا أو متمتعًا فميقاته المكاني مكة؛ لحديث: «... فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَاكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا». (69) وإن كان قارنًا أو أراد الإحرام بعمرة فميقاته المكاني الحلُّ، لأمره عائشةَ رضي الله عنها بأن تخرج إلى التنعيم (70) وتُحْرِم بالعمرة منها (71)، والتنعيم طرف الحلِّ.
    أما غير المكي فقد وقَّت لهم النبي ما يُحْرِمون منه، ففي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، قَالَ: فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ أَهْلِهِ...» (72).
    وفي الصحيح أن النبي قال: «... مُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ» (73)
    وتفصيل ذلك: أن ذا الحُليفة (74) ميقات أهل المدينة ومَنْ وراءها ممن يأتي عليها، والجُحْفة (75) ميقات أهل الشام ومصر والمغرب، ويلملم (76) ميقات أهل اليمن والهند، وقرن (77) ميقات أهل نجد، وذات عرق (78) ميقات أهل العراق وبلاد فارس.
    وهذه المواقيت لأهلها ولمن حاذى واحدًا منها، برًّا أو بحرًا أو جوًّا، كما إذا سافر مصري إلى البلاد الحجازية بحرًا من السويس مثلًا فإنه في طريقه إلى جدة يحاذي رابغ قبل دخوله جدة، فعليه الإحرام وهو في البحر لمحاذاته الميقات. كما يؤخذ من قوله في الحديث السابق: «... وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ» أن أهل مصر أيضًا إذا ذهبوا إلى المدينة أولًا ثم أرادوا الحج أو العمرة فإن ميقاتهم ذو الحليفة (ميقات أهل المدينة).
    ومَنْ كان من غير أهل هذه الأماكن ولا يمر في طريقه عليها فليُحْرِم من بيته. 
    وفائدة هذه المواقيت أن من أراد حجًّا أو عمرة يَحْرُم عليه مجاوزتها من غير إحرام بلا عذر، فلو كان ذلك فعليه العود إلى الميقات، ولا يلزمه فدية ما لم يأتِ نسكًا آخر كالطواف والسعي مثلًا، فإن تعذر عليه الرجوع فلا يرجع وعليه فدية.
    وللشخص أن يُحْرِم قبل الميقات، خاصة إذا خاف مجاوزته، وذلك كالمسافر بالطائرة له أن يُحْرِم من بيته أو من المطار إن خاف مجاوزة الميقات.

2- دخول مكة:
    بعد الإحرام يتوجه الشخص إلى مكة حيث البيت الحرام، ويسن الاغتسال لدخول مكة، فإذا أتى البيت الحرام توجه إلى الكعبة معظِّمًا وَمُجِلًّا لها، عليه السكينة والوقار، ويستحب الدعاء عند رؤية البيت.
    ويَبْدأ الطواف، وهو طواف قدوم للمُفْرِد والقارن، وطواف عمرة للمتمتع، ويبدأ الطواف من الحجر الأسود جاعلًا البيت عن يساره، يطوف سبعة أشواط، يبدأ وينتهي بالحجر الأسود، ويستحب استلامه وتقبيله إن استطاع كلما مرَّ به، وكذا يستحب استلام الركن اليماني.
    ويستحب أيضًا توالي مرات الطواف، وعدم الفَصْل بينها، والمشي للقادر عليه، ومن المستحبات الإرمال (79) للرجل دون المرأة في الأشواط الثلاثة الأولى.
    وإذا حضرت فريضة وهو بالطواف قطعه، وبنى على ما فعله من الطواف قبل الصلاة، ويستحب أن يدعو أثناء الطواف بما شاء من أمور الدنيا والآخرة، ولا يلبِّي.
    ويباح في الطواف إلقاء السلام وردُّه، والكلام المباح، والشُّرْب، ولبس خفٍّ طاهر، وهذا الأخير خاص بغير المُحْرِم؛ لأن ذلك محظورٌ عليه.
    فإذا فرغ من طوافه استحب صلاة ركعتين خلف مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام؛ لقوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (80). وعند الزحام فالحرم كله محل لصلاة الركعتين، ويستحب أيضًا استلام الحجر الأسود بعد الانتهاء من الطواف وصلاة الركعتين، فإذا فرغ ذهب إلى زمزم وارتوى منها ذاكرًا اسم الله تعالى، داعيًا بما شاء.

3- السعي بين الصفا والمروة:
    بعد الطواف والصلاة خلف مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام، يخرج الشخص برجله اليسرى متجهًا إلى الصفا، فيبدأ السعي من الصفا إلى المروة، وهو –أي السعي– ركنٌ من أركان الحج والعمرة، قال تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}. (81)
    ويشترط لصحة السعي أن يبدأ بالصفا ويختم بالمروة؛ لحديث جابر: «أن النبي خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» (82)، وأن تكون أشواط السعي سبعًا، وأن يكون بعد طواف صحيح. ولا يشترط لصحته الطهارة.
     ويستحب في السعي أن يرقى على الصفا والمروة مستقبلًا القبلة، ويطيل القيام، مهللًا (أي يقول: لا إله إلا الله)، ومكبرًا، ويدعو بما شاء، ويستحب أن يسرع دون جري بين العلمين الأخضرين.
    وهذا السعي يقع عن الحج للمُفْرِد، وعن العمرة للمتمتع، وعن الحج والعمرة للقارن، وبعد الفراغ من السعي بين الصفا والمروة فإن المتمتع يَحْلِق أو يقصِّر ويحل من إحرامه، أما المُفْرِد والقارن فلا.
    ويجوز تأخير السعي لما بعد طواف الإفاضة إن لم يكن طاف طواف قدوم، كما إذا أحرم من الحرم.

4- يوم التروية:
    بدخول يوم التروية -وهو يوم الثامن من ذي الحجة وسُمي بذلك لأن الناس كانوا يرتوون فيه من الماء تزودًا للخروج لمنًى وعرفة- يُحْرِم المتمتع للحج من مكانه مرة أخرى بعد أن حلَّ، أما القارن والمُفْرِد فهما على إحرامهما كما سبق، ويستحب التوجه إلى منى ويصلي فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويَقْصُر في الظهر والعصر والعشاء بلا جمع، ويبيت فيها ولا يخرج إلا بعد طلوع شمس يوم التاسع (يوم عرفة).

5- يوم عرفة (يوم الحج الأكبر):
    بعد طلوع شمس يوم التاسع من ذي الحجة يمضي الحاج من منى إلى عرفة، ويستحب أن ينزل بنمرة (83) إلى الزوال (وهو وقت صلاة الظهر) إن تيسر له، فإذا زالت الشمس صلى الظهر والعصر يَقْصُر بينهما ويجمعهما جمع تقديم، أي يصلي ركعتين ركعتين في وقت الظهر، والقَصْر والجمع في عرفة لأهل مكة وغيرهم.
    ووقت الوقوف بعرفة يبدأ من زوال الشمس إلى فجر يوم النحر، فمن فاته الوقوف في أي جزء من هذا الوقت فقد فاته الحج، فيتحلل بعمرة، وعليه القضاء والفِدْية كما مرَّ في محظورات الحج.
    والمستحب فيه الوقوف حتى غروب الشمس، والمقصود من الوقوف الحضور بأي صفة (واقفًا، قاعدًا، نائمًا... إلخ)، وأن يكون متوضئًا، وأن يكثر من الدعاء والذكر، وأن يخلِّي قلبه عن الشواغل في هذا اليوم، فإنه يوم لا يمكن تداركه، ففي الحديث: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (84).

6- المسير إلى المزدلفة (85):
    بعد غروب شمس يوم التاسع يدفع الحاج من عرفة إلى مزدلفة، محافظًا على السكينة والوقار، فيصلي بها المغرب والعشاء جمع تأخير أي في وقت العشاء، ويَقْصُر العشاء ركعتين.
    والمستحب أن يبقى فيها حتى الفجر، ويجوز للضعفة من الرجال والنساء أن يدفعوا من مزدلفة بعد منتصف الليل، والمقصود بالوقوف الوجود على أي صورة. ويستحب التقاط الحصاة لرمي الجمار.

7- الوقوف بالمشعر الحرام: 
    يقول الله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} (86). فيستحب للحاج أن يذهب بعد فجر يوم العاشر للوقوف بالمشعر الحرام (87)، ويكثر من ذكر الله ومن الدعاء، حتى إذا ظهر ضوء الشمس توجه إلى منى، ففي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ بِعَرَفَةَ فَقَالَ: «هَذِهِ عَرَفَةُ، وَهَذَا هُوَ الْمَوْقِفُ، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» ثُمَّ أَفَاضَ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَجَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ عَلَى هِينَتِهِ وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ وَيَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ». ثُمَّ أَتَى جَمْعًا فَصَلَّى بِهِمُ الصَّلَاتَيْنِ جَمِيعًا فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى قُزَحَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: «هَذَا قُزَحُ، وَهُوَ الْمَوْقِفُ، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (88). و"جَمْع" في الحديث بفتح الجيم وسكون الميم أي المزدلفة.

8- رمي جمرة العقبة الكبرى:
    يتوجه الحاج إلى منى قُبَيْل شروق الشمس من يوم العاشر من ذي الحجة، فيرمي جمرة العقبة، وموضعها في منتهى منى، ويَبْدأ الرمي من طلوع فجر يوم النحر (يوم العاشر من ذي الحجة)، ويستحب أن يرمي قبل الزوال، ففي حديث جابر، قال: «كَانَ النَّبِيُّ يَرْمِي يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَبَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ» (89). هذا هو المستحب، وأما الجائز فيكون من بعد نصف الليل ليلة النحر، ولو بلحظة.
    ويجب أن يكون الرمي بسبع حصيات، وقدر الحصاة كحبة الحمص. ومن المستحب للحاج أن يستقبل هذه الجمرة جاعلًا مكة عن يساره ومنى عن يمينه، ويكبِّر مع كل حصاة، ويرمي خاشعًا خاضعًا.

9- ذبح الهدي، والحلق أو التقصير:
    بعد أن يرمي الحاج جمرة العقبة يوم النحر عليه أن يقوم بذبح الهدي إن كان قارنًا أو متمتعًا، أما المفرد فلا يجب عليه، ثم بعد ذبح الهدي يحلق رأسه إن كان رجلًا أو يقصِّره، والحلق أفضل، ويستحب أن يكون الحلق أو التقصير شاملًا لجميع شعر الرأس، أما المرأة فتقصِّر من شعر رأسها بقدر أنملة فقط.
    ويستحب كون الذبح والحلق أو التقصير قبل زوال شمس يوم العاشر.

10- التحلل الأصغر:
    فإذا رمى جمرة العقبة وذبح هديه وحلق أو قصَّر حل التحلل الأول (التحلل الأصغر)، وبه يحلُّ له كل شيء كان محظورًا عليه حال إحرامه عدا الجماع والصيد.

11- طواف الإفاضة:
    ويسمى طواف الزيارة، وهو من أركان الحج لا يصح بدونه، قال تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (90). وهو كطواف القدوم في شروطه ومستحباته.
    ويستحب أن لا يَفْصِل بين الذَّبح والحلق وبين طواف الإفاضة، ويستحب الرجوع إلى منى مرة أخرى فيصلي فيها الظهر.
    وإذا كان متمتعًا أتى بالسعي بعد الطواف؛ لأن سعيه الأول كان للعمرة فلزمه الإتيان بسعي الحج، أما إذا كان مفردًا أو قارنًا فإن كان قد سعى بعد طواف القدوم لم يُعِد السعي مرة أخرى، وإن كان لم يسع وجب عليه السعي؛ لأنه من أركان الحج.
    وإذا طاف طواف الإفاضة وسعى للحج -على التفصيل المتقدم- حل التحلل الثاني (التحلل الأكبر) وحلَّ له جميع محظورات الإحرام.

12- رمي الجمار أيام التشريق:
    إذا طاف الحاج طواف الإفاضة فيستحب له الرجوع إلى منى ليبيت فيها أول ليلتين من ليالي التشريق (ليلة الحادي عشر والثاني عشر)، وذلك للمتعجِّل، ومن المستحب أن يبيت ثلاث ليال إذا لم يتعجل.
    ويرمي الجمرات الثلاث على الترتيب: الأولى (والتي تلي مسجد الخيف)، والوسطى، والعقبة، يرمي كل واحدة بسبع حصيات، ويستحب بعد رمي كل من الجمرة الأولى والوسطى القيام طويلًا يدعو مستقبلًا القبلة، ولا يقف للدعاء بعد رمي جمرة العقبة.
     ووقت الرمي من زوال الشمس إلى الغروب، ويجوز قبل الزوال، لا سيما عند الزحام.
    وإذا أراد الحاج بعد رمي اليوم الثاني التعجُّل قبل الغروب فله ذلك؛ لقوله تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} (91). فيكون مجموع ما يرميه المتعجل (49) حصاة، وأما غير المتعجل فيرمي (70) حصاة ( 92).
    ورمي الجمار من واجبات الحج تلزم الفِدْية بتركه، فإن عجز الحاج عن الرمي فله أن ينيب غيره عنه، سواء كان المستناب حاجًّا أم لا.

13- طواف الوداع:
    وهو آخر ما يفعله الحاج من المناسك، فإذا نفر الحاج من منى وانتهى من رمي الجمار وأراد السفر إلى بلده فإنه لا يخرج حتى يطوف بالبيت للوداع سبعة أشواط؛ لقوله : «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ». (93) فإن أخر الحاج طواف الإفاضة إلى ما بعد الانتهاء من الرمي وأراد الخروج بعده خارج الحرم فله أن يجمع في هذا الطواف بين نية طواف الإفاضة وطواف الوداع، فيجزئه طواف واحد عنهما.
    والسر في طواف الوداع هو تعظيم البيت، فيكون هو المقصود أولًا وآخرًا، فيبدأ المناسك بالطواف، ويختمها به، وإذا طاف طواف الوداع استحب له أن يدعو لنفسه وأهله بما شاء، وأن يحمد الله على ما وفقه إليه من الأعمال، ويبتهل إليه سبحانه وتعالى أن لا تكون آخر زيارة للبيت.

    وبذلك يكون الحاج قد أدى نسكه، وأكمل أعمال الحج على وجه التمام.
    نسأل الله له القبول والغفران.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 


(1) آل عمران: 96، 97.
(2) البقرة: 196.
(3) متفق عليه.
(4) الذاريات: 50.
(5) آل عمران: 97.
(6) الأحقاف: 13.
(7) الأنعام: 90.
(8) الحج: 29.
(9) البقرة: 125.
(10) رواه مسلم.
(11) رواه الطبراني، وأبو يعلى، والعقيلي، وأبو نعيم، وابن عساكر.
(12) الأنبياء: 92.
(13) متفق عليه.
(14) الحج: 28.
(15) الحج: 27.
(16) متفق عليه.
(17) رواه البخاري.
(18) رواه أحمد والنسائي.
(19) متفق عليه.
(20) رواه مسلم.
(21) متفق عليه.
(22) رواه مسلم.
(23) رواه مالك في الموطأ.
(24) رواه أحمد والحاكم وابن حبان.
(25) رواه النسائي وابن ماجه.
(26) رواه البخاري واللفظ لأصحاب السنن.
(27) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه.
(28) رواه أحمد وابن ماجه.
(29) متفق عليه، واللفظ لمسلم.
(30) متفق عليه.
(31) رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد، وأصله عند مسلم.
(32) البقرة: 196.
(33) البقرة: 184.
(34) آل عمران: 97.
(35) رواه مسلم.
(36) البقرة: 196.
(37) النور: 56.
(38) رواه أحمد وابن ماجه.
(39) رواه ابن حبان وابن خزيمة والبيهقي والدارقطني.
(40) متفق عليه.
(41) رواه البخاري.
(42) رواه مسلم.
(43) متفق عليه.
(44) البقرة: 197.
(45) رواه أصحاب السنن.
(46) البقرة : 196.
(47) البقرة: 196.
(48) المدُّ من المقادير المستعملة في عهد النبي ، وتقدر بـ (510) جم، أي ربع صاع.
(49) الآصع جمع صاع، وهو أيضًا من المقادير المستعملة في عهد النبي ، وتقدر في العصر الحاضر بـ (04,2) كجم.
(50) البقرة: 196.
(51) متفق عليه.
(52) سورة المائدة: 95.
(53) سورة المائدة: 95.
(54) البقرة:196.
(55) البقرة:196.
(56) متفق عليه.
(57) رواه مسلم.
(58) رواه مسلم.
(59) رواه البيهقي والطبراني.
(60) متفق عليه.
(61) رواه أحمد.
(62) متفق عليه.
(63) رواه الترمذي.
(64) رواه أبو داود والترمذي.
(65) متفق عليه.
(66) أي بريق الطِّيب ولمعانه.
(67) متفق عليه.
(68) رواه البخاري.
(69) متفق عليه.
(70) التَّنْعِيم: موضع بمكة في الحِل، وهو يبعد عن الحرم حوالي (7 كم) تقريبًا، ويسمى الآن مسجد عائشة.
(71) متفق عليه.
(72) متفق عليه.
(73) رواه مسلم.
(74) الحُلَيفة تصغير الحلْفَاء -بسكون اللام وفتح الفاء- والحَلَفُ والحَلْفاء: نوع من النبات أو الشجر، وسُمي المكان به لكثرة ذلك الشجر فيه. وذو الحليفة هو أبعد المواقيت عن مكة، حوالي (400 كم)، ويُعرف اليوم بأبيار علي.
(75) هي قرية خَرُبت بين مكة والمدينة، وبدلها الآن (رابغ) وهو بطن واد عند الجحفة.
(76) يلملم: اسم جبل من جبال تهامة جنوب مكة، بينه وبينها (92كم) تقريبًا، ويُعرف اليوم بـ (السعديَّة)، وفيه مسجد معاذ بن جبل.
(77) قرن، ويقال قرن المنازل، جبل شرقي مكة يبعد عنها (75 كم)، ويُعرف اليوم بـ (السيل).
(78) ذات عِرْق سُميت بذلك لأن بها عِرْقًا، وهو الجبل الصغير، وتبعد ذات عرق عن مكة مسافة (100 كم)، وهي اليوم مهجورة لعدم وجود طرق إليها.
(79) الإرمال: الهرولة، وهو المشي السريع مع تقارب الخطى.
(80) البقرة: 125.
(81) البقرة: 158.
(82) رواه مسلم.
(83) نَمِرَة: موضع بعرفة، نزل به النبي r، وخطب الناس فيه خطبة الوداع.
(84) رواه الترمذي وغيره.
(85) المزدلفة: سميت بذلك إما من الاجتماع، أو الاقتراب؛ لأنها مقربة من الله، وإما لازدلاف الناس إليها بعد الإفاضة من عرفات. وهي مكان يقع في منتصف الطريق الموصل بين منى وعرفات على بعد نحو (5,5 كم) من منى.
(86) البقرة: 198.
(87) المشعر الحرام يطلق على مزدلفة كلها، والمراد به هنا جبل (قُزَح)، وهو جبل معروف في المزدلفة.
(88) رواه أبو داود، والترمذي مطولًا.
(89) رواه الترمذي.
(90) الحج: 29.
(91) البقرة: 203.
(92) ) المتعجل يرمي (49) حصاة: (7) يوم النحر، (42) يومي التشريق، ويضاف إليها (21) حصاة لغير المتعجل يرميها ثالث أيام التشريق.
(93) متفق عليه.
 
حقوق النشر محفوظة © 2011 أون إسلام